عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم بوصوف: السطو على الذاكرة الأندلسية يستدعي إعادة كتابة التاريخ - بوابة المدينة برس
فكك المؤرخ والباحث المغربي عبد الله بوصوف خيوط التآمر التاريخي الذي تعرضت له الذاكرة المغربية الأندلسية عبر قرون، مشيرا إلى أن المغرب والأندلس شكلا عبر التاريخ مجالا حضاريا وسياسيا واحدا، حيث كان المضيق الفاصل بينهما، الذي كان يسمى قديما “الزقاق”، مجرد معبر سهل التجاوز لا يشكل أي قطيعة بين العدوتين.
ويعتبر الباحث الذي حل ضيفا على برنامج “نقاش هسبريس” أن إسقاط مفهوم الدولة الوطنية الحديثة بحدودها الحالية على جغرافية القرون الوسطى، أمر غير سليم من الناحية العلمية، مؤكدا أن الأندلسيين كانوا مغاربة يتنقلون باستمرار بين مختلف الحواضر في كلتا الضفتين طلبا للعلم والتجارة.
وفي هذا السياق، أوضح بوصوف أن السردية التاريخية الحالية هي نتاج دراسات استشراقية إسبانية وأوروبية سعت عمدا إلى عزل التراب الأندلسي عن المغرب بغية إدخال الأندلس ضمن التاريخ الوطني الإسباني الخالص.
وقد بدأت هذه العملية الممنهجة، بحسب المؤرخ ذاته، بعد حروب الاسترداد التي تحولت إلى حرب استئصال حضاري وثقافي انطلقت بنهب المخطوطات وتفسيرها وفق أهواء المستشرقين لخدمة غرض الفصل بين العدوتين. وأضاف بوصوف بأسف أن المؤرخين العرب المشارقة كانوا مجرد صدى لهذه السردية الاستشراقية، حيث تبنوا نتائجها ورسخوها في كتاباتهم لأنهم لم يعيشوا أو يدرسوا تاريخ المغرب بشكل كاف.
وقدم المؤرخ أمثلة حية على هذا السطو الذي طال أعلاما وعلماء ارتبطوا بالمغرب روحا وتكوينا، لكن تم حصرهم في هويات أندلسية ضيقة أو مشرقية، مشيرا إلى أن الفيلسوف ابن رشد، على سبيل المثال، كتب شروحه الكبرى والصغرى والمتوسطة حول فلسفة أرسطو في مدينة مراكش بإيعاز وتوفير للشروط الموضوعية من طرف الخليفة الموحدي، ومن هناك انتقلت الفلسفة الأرسطية إلى أوروبا.
وذكر بوصوف أيضا أن المتصوف الشهير ابن عربي صرح بنفسه في كتاباته بأن شخصيته الروحية والصوفية اكتملت بمدينة فاس حيث درس وتربى، ورغم ذلك يعتقد كثيرون اليوم أنه مجرد عالم أندلسي. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل شمل شخصيات أخرى مثل ابن خلدون الذي تجاوزت سنوات إقامته في المغرب نظيرتها في تونس، إضافة إلى علماء آخرين نقلوا العلوم والرياضيات والفلك إلى أوروبا، مثل ابن البناء المراكشي، في تجاهل تام لإسهامات الدولة المغربية ومؤسساتها كجامعة القرويين ومدينة سبتة التي كانت حافلة بالمكتبات قبل أن تتعرض هويتها للطمس الكلي.
كما نبه بوصوف إلى محاولات سطو معاصرة في الدراما، حيث يتم اختطاف شخصيات مثل ابن عربي لجعله مستشارا روحيا في مسلسلات تاريخية أجنبية رغم عدم وجود أي لقاء تاريخي يبرر ذلك.
ولم يقتصر حديث المؤرخ على التاريخ الأندلسي، بل امتد ليلامس قضايا السطو المعاصر على المآثر المغربية؛ إذ توقف مطولا عند قضية مسجد باريس الكبير، وأكد بناء على وثائق أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية أن السلطان المغربي هو من أصدر ظهيرا سنة 1917 لبناء المسجد، وأن جميع مواد البناء انطلقت من ميناء الدار البيضاء، بينما كان العمال والمهندسون والمؤقت الذي حدد القبلة كلهم من المغاربة.
وأضاف أن أول خطيب في المسجد كان الإمام المغربي سكيرج، وأن السلطان مولاي يوسف هو من دشن المسجد شخصيا سنة 1926 رافضا إشراك أي جهة أخرى باعتباره صاحب الشرعية الدينية والسياسية، مما يجعل مطالبة المغرب بهذا المعلم التاريخي اليوم أمرا مشروعا وضروريا.
وفي ختام رؤيته التحليلية، وجه بوصوف دعوة صريحة إلى الجامعات المغربية للتحلي بالجرأة وفتح مسالك متخصصة في المجال المغربي الأندلسي لإعادة امتلاك هذا التاريخ العريق وتصحيح سرديته. وشدد على ضرورة الاعتماد على التاريخ بمفهومه الشامل كما أسس له ابن خلدون وفرناند بروديل، لفهم تطور الذهنيات واستيعاب اللحظة الراهنة من أجل بناء مستقبل أفضل.
ودعا بوصوف إلى الاستثمار في الدراما والأعمال الفنية لتسويق التاريخ المغربي المجيد، مؤكدا أن الهوية المغربية المتشبعة بقيم العقلانية والتنوير والتسامح تشكل الحصن الحصين للمجتمع، وأن قوة البحث العلمي والإنتاج المعرفي هي السبيل الوحيد لصد أي محاولات للسطو على الذاكرة الجماعية للأمة المغربية.
" frameborder="0">








0 تعليق