عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم كيف غير كساد 1873 الاقتصاد العالمي وصنع فجوة الأغنياء والفقراء؟ - بوابة المدينة برس
منى غنيم
نشر في: السبت 27 يونيو 2026 - 11:30 ص | آخر تحديث: السبت 27 يونيو 2026 - 11:30 ص
- كتاب جديد يتناول الانهيار المالي الذي أشعل أزمات سياسية امتدت من مصر إلى أمريكا في القرن الـ 19
- تربع على قوائم أمازون للمبيعات ويبرز انهيار الدولة العثمانية وتدخل بريطانيا في مصر
رأى المؤرخ والخبير المالي الأمريكي من أصل باكستاني، لياقات أحمد، في كتابه "1873: آل روتشيلد.. أول كساد كبير وصناعة العالم الحديث"، أن التحولات التي شهدها الاقتصاد العالمي في أواخر القرن التاسع عشر لم تكن مجرد أزمة مالية عابرة، بل شكلت نقطة انعطاف سياسية واجتماعية عميقة أعادت تشكيل العالم الحديث.
فترة الكساد الكبير
وأشار الكاتب إلى أن العالم، في أواخر القرن التاسع عشر، شهد ظاهرة غير مسبوقة تمثلت في انخفاض مستمر في الأسعار عبر مختلف الاقتصادات العالمية، وهي موجة انكماش استمرت نحو ربع قرن، بدأت مع الانهيار المالي الدولي عام 1873.
وأوضح أن هذه الفترة كانت تُعرف، قبل ثلاثينيات القرن العشرين، باسم "الكساد الكبير"، رغم أنها اتسمت بطابع اقتصادي معقد وغير تقليدي.
وأكد لياقات أحمد أن الاقتصاد العالمي تعافى نسبيا خلال سنوات قليلة من الصدمة الأولى، حيث توسعت التجارة، وتقدمت التكنولوجيا، وارتفعت الأجور الحقيقية في معظم المناطق، كما أدى انخفاض أسعار الغذاء والطاقة إلى تحسن مستويات المعيشة العامة، لكنه أشار، في الوقت نفسه، إلى أن هذا التعافي الاقتصادي صاحبه ارتفاع حاد في مستويات عدم المساواة، وصل إلى ذروات لم تتكرر إلا في العصر الحديث.
العصر الذهبي لازدهار ثروات كبار الصناعيين
وذهب المؤلف، عبر الكتاب -الذي تربّع على قوائم أمازون للمبيعات فور صدوره في الثاني من شهر يونيو الجاري- إلى أن هذا التفاوت الواسع ترك قطاعات كبيرة من المجتمع خارج مكاسب النمو، ما أسهم في توليد حالة من الغضب الاجتماعي والسياسي امتدت آثارها لعقود طويلة.
وأضاف أن هذه المرحلة التاريخية أفرزت ما عُرف لاحقا بـ "العصر الذهبي" الذي ازدهرت فيه ثروات كبار الصناعيين وأباطرة المال، في مقابل تهميش قطاعات واسعة من العمال والمزارعين.
ورأى الكاتب أن جذور الأزمة تعود إلى سلسلة من التحولات المالية الكبرى، من بينها اكتشاف الذهب في كاليفورنيا عام 1848، وتوسع شبكات السكك الحديدية في خمسينيات وستينيات القرن التاسع عشر، إلى جانب الديون الضخمة الناتجة عن الحرب الأهلية الأمريكية، والتعويضات التي فُرضت على فرنسا بعد حربها مع بروسيا، وبيَن أن هذه العوامل مجتمعة أدت إلى طفرة مالية عالمية غذت الاستثمارات عالية المخاطر وتوسّع القروض الدولية.
وأشار أحمد إلى أن المضاربات المالية أدت إلى تضخم فقاعات في أسواق فيينا وبرلين ونيويورك، قبل أن تنهار بفعل إفلاس شركات كبرى، كما لفت إلى أن التحول نحو معيار الذهب وإلغاء الفضة من النظام النقدي العالمي كان خطأ جوهريا، إذ أدى إلى تقليص المعروض النقدي وانخفاض الأسعار، وما ترتب عليه من إعادة توزيع هائلة للثروة لصالح الدائنين على حساب المدينين.
ووصف المؤلف الاقتصاد في تلك الفترة بأنه كان يعمل "كما لو أن السيارة تسير بقدم على دواسة الوقود وأخرى على المكابح"، في إشارة إلى التناقض بين النمو الاقتصادي، من جهة، والانكماش النقدي، من جهة أخرى، نقلا عن صحيفة "نيويورك تايمز".
دور عائلة روتشيلد
وقال الكاتب إن هذا الوضع أسهم في تفجر أزمات سياسية متلاحقة؛ إذ فقدت الدولة العثمانية سيطرتها على نظامها المالي، ما أدى إلى انهيارات سياسية لاحقة، بينما واجهت مصر أزمة ديون انتهت بتدخل بريطاني وسيطرتها على قناة السويس. وفي الولايات المتحدة، ساهمت الأزمات المالية والانقسامات السياسية في تفكك الإدارة الأمريكية وتفاقم الفساد، وصولا إلى انتخابات عام 1876 المثيرة للجدل.
وعبر صفحات الكتاب -الصادر عن دار نشر "بنجوين"- أبرز أحمد دور عائلة "روتشيلد" في هذا السياق، موضحا أنهم لم يكونوا محركين مباشرين للأزمات المالية، بل حاولوا، في كثير من الأحيان، الحفاظ على الاستقرار عبر إدارة الاحتياطات النقدية وتجنب المضاربات الخطرة، إلا أن نجاحهم النسبي في تجاوز الانهيارات المالية ساهم في انتشار نظريات مؤامرة اتهمت المصارف اليهودية بالوقوف خلف نقص السيولة، ما غذّى تنامي معاداة السامية في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر.
وتعد عائلة "روتشيلد" واحدة من أبرز العائلات المصرفية في التاريخ الأوروبي الحديث، إذ تعود أصولها إلى القرن الثامن عشر في مدينة فرانكفورت بألمانيا، حيث أسس ماير أمشيل روتشيلد نشاطا مصرفيا صغيرا تحول لاحقا إلى شبكة مالية واسعة.
وقد توسعت العائلة عبر أبناء المؤسس الذين انتشروا في مدن أوروبية كبرى مثل لندن وباريس وفيينا ونابولي، ما أسهم في بناء واحدة من أوائل الشبكات المصرفية العابرة للحدود في أوروبا.
ولعبت العائلة دورا مهما في تمويل الحكومات الأوروبية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، واكتسبت نفوذا ماليا واسعا جعل اسمها حاضرا بقوة في تاريخ النظام المصرفي العالمي، كما ارتبط بها لاحقا العديد من الجدل والتصورات المبالغ فيها حول حجم تأثيرها الاقتصادي.
وأكد المؤلف أن النظام المالي العالمي في تلك الحقبة كان يتسم بالفساد والربح السريع وتضارب المصالح، ما أدى إلى خلق بيئة خصبة لظهور الحركات الاحتجاجية المناهضة للرأسمالية، حتى وإن كانت تستند، في كثير من الأحيان، إلى اتهامات غير دقيقة للنخب المالية.
وفي النهاية، قال الكاتب إن فهم أزمة عام 1873 يفتح بابا واسعا للتأمل في طبيعة النظام الرأسمالي الحديث، وحدود قدرته على إنتاج الازدهار دون تعميق التفاوت الاجتماعي، مشيرا إلى أن كثيرا من الأسئلة حول تلك المرحلة لا تزال بلا إجابات حاسمة حتى اليوم.



0 تعليق