عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم القَنْدَحَةُ الكُبْرى - بوابة المدينة برس
حين تصير الكلمة مِرآةً لصاحبها
في آخر الليل، حين تنام الكلمات العاقلة وتخلع اللغة حذاءها قرب الباب، تخرج كلمة صغيرة من زقاق جانبي، تنفضُ عنها غبار المقاهي وتقول: أنا “قنْدوح”. لا تحمل شهادة ميلاد، لا تعرف قبيلة صرفية ترحِّب بها، لا شيخَ معجمٍ يربت على كتفها، ومع ذلك تدخلُ المجالس كما يدخل شخص مزعج إلى عرس عائلي: يضحك بصوت عال، ويوزع رأيه على الطاولات. وللكلمة حكاية طريفة. لم تولد في قصر البلاغة، ولم تتربّ في مدرسة النَّحو، ولم تمرّ من باب الخليل بن أحمد وهي تحمل دفترًا نظيفًا. خرجت من فم الشارع، من ذلك المكان الذي يبتكر أسماء للأشياء أسرع مما تبتكر الإدارات استماراتها. في المغرب، يطلق الناس “قندوح” على الشخص غير الناضج، ذلك الكائن الذي كبر جسمه وتخلّف عنه عقله في محطة قديمة. لا يصنّفه الطب مرضًا، ولا تقبله التربية مرحلة عمرية، ومع ذلك تجده واقفًا في كل صفٍّ، جالسًا في كل اجتماع، متحمسًا في كل نقاش لا يفهم منه شيئًا. أصل الكلمة إذن شعبيّ، دارج، غضبان، سريع، كأن أحدًا نظر إلى شخص يفسد الجو فقال: هذا ليس طفلًا، وليس رجلًا، وليس مزحة كاملة، هذا “قندوح”. هكذا اكتسبت الكلمة سلطتها. لم تحتج إلى مجْمع لُغوي، احتاجت فقط إلى شخص ثقيل الظل، ثم إلى شاهدين من المقهى، ثم إلى ضحكة جماعية، وهكذا دخلت الخدمة. أما من يستعملها كثيرًا، فذلك فصل آخر من الكوميديا الوطنية.
خرائط العبث اليومي
تراه أمام النّاس يضع هاتفه على الطاولة كأنه وزير اتصالات، يرفع حاجبه، يتابع مباراة لا يعرف أسماء لاعبيها، ثم ينفجر فجأة: “آش هاد القندوح؟” يقولها عن الحَكم، عن اللاّعب، عن النّادل، عن صاحب الدّراجة، عن ابن الجيران، عن رجل مرّ في الشارع بسلام. في تلك اللحظة يتحوّل الرجل إلى محكمة متنقلة؛ لا يملك قانونًا، لا يعرف ملفًا، لا يحتاج إلى دليل. يكفي أن تتحرك الحياة أمامه حتى يفتح قاموس الشتائم ويستخرج “قندوح” كما يستخرج طبيب بيطري إبرة من جيبه. وفي البيت، يظهر المستعمل المحترف للكلمة في صورة عمٍّ يجلس قرب التلفاز. يسمع خبرًا اقتصاديًا معقدًا، فيه تضخم ونموّ وميزانية وعجز، فيحك رأسه قليلًا، ثم يحسم التحليل: “قْنادح كاملين.” انتهى النّقاش. لا حاجة إلى خبراء ولا أرقام ولا بيانات. العمّ أنجز تقريرًا استراتيجيًا في ثانيتين، ثم عاد إلى تقشير البرتقال بوَقارِ فيلسوف أنهى جمهورية أفلاطون.
وفي الإدارة، تجد نسخة أخطر. موظّف يفتح الدّرج ببطء، يبحث عن ورقة كأنها مخطوطة أندلسية، ثم ينظر إلى المواطن المسكين ويقول: “سير جيب نسخة أخرى، راه داك اللي عطاك هاد الوثيقة قندوح.” المواطن لا يعرف هل يضحك أم يستقيل من الحياة. جاء بوثيقة من مكتب، فطرده مكتب آخر لأن المكتب الأول أنجب قندوحًا إداريًا. هنا لا تبقى الكلمة مجرد شتيمة؛ تتحول إلى ختم غير رسمي، إلى طابع أحمر يهبط على جبين كل من خالف مزاج الموظف.
من قندوح إلى قندوح: رحلة كلمة في فم فارغ
أكثر الناس ولعًا بالكلمة يشبهون معناها. من يكررها عشرين مرة في اليوم لا يصف العالم، إنه يوقّع اعترافًا صغيرًا. يظن أنه يطلق سهمًا على الآخرين، والحقيقة أن السهم يدور دورة خفيفة ثم يستقر في جيبه. الكلمة مرآة رخيصة، تعكس وجه حاملها قبل وجه ضحيته. لذلك يثير عاشق كلمة “قندوح” الشفقة والضحك معًا. يظن نفسه سيّد الفطنة، بينما تمشي لغته على عكازين. كلما عجز عن الوصف قال “قندوح”. كلما ضاق صدره قال “قندوح”. كلما احتاج إلى فكرة ولم يجدها أرسل هذه الكلمة لتقاتل مكانه. إنها عنده مفتاح إنجليزي يفتح به كل الأقفال: السياسة قندوح، الفن قندوح، الجار قندوح، المدير قندوح، السائق قندوح، الطفل قندوح، والقط الذي نام فوق السيارة قندوح أيضًا. لو تعطل المصعد لاتَّهَمهُ بالقندحة، ولو احترق الخبز لشتَم الفُرن بتهمة القندحة العظمى.
ثم تأتي شاشة الهاتف، ذلك المسرح الصغير الذي جعل كل شخص ناقدًا، ومفكرًا، ومحللًا، وخبيرًا في الاقتصاد، والطب، والزلازل، والكرة، والعلاقات العاطفية، وتربية القطط. في مجموعة العائلة على واتساب، يبدأ صباح الجمعة بصورة دعاء مزينة بوردة حمراء، ثم يدخل ابن الخال الذي يملك باقة إنترنت قوية وثِقة أقوى، فيرسل مقطعًا لرجل يصرخ في شارع مزدحم، ثم يكتب تحته: “شوفُو هاد القندوح.” لا أحد يعرف القصة. لا أحد يعرف الرجل. لا أحد يعرف إِنْ كان يصرخ لأنه فقد محفظته، أو لأن الحياة نفسها قررت أن تضغط على أعصابه في تلك الدقيقة. مع ذلك، أصدر ابن الخال الحكم. لقد أنجز واجبه الوطني: أضاف قندوحًا جديدًا إلى الأرشيف الشعبي.
وتبلغ الكلمة أوجها في النقاش السياسي. يجلس الرجل في المقهى، أمامه كأس شاي فيه نعناع أكثر من ميزانية وزارة، ويتابع خطابًا لا يفهم مقدماته ولا نتائجه. يقطب جبينه، يحرك الملعقة ببطء، ثم يقول: “هاد الناس قنادح.” لا يشرح من هم “هاد الناس”، ولا يحدد موضع القندحة، ولا يقترح حلًا. كل ما فعله أنه حوّل غضبه إلى بُخَار لغوي. بعد ذلك يشرب الشاي كأنه أنقذ الوطن من الانهيار. هذا النوع من الرجال لا يحب التفاصيل. التفاصيل تتعبه. الأرقام تقلقه. السياق يسبب له صداعًا. لذلك يفضل كلمة واحدة تضرب الجميع دفعة واحدة. “قندوح” عنده طائرة مسيّرة: يطلقها من بعيد، تهبط على الرؤوس، ثم يعود هو إلى كرسيه سالمًا، نظيف اليدين، منتفخ الصدر.
ثم هناك صنف فاخر من مستعملي الكلمة: القندوح الثقافي. هذا يحضر الندوات؛ يحمل حقيبة جلدية، ويضع قلمًا لا يكتب به، ويهز رأسه أثناء المداخلات كما تهتز شجرة من دون ريح. ينتظر حتى ينتهي المتحدث، ثم يقترب من صديقه ويقول: “محاضرة قندوحية.” تسأله: لماذا؟ فيقول: “ما فيهاش العمق.” تسأله عن العمق الذي يقصده، فيغير الموضوع إلى القهوة. هذا الصنف لا يعرف الفكرة، لكنه يعرف كيف يهينها بنبرة واثقة. القندوح الثقافي أخطر من القندوح العادي لأنه يلبس العجز معطفًا أكاديميًا. لا يقول “لم أفهم”، يقول “الطَّرح ضعيف.” لا يقول “لم أقرأ”، يقول “النص متجاوز.” لا يقول “لا أملك جوابًا”، يقول “السؤال نفسه قندوح.”
إلى أين تمضي “قندوح” إذن؟
تمضي إلى مصير واحد حين يسحبها الثرثارون إلى مستنقع الابتذال. يعلقونها على كل شيء، يركبونها فوق كل جملة، يلُوكونها حتى تصير علكة بلا طعم. عندها لا تعود “قندوح” شتيمة ساخرة، تصبح صوتًا فارغًا مثل كرسي يجرّه شخص في منتصف الليل بدون سبَب قاهر. المضحك أن الكلمة بدأت لتفضح عدم النضج، ثم صارت أحيانًا تكشف عدم نضج من يستعملها. خرجت من الشارع وفي يدها عصا ساخرة، ثم وجدت نفسها في أفواه أشخاص يحتاجون إلى من يقول لهم بهدوء: يا سادة، اللغة ليست حاوية قمامة ترمون فيها عجزكم عن التفكير. من حق الإنسان أن يقول “قندوح” مرة، حين يجد أمامه قندوحًا مكتمل الأركان: رأس حاضر، عقل غائب، ثقة عالية، وخراب مضمون. أما من يجعلها وردًا يوميًا، ويبدأ بها حديثه، ويختم بها حكمته، وينام بها مطمئنًا، فذلك لا يستعمل كلمة ساخرة. إنه يرفع لافتة صغيرة فوق جبينه كتب عليها: “هنا يقيم المعنى الأصلي للكلمة.”
الكلمة التي عضّت صاحبها
لذلك تحتاج الكلمة إلى ضميرٍ يسبق اللسان، لا إلى وزارة تراقبها، ولا إلى لجنة تمنحها رخصة الاستعمال؛ تحتاج إلى ذوقٍ يعرف متى يتكلّم، ومتى يصمت كي لا يهين اللغة وصاحبها معًا. على المرء أن يسأل نفسه، قبل إطلاقها: أأسمّي شيئًا كما هو، أم أُنفّس عن ضيْقٍ داخلي؟ أأصنع سخرية ذكية، أم أغطّي فقرًا في العبارة؟ أأرى أمامي قندوحًا حقًا، أم أنّ خيالي اللغوي أفلسَ عند أوّل مُنعطف؟ لو مارس الناس هذا السؤال الصغير بصدق، لانخفضت شعبية الكلمة كما تنخفض عملة فقدت غطاءها. ستفقد مقاهٍ كثيرة شيئًا من هديرها، وستبرد مجموعات واتساب بعد أن يجفّ نصف وقُودها، وسيجد بعض المتحمّسين للسخرية أنفسهم أمام حقيقة مُحرجة: لم تكن المشكلة دائمًا في الآخرين. عندها سيعرف كثيرون أن القنادح لم يتكاثروا في العالم؛ الذي تكاثر هو الكسل في الألسنة، حتى صار بعض الناس يرمون الكلمة على غيرهم كي لا يعترفوا بأن العجز يجلس في أفواههم.
لنتأمّل؛ وإلى حديث آخر.








0 تعليق