العالم والنزاعات العسكرية .. البراغماتية الاقتصادية تراجع موازين القوى - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم العالم والنزاعات العسكرية .. البراغماتية الاقتصادية تراجع موازين القوى - بوابة المدينة برس

يبدو النظام الدولي اليوم وكأنه دخل مرحلة تاريخية جديدة، تتسم بإعادة تشكيل تدريجية لموازين القوة وبعودة البراغماتية الاقتصادية باعتبارها مبدأ منظِّما للعلاقات الدولية. فبعد سنوات طويلة هيمنت عليها التوترات الجيوسياسية والتنافسات الاستراتيجية ومنطق المواجهة والصراع، بدأت القوى الكبرى تدرك الكلفة الباهظة للنزاعات المفتوحة على الاستقرار العالمي والأسواق المالية وسلاسل الإنتاج والتوريد.

لا يعني هذا التحول اختفاء المنافسات الدولية، بل يعكس بالأحرى تغير طبيعتها وأدواتها. فالعالم لا يتجه نحو سلام دائم بالمعنى التقليدي للكلمة، وإنما نحو إدارة براغماتية للخلافات والتناقضات، تحتل فيها الاعتبارات الاقتصادية والطاقة والتجارة مكانة مركزية متزايدة. ولم تعد الدول تسعى بالضرورة إلى إزالة خلافاتها بقدر ما تحرص على منعها من الإضرار بالتوازنات الضرورية لاستمرار النمو الاقتصادي.

في هذا السياق، أصبحت الاقتصادات الوطنية والأسواق العالمية أدوات رئيسية لتنظيم التفاعلات الجيوسياسية. فالتدفقات التجارية والاستثمارات الاستراتيجية وأسواق الطاقة والتكنولوجيات المتقدمة وسلاسل الإمداد باتت تشكل وسائل نفوذ أكثر تأثيرا من الاستعراضات العسكرية أو الأيديولوجية وحدها. ولا تزال القوى الكبرى تدافع عن مصالحها الوطنية ومجالات نفوذها؛ لكنها تميل بصورة متزايدة إلى أشكال غير مباشرة من المنافسة تقوم على التفوق التكنولوجي والقدرات المالية والابتكار والشراكات الاقتصادية العابرة للحدود.

ويُفسَّر هذا التحول إلى حد كبير بالنتائج السلبية المتراكمة للأزمات الأخيرة؛ من جائحة كورونا، والحرب في أوكرانيا، والحرب الإيرانية-الأمريكية، والصراعات في الشرق الأوسط، وارتفاع معدلات التضخم، وأزمات الطاقة، واضطرابات سلاسل التوريد، والتباطؤ الاقتصادي العالمي.

لقد أضعفت هذه التطورات الاقتصادات المتقدمة والناشئة على السواء، وجعلت من الاستقرار الاقتصادي ضرورة استراتيجية لا غنى عنها. فالحروب الطويلة لم تعد مكلفة عسكريا فحسب، بل أصبحت تفرض أثمانا باهظة على الأسواق والاستثمارات والنمو العالمي. ويُعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران مثالا واضحا على ذلك.

ويعكس التخفيف التدريجي لبعض النزاعات الدولية إرادة ضمنية للحفاظ على الآليات الأساسية للاعتماد الاقتصادي المتبادل على المستوى العالمي. باتت ملفات جيوسياسية حساسة عديدة تُدار وفق منطق “ضبط النفس”، حيث يسعى الفاعلون الدوليون قبل كل شيء إلى تجنب القطيعة التي قد تؤدي إلى صدمات اقتصادية كبرى. وتُبرز تداعيات إغلاق مضيق هرمز على التجارة العالمية وأسعار المحروقات أهمية هذا المنطق البراغماتي.

وتُجسد العلاقات الصينية– الأمريكية هذا التحول نحو الواقعية الاقتصادية بصورة خاصة. فعلى الرغم من استمرار التنافس الاستراتيجي العميق بين الولايات المتحدة والصين، ولا سيما في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، وقضية تايوان، فإن البلدين لا يزالان مرتبطين بدرجة كبيرة من الاعتماد الاقتصادي المتبادل؛ وهو ما يحد من احتمالات القطيعة الشاملة بينهما.

ويبدو أن الهدف الأساسي للعاصمتين ليس تسوية جميع خلافاتهما بشكل نهائي، بل الحيلولة دون اندلاع موجة جديدة من التصعيد من شأنها أن تزيد من اضطراب الاقتصاد العالمي. فبعد الزيادات الجمركية الكبيرة التي أقرتها الإدارة الأمريكية سنة 2025، وما تبعها من إجراءات انتقامية صينية، فضّل الطرفان اعتماد استراتيجية تهدئة جزئية تهدف إلى حماية مصالحهما الاقتصادية المتبادلة. وحتى في غياب اتفاق شامل، فقد سمح استئناف الحوار بالحفاظ على قنوات دبلوماسية وتجارية أساسية.

كما تناولت المباحثات بين الطرفين عددا من القضايا الجيوسياسية الإقليمية المهمة؛ من بينها العلاقات الأمريكية الإيرانية، وأمن مضيق هرمز، والتوازنات الطاقية العالمية.

وفي هذا الإطار، تؤكد اللقاءات الأخيرة بين القيادة الصينية والرئيس الروسي فلاديمير بوتين بروز نظام دولي أكثر تعددية في مراكز القوة، تحتل فيه الصين موقعا محوريا لا يمكن نكرانه. وقد اتخذت بكين أيضا قرارا لافتا بإعفاء الدول الإفريقية من الرسوم الجمركية على عدد من المنتجات؛ مما يعزز مكانتها باعتبارها فاعلا أساسيا ليس فقط في الاستقرار الاقتصادي العالمي، بل أيضا في إدارة عدد من الأزمات الإقليمية والدولية.

وهكذا، يبدو العالم اليوم متجها نحو شكل من أشكال البراغماتية الجيو-اقتصادية، حيث تظل المنافسة بين القوى الكبرى قائمة؛ لكن الاعتماد الاقتصادي المتبادل يفرض قيودا على المواجهة المباشرة. ولم تعد التحولات الكبرى في النظام الدولي تتجلى فقط عبر الخطابات الأيديولوجية أو استعراضات القوة العسكرية؛ بل أصبحت تظهر أيضا من خلال الاستثمارات، والاتفاقيات التجارية، والشراكات التكنولوجية، وإعادة ترتيب المصالح الاستراتيجية على نحو تدريجي.

ومن ثم، فإن فهم هذه البنية الدولية الجديدة يقتضي قراءة دقيقة للديناميات الاقتصادية العالمية جنبا إلى جنب مع التطورات الدبلوماسية والتكنولوجية والعسكرية؛ فموازين القوة المعاصرة لم تعد تُختزل في القدرات العسكرية أو الامتداد الجغرافي للدول، كما كان الحال خلال الحرب الباردة أو في مراحل الصراع الأيديولوجي التقليدية. لقد أصبحت القوة تُمارَس كذلك عبر آليات أكثر تعقيدا وأقل ظهورا؛ مثل التحكم في سلاسل الإمداد العالمية، والسيطرة على الموارد الطاقية والمواد الخام الاستراتيجية، والهيمنة على التقنيات المتقدمة، والنفوذ النقدي، والقدرة على الاستثمار على المستوى الدولي.

وفي هذا السياق الجديد، لا تُعد الدول الأكثر تأثيرا هي تلك التي تمتلك جيوشا قوية فحسب، بل أيضا تلك القادرة على فرض المعايير التكنولوجية، والتحكم في البنى التحتية الرقمية، والهيمنة على الشبكات المالية العالمية، وتوجيه التدفقات التجارية الدولية. وتُجسد المنافسة حول أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والبيانات الرقمية والمعادن النادرة وشبكات الطاقة هذا التحول العميق في طبيعة القوة الدولية. وبذلك، أصبحت النزاعات المعاصرة تأخذ أشكالا هجينة، تغدو فيها المصالح الاقتصادية والتمويل والأمن السيبراني والابتكار العلمي والدبلوماسية التجارية أدوات استراتيجية لا تقل أهمية عن الوسائل العسكرية التقليدية.

كما يفسر هذا التحول ظهور حالة من الاعتماد المتبادل المتناقض بين القوى الكبرى؛ فحتى عندما تتواجه سياسيا، فإنها تظل مرتبطة بمصالح اقتصادية مشتركة تجعل أي قطيعة مفاجئة باهظة الثمن. وكما يقول المثل المصري: “المصالح تتصالح”. فالولايات المتحدة والصين، على سبيل المثال، تخوضان منافسة استراتيجية واسعة النطاق، مع بقائهما شديدتي الترابط تجاريا وماليا وتكنولوجيا. وتفرض هذه الحقيقة مقاربة أكثر براغماتية لإدارة النزاعات الدولية، تقوم على تنظيم التوازنات أكثر مما تقوم على منطق الإقصاء أو المواجهة العسكرية.

ومن جهة أخرى، عززت العولمة الاقتصادية دور الفاعلين غير الحكوميين في تشكيل العلاقات الدولية؛ فالشركات متعددة الجنسيات والصناديق السيادية والمؤسسات المالية الدولية وعمالقة التكنولوجيا الرقمية تمتلك اليوم قدرة تأثير قد تفوق أحيانا قدرة بعض الدول. كما أن القرارات التي تتخذها المنصات الرقمية الكبرى أو الأسواق المالية العالمية قد تترك آثارا مباشرة على الاستقرار الاقتصادي والسياسي لمناطق بأكملها.

وقد طوّر عدد من الحاصلين على جائزة نوبل في الاقتصاد، وفي مقدمتهم Joseph Stiglitz، أفكارا تؤكد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن المصالح الاقتصادية تؤدي دورا محوريا في سلوك الدول وفي تشكيل النظام الدولي. ويرى ستيغليتز أن العولمة والاعتماد الاقتصادي المتبادل أصبحا من العوامل البنيوية الحاكمة للحوكمة العالمية. وعلى الرغم من انتقاداته لبعض جوانب العولمة، فإنه يعتبر أن القضايا الاقتصادية أصبحت في صلب السياسة الدولية المعاصرة.

وفي هذا الإطار، يشهد مفهوم السيادة ذاته إعادة تعريف عميقة. فلم تعد السيادة تقتصر على حماية الحدود الجغرافية؛ بل أصبحت تشمل القدرة على ضمان الاستقلال في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والغذاء والفضاء الرقمي. وتسعى الدول اليوم إلى تأمين سلاسل إنتاجها، ومواردها الاستراتيجية، وبنياتها التحتية الحيوية، للحد من هشاشتها في عالم يتسم بترابط اقتصادي كثيف ومنافسة دائمة.

وقد سلطت المناقشات الأخيرة لقمة مجموعة السبع الضوء على الأولويات الاقتصادية الاستراتيجية للدول الغربية في سياق دولي متوتر، قد تكون لتداعياته المحتملة على أسواق الطاقة والتجارة العالمية والتوازنات الإقليمية آثار عميقة. ففي اقتصاد عالمي شديد الترابط، تؤثر التطورات الدبلوماسية بصورة مباشرة في الاستراتيجيات الصناعية، وتدعو إلى إعادة التفكير في مسارات التحول التي يشهدها الاقتصاد العالمي.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق