هزيمة واحدة لا ينبغي أن تمحو إرثًا كاملاً - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم هزيمة واحدة لا ينبغي أن تمحو إرثًا كاملاً - بوابة المدينة برس

كنت ولا أزال عاشقًا لكرة القدم منذ أن وعيت على هذه الحياة. تابعت المنتخب الوطني المغربي في جميع مشاركاته في نهائيات كأس العالم، بدءًا من نسخة 1970 بالمكسيك التي شاهدتها عبر شاشة التلفزيون بالأبيض والاسود، ثم حضرت مباريات الأسود في نسخ 1986 بالمكسيك و1994 بأمريكا و1998 بفرنسا و2018 بروسيا و2022 بقطر، وها أنا أواصل الرحلة معهم في مونديال 2026 بأمريكا وكندا والمكسيك.

وعلى امتداد كل هذه السنوات، عشت لحظات الفرح والانكسار، لكن شيئًا واحدًا لم يتغير أبدًا ألا وهو إيماني بأسود الأطلس. وكغيري من ملايين المغاربة، شعرت بحزن عميق بعد الخسارة أمام فرنسا ببوسطن في دور الربع. فعلى عكس المباريات الخمس السابقة التي أمتع فيها منتخبنا العالم بشجاعته وانضباطه وروحه القتالية وأدائه الاستثنائي، لم يكن خلال مباراته ضد الديوك الفرنسية في يومه، وظهر بمستوى أقل بكثير مما اعتدناه منه. وكان من المؤلم أن نرى فريقًا منحنا كل ذلك الفخر يعاني أمام منافس كان الأفضل في تلك الليلة.

الإحباط بعد الهزيمة أمر طبيعي، لكن غير الطبيعي هو سرعة النسيان. فبعد ساعات قليلة من صافرة النهاية، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بهجوم شرس من أشخاص نصبوا أنفسهم خبراء في كرة القدم بين ليلة وضحاها. اللاعبون الذين كانوا قبل أيام فقط أبطالًا في نظر الجميع أصبحوا فجأة هدفًا للسخرية والتجريح. واتُّهم الجهاز الفني بالفشل، ووُجهت أصابع الاتهام إلى الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم دون أي دليل، وانتشرت الشائعات ونظريات المؤامرة بسرعة أكبر من انتشار الحقيقة. وكأن كل ما حققه هذا المنتخب خلال الأسابيع الماضية، بل خلال السنوات العشر الأخيرة، قد مُحي من الذاكرة.

والحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك. لقد منحنا هؤلاء اللاعبون واحدة من أعظم المسيرات في تاريخ كرة القدم المغربية. وحدوا ملايين المغاربة داخل الوطن وخارجه، ونالوا احترام وإعجاب جماهير كرة القدم في مختلف أنحاء العالم، وأثبتوا مرة أخرى أن المغرب أصبح ينتمي إلى نخبة الأمم الكروية.

هزيمة واحدة لا يمكن أن تمحو كل ذلك. ومن أكثر مظاهر هذا الجحود إيلامًا ما تعرض له أشرف حكيمي من انتقادات قاسية. فهذا اللاعب قدم لسنوات طويلة كل ما يملك دفاعًا عن قميص المنتخب، وكان مثالًا في الالتزام والاحترافية وحب الوطن. ومع ذلك، لمجرد أنه لم يقدم أفضل مستوياته في مباراة واحدة، ثم صافح بعض أصدقائه من لاعبي المنتخب الفرنسي بعد نهاية اللقاء، شكك البعض في وطنيته وولائه.

وأي ظلم أكبر من هذا؟ فالروح الرياضية ليست خيانة، واحترام المنافس كان وسيظل من أسمى القيم التي تقوم عليها الرياضة. يمكن للاعب أن يتألم للهزيمة، وأن يحترم خصمه في الوقت نفسه. فالأمران لا يتعارضان.

ولم يسلم من هذا الظلم أيضًا رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فوزي لقجع، بعدما انتشرت شائعات لا أساس لها من الصحة تزعم أنه غادر الملعب بين الشوطين، إلى جانب اتهامات أخرى لا تستند إلى أي دليل. ويبدو أن أصحاب هذه الاتهامات قد نسوا أين كانت كرة القدم المغربية قبل توليه رئاسة الجامعة. فالمغرب غاب عن نهائيات كأس العالم لمدة عشرين عامًا كاملة. ومنذ تولي فوزي لقجع رئاسة الجامعة قبل ما يزيد قليلًا عن عشر سنوات، شهدت كرة القدم المغربية تحولًا تاريخيًا بكل المقاييس. عاد المنتخب إلى كأس العالم سنة 2018، وتأهل إلى جميع النسخ منذ ذلك الحين، وحقق الإنجاز التاريخي ببلوغ نصف نهائي مونديال 2022 كأول منتخب إفريقي وعربي يحقق هذا الإنجاز، ثم واصل تألقه ببلوغ ربع نهائي نسخة 2026. ولم يقتصر هذا النجاح على المنتخب الأول، بل امتد إلى مختلف الفئات السنية وكرة القدم النسوية، حيث حققت الكرة المغربية إنجازات غير مسبوقة، من بينها التتويج بكأس العالم لأقل من 20 سنة في الشيلي سنة 2025، إلى جانب العديد من الألقاب والنتائج المشرفة قارياً ودوليًا، مما جعل المغرب أحد أسرع البلدان تطورًا في عالم كرة القدم. كل هذه الإنجازات لم تكن وليدة الصدفة، وإنما كانت ثمرة سنوات من التخطيط والرؤية والاستثمار والعمل الجاد، شارك فيها اللاعبون والمدربون والمسيرون والأندية والجماهير.

النقد حق مشروع، بل هو جزء أساسي من الرياضة. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين النقد الموضوعي والبنّاء، وبين جلد الذات وإطلاق الأحكام المتسرعة تحت تأثير الغضب والانفعال أو بناءً على معلومات مغلوطة. علينا ألا نسمح لمباراة واحدة بأن تمحو سنوات طويلة من العمل والتضحيات والنجاحات. فاللاعبون بشر قبل أن يكونوا نجومًا. وهم يشعرون بألم الهزيمة أكثر منا جميعًا. لم يكن أحد يتمنى الفوز أكثر منهم، وقد ضحوا بالكثير من أجل تمثيل المغرب بأفضل صورة، وتحملوا ضغوطًا نفسية وبدنية هائلة لإسعاد شعب بأكمله. إنهم يستحقون احترامنا في لحظات الانتصار، كما يستحقونه في لحظات الانكسار.

هناك مقولة قديمة تقول: “أنت بقدر آخر مباراة لعبتها.” وللأسف، يبدو أن البعض لا يطبق هذه المقولة على كرة القدم فقط، بل على الحياة أيضًا، فينسى سنوات من العطاء والنجاح بسبب أداء متواضع في مباراة واحدة. لكن الامتنان يجب أن تكون ذاكرته أطول من ذاكرة الإحباط.

نحن، كمغاربة، يجب أن نتذكر دائمًا أن المشجع الحقيقي لا يُقاس فقط بمدى احتفاله عند الفوز، وإنما بمدى وفائه لفريقه عندما يتعثر. ففي لحظات الهزيمة تظهر حقيقة الانتماء.

‎لقد منحنا أسود الأطلس ذكريات ستبقى خالدة في وجدان كل مغربي، وغيّروا نظرة العالم إلى كرة القدم المغربية، وألهموا جيلاً كاملًا من الشباب، وجعلونا جميعًا نشعر بالفخر. ولهذا، فإنهم يستحقون منا الامتنان… لا النسيان.

‏ديما مغرب… اليوم، وغدا، ودائما

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق