عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم مخلص الصغير: الشعر لا يتولى تفسير العالم .. ينقذ ما تبقى من الإنسانية - بوابة المدينة برس
قبل هذا الحوار، لا يبدو أننا نقف أمام شاعر يجيب عن أسئلة كاتب صحافي، وإنما أمام شاعر يحاكم اللغة نفسها، ويعيد مساءلة المعنى من جذوره، ويضع الشعر في مواجهة العالم، لا بوصفه زينةً ولكن بوصفه امتحانًا للوجود. وهنا لا يتحول السؤال إلى وسيلة لاستخراج الأجوبة، وإنما إلى معولٍ يحفر في طبقات الوعي، حيث تصبح كل إجابة سؤالًا جديدًا، وكل يقين احتمالًا آخر للشك. فما الشعر إذا أعلن أنه لا معنى له؟ وهل يكون نفي المعنى هو الطريق الأكثر صدقًا إلى المعنى؟ وهل تكتب القصيدة العالم كما هو، أم تكتبه كما كان ينبغي أن يكون؟ وأية سلطة تملكها اللغة حين تعجز السياسة عن حماية الإنسان، ويعجز التاريخ عن إنصاف الذاكرة، وتعجز الحضارة عن الإصغاء إلى أنين روحها؟.
في هذا الحوار، على صفحات هسبريس، لا يتحدث الشاعر المغربي مخلص الصغير عن الشعر باعتباره جنسًا أدبيًا، وإنما باعتباره موقفًا أخلاقيًا وجماليًا من العالم؛ لذلك لا تبدو القصيدة عنده بحثًا عن الحقيقة، وإنما بحثًا عن الأسئلة التي تجعل الحقيقة أكثر اتساعًا وأكثر غموضًا في آن واحد. ومن هنا تتداخل الأندلس مع الذاكرة، والتاريخ مع التخييل، والجائزة مع مسؤولية الكتابة، والقراءة مع أزمة الثقافة، حتى يغدو كل موضوع مدخلًا إلى سؤال أكبر يتعلق بمصير الإنسان نفسه.
وهنا تتوالى الأسئلة هل مات الشعر فعلًا، أم إن العالم هو الذي فقد قدرته على الإصغاء إليه؟ وهل الأزمة كامنة في القصيدة، أم في القارئ الذي يريد من الشعر أجوبة جاهزة بدل أن يقبل مغامرة القلق؟ وهل الثقافة تُبنى بالدعم والمؤسسات وحدها، أم إنها تبدأ من تربية الإنسان على محبة الجمال قبل محبة المنفعة؟ وهل يمكن لقصيدة أن ترمم ما هدمه التاريخ، وأن تعيد وصل الماضي بالحاضر، وأن تجعل الذاكرة مستقبلًا لا مجرد أطلال؟.
إن هذا الحوار على هسبريس لا يدور حول شاعر فحسب، وإنما حول معنى الكتابة في زمن تتكاثر النصوص ويقل الإصغاء، وحول وظيفة الثقافة في عالم يزداد صخبًا ويضيق بالأسئلة الكبرى. إنه حوار يدعونا إلى إعادة التفكير في الشعر وفي القراءة وفي الذاكرة، وفي الإنسان نفسه، لأن الشعر، كما يوحي مخلص الصغير، ليس تفسيرًا للعالم، ولكنه محاولة دائمة لإنقاذ ما تبقى من إنسانيته، حين يصبح الصمت أكثر بلاغة من الكلام، ويغدو السؤال آخر أشكال المقاومة.

نص الحوار:
ماذا يعني لكاتب أو شاعر الحصول على جائزة المغرب للكتاب؟ وماذا يعني لك الحصول على الجائزة؟
يقينا هي أهم جائزة بالنسبة إلي، لأنها الجائزة التي تحمل اسم بلدي، وهي الجائزة التي تضاهي الجائزة الوطنية في العديد من الدول التي تتوفر على تقاليد ثقافية عريقة. بدوري أهنئ ديوان “الأرض الموبوءة” على هذه الجائزة التي نالها، وأشكر كل الشعراء والمثقفين المغاربة، ومن دول كثيرة، الذين تقاسموا معي سعادة الفوز بهذه الجائزة. أهنئ الديوان لأنه هو الفائز، وقيمة هذه الجائزة أنها تعلن عن نفسها كل سنة لكي تحتفي بالكتاب، وتضمن له الاستمرار والتداول على هذه الأرض الموبوءة.
كيف تنظر إلى تشكّل تجربتك الكتابية عبر الزمن، بوصفها مسارًا بطيئًا يتراكم فيه الصوت الشعري على مهل، لا كاستجابة آنية للواقع، بل كحفر عميق في طبقاته الخفية، وهل يمكن القول إن هذا البطء هو اختيار جمالي أم ضرورة وجودية يفرضها وعيكم بالشعر؟
سبق للشاعر المغربي إدريس الملياني أن وضعني في مقال له ضمن طبقة “عبيد الشعر”، ذلك المصطلح النقدي التراثي الذي يجمع طائفة من الشعراء العرب القدامى ممن اشتهروا بتنقيح قصائدهم ومراجعتها وتجوديها. وإذا كان النقد العربي القديم استخدم مصطلحا آخر هو نحت القصيدة، كما قيل عن الفرزدق إنه كان ينحت من صخر، فها أنت تستخدم مصطلحا تشكيليا آخر هو “الحفر”، ذلك الحفر العميق الذي يعني اشتغالا فنيا على القصيدة والذات. ألم يقل موريسوبلانشو إن الشعر اشتغال على اللغة، وليس مجرد تعبير باللغة؛ ففي الشعر لا تصبح اللغة أداة بل غاية وجوهرا، فالموضوع في الشعر هو اللغة نفسها. في كتابة الشعر تصبح أقلام الشاعر إزميلا يحفر عميقا وينحت بدقة دون أن يجرح الورقة والمعنى.
يبدو أن الكتابة لديك تنبني على توتر دائم بين الذاكرة والتاريخ، بين الأندلس كأثر رمزي والراهن كجسد جريح، فكيف تصوغ هذا التوتر داخل القصيدة، وكيف تتحول الذاكرة من مجرد استعادة إلى أفق تأويلي يعيد إنتاج المعنى؟
تحضر الأندلس في تجربتي من خلال قصيدة عن “قرطبة”، في “الأرض الموبوءة”، وأخرى عن “الوادي الكبير”، وعن “إشبيلية”، في الديوان نفسه، والقصيدة الأخيرة والمطولة/ المعلقة في ديوان “الأرض الحمراء”… يمكن الحديث هنا عن القصيدة التاريخية، على غرار الحديث عن الرواية التاريخية، والحال أن القصيدة التاريخية موجودة قبل ذلك في نماذج شعرية عربية وغيرها. العودة إلى التاريخ ليست مجرد نوستالجيا، ولكنها تأمل استعادي وتجديد نظر إلى الماضي الأندلسي الشعري والفكري الذي شكل وعينا وذائقتنا. فسواء من الناحية الشعرية والموسيقية، أو من الناحية البصرية، من المشهد الطبيعي إلى المشهد المعماري وعناصره ونقوشه وزخارفه، شكلت الأندلس بالنسبة إلى المغاربة المرآة التي يرون فيها أنفسهم، وذاكرتهم الممتدة، والفضاء الحضاري الذي التقوا فيه بالعرب وبالآخر. وحين أتحدث في قصيدة “خروج أبي عبد الله الصغير من أرض الأندلس” فأنا أتحدث عن جد ربما، لأن كتب الأنساب والمرويات المغربية الأندلسية وأسماء القرى الأندلسية ترفع نسبنا إليه، كعائلة (أندلسية) منحدرة إلى تطوان من ضواحي غرناطة. وقل الأمر نفسه بالنسبة إلى العائلة من جهة الأم.
وسواء تعلق الأمر بتاريخ العائلتين أم بتاريخ المدينتين: غرناطة وتطوان، أم بتاريخ العدوتين: المغرب والأندلس، تأتي القصيدة لتملأ ذلك الفراغ الذي غفل عنه التاريخ، لسبب من الأسباب، وما أكثرها، وذلك عبر فعل التخييل، وهو ما تقوم به الرواية التاريخية أيضا. مع القصيدة التاريخية تصير الكتابة الشعرية أشبه بترميم لمعلمة تاريخية، ولقطعة أثرية، لنقش لم يعد مكتملا، وضاع مع الزمن، تسطير ورسم لحلقة مفقودة من زخرفة تعرضت لعوادي الزمن. وحين تنجح عملية الترميم الشعري هذه فهي تصل الماضي بالحاضر، أو لنقل إن الماضي هنا يكف عن أن يظل ماضيا فقط، غير موصول بالحاضر، بل هو موصول به وممتد فيه. استعادة الأندلس شعريا ليست حنينا وجدانيا، وعاطفة تاريخية، بل هي تنبيه للإنسانية إلى أهمية اللقاء والحوار والتعايش. مرة سألت مخرجة سينمائية إسبانية تنتمي إلى منطقة الأندلس عما تعنيه الأندلس بالنسبة إليها، فكان جوابها أن الأندلس هي اللحظة الفريدة في تاريخ الإنسانية، حيث ظلت، لقرون عديدة، حاضرة إنسانية حاضنة لتعدد الثقافات والمرجعيات…
مرة أخرى دعني أقول لك إنني مشدود إلى تلك اللحظة الأندلسية، وإلى العبقرية الأندلسية، وإلى آبائنا الأندلسيين، نعم إنهم آباؤنا الذين نحن أجدادهم…
في ظل التحولات التي يعرفها الشعر المغربي، بين التجريب اللغوي والتفكك الدلالي، كيف تقيم موقع القصيدة اليوم، وهل مازال الشعر قادرًا على مساءلة العالم، أم إنه صار يكتفي بإعادة إنتاج قلقه الخاص داخل دائرة مغلقة؟
تذكر أنني كنت صحافيا منذ بداية هذا القرن، وقد اشتغلنا معا. إذن دعني أواجه سؤالك بسؤال آخر: هل مازال العالم قادرا على الإنصات للشعر؟ لماذا ابتعد العالم عن الشعر؟ أليس الوضع الذي آل إليه العالم وانحدر إليه من مشاهد الحروب ومظاهر الابتذال والسطحية والغباء والاستهلاك الأعمى إنما حدث ذلك بسبب الابتعاد عن الشعر، لا أقصد هنا بالشعر تلك النصوص المجتمعة بين دفتي ديوان شعري، فقط، وإنما أقصد شعر الحياة وشعريتها. أن يحضر الشعر في تعاملنا مع ذواتنا ومع الآخر، أن يحضر الشعر في تعامل الدول والثقافات والحضارات مع بعضها البعض، من خلال الإنصات للآخر والاعتراف به واحترامه، من خلال التضامن الإنساني اللامشروط مع أصحاب القضايا العادلة، وعبر إدانة كافة أشكال القتل والتدمير التي تطال الإنسان والبيئة…
حديثك عن التفكك الدلالي يجعلني أوكد مرة أخرى أن الشاعر غير معني بالمعنى، إنني أكتب لا معنى العالم. وهذا اللامعنى الذي نعيشه في كل شيء هو الذي يدفعني إلى الكتابة. الكتابة هنا لا معنى لها، بل هي المعنى نفسه. والشعر لا معنى له، وإنما هو المعنى نفسه. والشاعر إنما يخلق معناه الخاص، وهو منشغل بسؤال الكتابة وطابعها الإشكالي ورهانها الجمالي.

يبتعد الكثير من القراء عن الشعر لأنهم يأتون إلى القصيدة معتقدين أنها ستقدم لهم معنى، أو معرفة، أو حلا، أو جوابا، عن أسئلتهم والقضايا التي تؤرقهم في الواقع، أما القصيدة فإنها تعد القارئ بالخروج من هذا الواقع والإقامة في القصيدة. الشعر دعوة إلى نزهة في حديقة، والقصائد هي آخر الحدائق “اللغوية”، الخضراء، المتبقية على هذه الأرض الموبوءة، وهذه الأرض الحمراء، التي ملأناها بنايات إسمنتية، ونحولها الآن إلى أنقاض. نهدم ما نبنيه فوق الأرض، لنعيد إعمارها، مؤقتا، بعقلية مدمرة ومخربة.
تعاني القراءة في السياق المغربي من مفارقة حادة بين وفرة الإنتاج وضعف التلقي، فكيف تفهم هذه الإشكالية؟ وهل ترى أن الأزمة هي أزمة قارئ أم أزمة نص أم أزمة وسائط ثقافية؟
السؤال مهم، لكن دعني أغير كلمة “وفرة الإنتاج” بـ”فوضى الإنتاج”، ودعني أغير “فوضى الإنتاج” بعبارة “خلل الإنتاج”. الفوضى يعكسها تداول المقروء في منصات التواصل الاجتماعي هكذا عبثا وكيفما اتفق. صحيح أن هذه المنصات تضمن الحق في الوصول إلى النصوص، سوى أنه يصعب تمييز الغث من السمين، والجدي من العبثي والمفتعل والمبتذل. زد على ذلك منتجات الذكاء الاصطناعي من النصوص التي صارت تغزو العالم.
أما الخلل الأكبر فيطال النصوص الجدية وأعمال الكتاب المبدعين الحقيقيين، وهذا هو الخلل والخطر والخطأ الأكبر. فالكثير من الكتب لم نعد نراها إلا في وسائط التواصل الاجتماعي، أو في صورة “سيلفي” مع صاحبها، على “الفايس”، وما إلى ذلك، بينما لا تجد لها أثرا في المكتبات. أغلب الكتب لا نعرف عنها صوى العنوان واسم المؤلف وصورة الغلاف الأمامية، وجه الكتاب ووجه صاحبه أو صاحبته؛ والسبب الأساس غياب التوزيع الذي يضمن وصول الكتاب إلى القارئ. وهكذا يتم الاعتماد على توزيع ذاتي محدود، وانتظار معرض للكتاب من أجل توقيع نسخ محدودة في جناح مكسور، لا يستطيع أن يحلق بالكتاب بعيدا في مختلف مناطق البلاد، لكي يصل إلى الناس. من هنا تتعمق هذه المعرفة السطحية حتى بالكتب، وهذا أخطر ما يمكن أن يتصوره إنسان.
إلى أي حد يمكن اعتبار السياسات الثقافية في المغرب قادرة على خلق دينامية حقيقية للفعل الثقافي؟ أم إنها تظل رهينة منطق المناسبات والبرامج الظرفية التي لا تلامس العمق البنيوي للثقافة؟
سبق لي أن اشتغلت أكثر من مرة في لجن دعم الكتاب، وساهمت في تمكين عدد من الناشرين من فرص طبع العشرات من أعمالهم التي تستجيب لدفر التحملات، وقل الأمر نفسه بالنسبة إلى دعم المجلات، الورقية والإلكترونية، ودعم إحداث وتحديث المكتبات، ودعم مشاركة دور النشر الوطنية في المعارض الدولية، فضلا عن إقامات المؤلفين. ولولا هذا الدعم، وباستثناء أسماء مغربية محدودة جدا، ما كان للكتاب المغربي أن يبقى على قيد القراءة. وفي هذه الدورات التي اشتغلت فيها قدمنا الكثير من التوصيات، التي أغنت دفتر التحملات وجددته إلى حد بعيد. وطبعا بقيت هنالك بعض التفاصيل المهمة التي وجب الاشتغال عليها من أجل أن يكون هذا الدعم العمومي أكثر فعالية ومردودية. من ذلك مثلا توقيت ظهور نتائج الدعم، إذ المفروض أن يتم قبل أشهر من انطلاق المعرض الدولي للكتاب للنشر والكتاب عندنا، بما يضمن استفادة المعرض من تقديم هذه الإصدارات التي استفادت من الدعم، وقس على ذلك. كما يجب تنظيم العلاقة بين الناشر والمؤلف، ليستفيد هو الآخر، عبر ميثاق واضح، بسند قانوني. وإلى جانب دعم الكتاب ودعم الجمعيات الثقافية ودعم السينما والمسرح والفنون التشكيلية هنالك مجالات أخرى تهتم بها السياسات الثقافية في بلادنا، عبر تثمين التراث المادي واللامادي، وتسجيله لدى المنظمات الدولية المختصة، وإقامة التظاهرات الثقافية والفنية الكبرى، والمساهمة في استمرارية الممارسة الثقافية في بلادنا، عبر مختلف المراكز الثقافية، واستمرار فعل القراءة، عبر المكتبات العمومية وغير ذلك من المبادرات.
دعني أقول لك إن ما ينقصنا في المغرب ليس هو الثقافة، فأنت أمام بلد له ممارسات ثقافية عريقة، ومعالم وآثار تعود إلى ما قبل التاريخ، وروافد ومرجعيات ثقافية شتى. ما ينقصنا “ثقافة الثقافة”، أعني وجود تقاليد وعادات تتعلق باستمرار الذهاب إلى قاعات السينما، إلى المعارض التشكيلية، إلى العروض الموسيقية والمسرحية، عادة القراءة في مختلف الفضاءات العمومية، وهذا لا يتحقق إلا بالتربية على الثقافة، التربية على محبة الكتاب، ومحبة السينما، وعشق كل الفنون. هي مسؤولية تتقاطع فيها أدوار الأسرة مع المدرسة، مع المجتمع المدني، ودور وزارة الشباب والثقافة والتواصل مع وزارة التربية الوطنية ووزارة التعليم العالي، ويتقاطع فيها القطاع العمومي مع القطاع الخاص، إذ نحن في حاجة إلى قطاع خاص يستثمر في الثقافة، إلى جانب القطاع العمومي. والرهان هو أن لا تكون الممارسة الثقافية مجرد أنشطة ولقاءات وتظاهرات، وملتقيات تجمع نخبا ومبدعين في مجال من المجالات، بل أن تترسخ الثقافة كسلوك يومي في حياة المغاربة كلهم.
ما تقييمك لدور المؤسسات الثقافية الرسمية وغير الرسمية في دعم الإبداع، وهل ترى أن الدعم العمومي يسهم فعلاً في تطوير التجارب، أم إنه أحيانًا يخلق نوعًا من الترويض غير المعلن للكاتب والمؤسسات الثقافية؟
الذين نظّروا للصناعات الإبداعية منذ الثمانينيات، ودرسوا السياسات العمومية والتجارب الدولية في هذا المجال، يجمعون على أن الدعم لا ينبغي أن يخصص لثقافة الترفيه؛ ففي حالة السينما مثلا لا يمكن للدولة أن تدعم السينما التجارية، ماديا، لكن يمكن أن تشجع على الاستثمار في هذا المجال. كما أن الدعم ينبغي أن يكون مشروطا، وفق دفتر تحملات متطور ومتجدد. مثلا، من الصعب تخصيص 600 مليون سنتيم لدعم فيلم سينمائي، وتمكين منتجه من نسبة 50 في المائة أولية، و50 في المائة الثانية لمجرد أنه انتهى من إنتاج الفيلم وقام بعرضه. بل ينبغي أن تحدد قيمة الشطر الثاني من الدعم بناء على معاينة اللجنة وتقريرها. وإلا فإن أي جهة تتوصل بالدعم تسارع إلى التصوير كما اتفق، من أجل الحصول على “غنيمة” الدعم، دون اعتبار الشروط الفنية، إلا في حالات وتجارب تحترم نفسها. وبخصوص ترويض المؤسسات الثقافية والفاعل الثقافي عن طريق الدعم، كما ذكرت، فوجب علينا أن نعتبر الدعم حقا وليس منة من جهة ما.
تعيش الصحافة الثقافية في المغرب بدورها نوعًا من التراجع أو التحول، كيف تقرأ هذا التحول، وهل مازالت قادرة على لعب دور الوسيط النقدي بين النص والقارئ، أم إنها فقدت جزءًا من وظيفتها التأويلية؟
تراجع الصحافة الثقافية من تراجع الصحافة بشكل عام. وهذا التراجع يسجله الجميع، والحال أننا نعيش منعطفا تاريخيا من خلال الانتقال من زمن الورقي إلى زمن الرقمي. وهذا الانتقال إلى الرقمي صاحبه استسهال للكتابة في الفضاء الإعلامي الرقمي. وانتقلنا من مستوى الكتابة الممهورة بآليات التحليل والقراءة والعرض المفصل إلى التعليق والمشاركة، والتحرير المتسرع المطبوع بالكثير من الاختزال والسطحية.
والصحافة الثقافية كان يحررها، عبر تاريخ المغرب، أدباء ومفكرون وشعراء وباحثون، بينما الذين يكتبون في الفضاء الرقمي اليوم قلما تجد لهم دراسة أو كتابا في مجال من المجالات. وعلى مستوى النصوص فكثيرا ما شكلت النصوص التي كانت تنشر في الصحافة الورقية جزءا أو فصولا من كتب ودراسات ثقافية وأدبية مهمة، بينما النص الرقمي اليوم، حتى لو كان عن كتاب فكري أو رواية عميقة، أو ديوان شعري، تجده نصا للاستهلاك فقط، نصا زائلا عابرا وعرضيا، لا يملك سمة الخلود، وأبدية القراءة.
اختياراتك لعناوين كتبك تبدو محمّلة بكثافة رمزية ولا تخلو من بعد درامي، كيف تولد هذه العناوين؟ وهل تسبق النص أم تأتي كخلاصة له، أم إنها تشكّل نصًا موازيًا يفتح أفق القراءة؟
لي مع العناوين قصة طويلة، سواء على مستوى الكتابة الأدبية أو الصحافية، فحين بدأت العمل في الصحافة، وأنا لا أزال في البدايات، كثيرا ما كنت أنجح في مهمة تسمية الملفات القوية التي كنا ننشرها في “الصحيفة” و”الحياة” وغيرها، وقل الأمر نفسه بخصوص الأعمدة الصحافية والافتتاحيات التي كنت أكتبها يوميا، لسنوات طويلة. وفي المكتبة المغربية ثمة العديد من الروايات والدواوين والدراسات والترجمات لكتاب مغاربة وغيرهم، كان لي شرف تسمية كتبهم، وقد ساهمت تلك العناوين في تداول هذه الأعمال والترويج لها. ويشبه الأمر هنا ذلك الشخص الذي يُعرف في العائلة بحسن اختيار أسماء المواليد الجدد. ويمنح العنوان الكتاب شهادة ميلاد، وإذا كان عنوانا موفقا يمنحه شهادة الخلود.
نلاحظ في السنوات الأخيرة انتقال عدد من الشعراء نحو كتابة الرواية، ما الذي يفسر هذه الظاهرة في نظرك، وهل يتعلق الأمر بجاذبية سردية أوسع أم بأزمة داخل الشعر نفسه؟
ربما هي أزمة الشاعر إذا كان انصرف من كتابة الشعر إلى كتابة الرواية. أما إذا كتب الرواية، وظل مستمرا في كتابة الشعر فمعناه أنه لم يرفع راية الاستسلام، ولم يعلن ولم يقر بفشله. والمصيبة أن يذهب إلى كتابة الرواية فلا ينجح في ذلك. بينما يبقى الشعر حاضرا في الرواية، وكثير من الشعراء الذين كتبوا الرواية أنقذوها من اللغة المبتذلة، ومنحوها أفقا تخييليا رحبا ولغة وسيمة.
في ظل ما يمكن تسميته مأزق الثقافة المغربية، بين تعدد المبادرات وضعف الأثر، كيف ترى مستقبل الشاعر المغربي، وهل مازال قادرًا على إنتاج معنى يتجاوز العزلة، أم إنه محكوم بأن يكتب في هامش لا يُسمع إلا صداه؟
العزلة هي بيت الكاتب، والشاعر إنما يقيم في بيت منفتح على الأبد، بعبارة سان جون بريس. ومن عزلته يطل الكاتب على العالم المادي، ويكتب بروحه التي “تئن من فرط القلق اللاينتهي”، بتعبير بودلير هذه المرة.








0 تعليق