الشاعر سرحان يضع "الدكتورة كرة القدم" بين لحظة الصورة وخلود التمثال - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم الشاعر سرحان يضع "الدكتورة كرة القدم" بين لحظة الصورة وخلود التمثال - بوابة المدينة برس

في كتابات الشاعر المغربي سعد سرحان، لا تأتي الفكرة عارية من مجازها، ولا المعنى منفصلا عن ظلاله؛ إذ يحول الشيء اليومي والمألوف إلى مادة رشيقة للتأمل، وينتزع من التفاصيل العابرة “أسئلة مقيمة ومستمرة”.

في نصوص سرحان التي تنشرها هسبريس ضمن سلسلة “الدكتورة كرة القدم”، يبدو العالم أقل بساطة مما يظن الناس؛ فالصورة ليست صورة فقط، والتمثال ليس حجرا صامتا، بل كلاهما بابٌ لفهم الزمن، والذاكرة، والخلود، وما يربحه الإنسان وما يخسره في الطريق.

الصورة

في عقود اللّاعبين مع أنديتهم، ثمة بنودٌ تُفصِّل في أمر عائدات الصورة. أجل، عائدات الصورة، فهي أيضًا تُقدّر بأرقام فلكيّة.

والصورة هنا اسم جامع مانع، فهي تشمل الصورة الشخصية، والاسم واللّقب، والصوت والتوقيع والرقم، وسوى ذلك ممّا يخصّ اللّاعب دون سواه، إذ تُستخدَم في الترويج وألعاب الفيديو والحملات الإعلانية… مثلما تُوظَّف لأغراض إنسانية كالرّعاية والتحسيس والتضامن…

ولعلّ المفارقة واضحة في هذا الأمر، فالقَدم هي ما يُعلي من شأن الوجه، إذ كلّما كان كعبُ اللّاعب عاليًا، كلّما اِرتفعت القيمة السوقية لصورة صاحبه، حتى إنّ منهم من يجني من الصورة أضعاف ما يربح من اللّعب. ولنا فقط أن نراجع عائدات ميسي وكريستيانو ونيمار عن كلّ منشور على الإنستغرام، لنقف على درجة الجنون التي وصل إليها المال.

خارج الملعب، لا تتحدّد صورة اللّاعب فقط بما بين تسريحة الشّعر وأخمص الحذاء من ملابس وحُليّ، بل تتعدّاها إلى خارج جسده، فتشمل البيت والأسرة والعادات والهوايات… وقد تصل حتى إلى ما يربّي من حيوانات. وما من حضور له في هذا الإطار أو ذاك، في هذه المجلة أو تلك القناة، إلّا ويُدِرّ عليه ما يدرّ… فلله درّه.

أمّا داخل الملعب، حيث الجماهير بالألوف في المدرّجات والمتابعون بالملايين خارجها، فإنّ صورة اللّاعب يجب أن تُستنزف حتى آخر قطرة. وليست الكاميرات ما ينقص لتحقيق ذلك.

هكذا، فالنجم الذي يراوغ بمهارة تقتلع آهات الإعجاب من جذورها، ويسجّل أهدافًا تضرم الهتاف في مختلف القارّات… هو نفسه النجم الذي يحتجّ، ويبصق، ويندم، ويعتذر، ويحتفل، ويتعرّى، ويمكر، ويعتدي، وينتقم، ويصاب، ويسقط، وينزف، ويتألّم، ويُحمل على نقّالة… فيما الكاميرات تنقل للمشاهد كلّ هذا بمنتهى الجحوظ. ذلك أنّ اللّاعب هو قلب البثّ، وكلّ ما يحدث له في الملعب إنّما هو النّبض الذي به تحيا القنوات.

التمثال

يقينًا أنّ العلم أعدل من الفنّ، فالفُرشاة والإزميل لم يكونا متاحيْن للجميع ولأجل الجميع، إذْ إنّ اللّوحات والتماثيل كانت دائمًا من شؤون الصّفوة، وهي حتى الآن لا تزال كذلك في المعارض والمتاحف ونخبة المكان. ولنا فقط أن نتخيّل أيّ دافنتشي كان سيصلنا من عصر النهضة، وأيّ أنجلو أيضًا، لو كانت أعمالهما وليدة آلات التصوير، واِنحدرت إلينا في ألبومات كالحة.

مع ظهور آلة التصوير، صار بإمكان أيّ كان أن يخلّد نفسه بالتقاط صور في الأستوديو أو في البيت، في الأمكنة العامّة أو في المناسبات الخاصّة… مستفيدًا من عدالة العلم. حتى إذا اِستشرت الكاميرات واستتبّ لها المكان بأسره، فتُسجِّل ما يحدث في غرف النوم وما يجري في قرى النمل، أضحى المرء عُرضة للتصوير في أيّ لحظة، ما لم يضع قناعًا على وجهه أو يدسّ وجهه في الجيب حيث لا يوجد هاتفه المحمول، مثلما باتت فارغةً، وقد كانت طافحة بالبلاغة، تلك العبارة الشهيرة: لا يُتَصَوّر.

في كرة القدم، حيث الإحصائيات لا تغادر صغيرة ولا كبيرة، لا تترك شاردة ولا واردة، ولا تغفل شاذّة ولا فاذّة، يستحيل إطلاقًا تقديرُ، فأحرى تحديد، عدد الصّور في تاريخ هذا النادي العريق أو في مسيرة هذا النجم الشهير. لذلك، فالصّور في هذا الباب غالبًا ما تأخذ قيمتها من مناسبتها اللّامعة أو وضعيّتها الفريدة، حتى إذا نُشِرت في هذه المطبوعة أو ذلك الموقع كانت مُدرّة جدًّا للدخل.

يجري الحديث بشكل عادي عن ألبوم الصور، فيما يستحيل ذلك عن ألبوم التماثيل، فإنجازُ واحدٍ فقط من هذه يحتاج من الزمن ما يكفي لالتقاط ما لا يحصى من تلك. لهذا السبب، فإنّ قلّة من أهل كرة القدم، إذا ما قورنت بعددهم الهائل، هي من حظيت بحلول أجسادها في تماثيل، فتخلّدت أسماؤها بعد أن صارت بصلابة البرونز.

وكما لم يجعل الأقدمون التماثيل سوى للآلهة والقديسين وعظماء القادة والملوك وكبار الفلاسفة… فإنّ المُحدَثين ما طرقوا الرخام والنحاس إلّا لأجل أفذاذ اللّعبة، فكانت تماثيل بيليه ومارادونا وأوزيبيو وفالديراما وميسي وكريستيانو وتيري هنري وفينغر وفيرغسون، وبوبي مور محمولًا على الأكتاف، وزيدان ناطحًا ماتيرازي…

ثمة العديد من اللّاعبين أقلّ شأنًا ممّن ذكرت، لكنّهم كانوا نجومًا في أنديتهم وأبطالًا في عيون مواطنيهم، فجرى تخليد ذكرهم بتماثيل في متاحف مدنهم وساحاتها العامّة.

أمّا نحن في المغرب، الذي يعيش الآن نهضة كروية غير مسبوقة، فما يضيرنا أن نَحْذو حَذْوَ العالم والناس، إذ ليست الرموز ما نفتقد ولا الإمكانيات ما نعدم. فالعربي بنمبارك، الجوهرة السوداء وقيدوم سفرائنا في الملاعب الأوروبية، وحمّان، صاحب أوّل هدف مغربي في المونديال، وبابا، مسجل هدف كأس إفريقيا، وفرس، صاحب أول كرة ذهبية في تاريخ البلد، يجب أن يشكّلوا الدفعة الأولى من الفريق الوطني الخالد، فلا أقلّ من أن ينطلي ذهب أسمائهم على برونز التماثيل.

وطبعًا، وحتى قبل أن يكتمل هذا الفريق، لا بدّ من حارس لمرمى الخلود. وهنا يبرز اسم بادو الزاكي، فسيدي قاسم والدار البيضاء أجدر بتمثاله من مايوركا.

وحتى يكتمل البِرّ والعرفان، لا بدّ من تخليد الأب جيكو بتمثال مهيب، كيف لا وهو الأب الرّوحي لكرة القدم في عاصمتها بالمغرب.

وأخيرًا، إذا كانت صور لاعب كرة القدم تدرّ عليه ملايين الدولارات قيد حياته، فإنّ تمثاله، إن حظي بتمثال، سيضخّ في موته ثروة طائلة من الخلود.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق