لماذا الأرجنتين؟!.. كواليس منظومة النفوذ داخل الفيفا - بوابة المدينة

اعلام 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم لماذا الأرجنتين؟!.. كواليس منظومة النفوذ داخل الفيفا - بوابة المدينة

هناك قاعدة راسخة في كرة القدم تقول إن أحدًا لا يقف فوق قوانين اللعبة؛ فاللاعب قد يفقد مكانه، والمدرب قد يُقال، والحكم قد يُستبعد، ورئيس الاتحاد المحلي قد يرحل بقرار واحد. غير أن هذه القاعدة تبدو أقل وضوحًا عندما يتعلق الأمر بالمؤسسة التي تدير كرة القدم عالميًا، إذ تتحول كل أزمة تواجه الفيفا إلى عاصفة من الجدل، لكنها نادرًا ما تترك أثرًا ملموسًا في بنية المؤسسة أو طريقة إدارتها.

أعاد الجدل الذي صاحب مباراة مصر والأرجنتين في كأس العالم هذا السؤال إلى ساحة النقاش، فخارج حدود التسعين دقيقة، لم يعد الغضب مقتصرًا على قرارات تحكيمية أثارت اعتراضات واسعة، بل امتد إلى تساؤل أكثر عمقًا؛ من يحاسب الجهة التي تضع قواعد اللعبة وتشرف على تطبيقها؟

ففي الأنظمة الحديثة، تتسع المساءلة كلما اتسعت السلطة، لكن هذه المعادلة تبدو أقل وطأة عندما يتعلق الأمر بالفيفا، المؤسسة التي تجمع بين سلطة تنظيم اللعبة وإدارة أكبر حدث رياضي في العالم، وتتحرك في مساحة قانونية واقتصادية خاصة تجعل مساءلتها أكثر تعقيدًا من مساءلة أي طرف آخر داخل المنظومة الكروية.

نمط الأزمات

لم تكن مباراة مصر والأرجنتين سوى أحدث مناسبة عاد فيها اسم الفيفا إلى صدارة الجدل؛ ففي غضون أيام قليلة، تزامنت الأزمة التحكيمية التي صاحبت المباراة مع دعوات داخل البرلمان الأوروبي للتحقيق مع رئيس الفيفا، وتقارير إعلامية تحدثت عن تحقيقات أمريكية تتعلق بعمليات مالية تخص الاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم، إلى جانب انتقادات أثارتها مواقف اعتبرها البعض خروجًا على مبدأ الحياد الذي يفترض أن تلتزم به المؤسسة.

ومنذ فضائح الفساد التي تفجرت عام 2015 وأطاحت بعدد من كبار مسؤولي الفيفا، والجدل الذي رافق اختيار الدول المستضيفة لكأس العالم، والاتهامات المتكررة بتضارب المصالح، حتى الانتقادات التي لاحقت بعض القرارات التحكيمية وإدارة الملفات التأديبية، ظل اسم الفيفا حاضرًا في قلب أزمات متلاحقة، تختلف من صورة إلى أخرى، لكن بنتيجة واحدة تنتهي بلا شيء.

وتتكرر الأزمات الآن مرة أخرى مع الظلم التحكيمي لبطولة كأس العالم الحالية، ومطالبات أعضاء من البرلمان الأوروبي بفتح تحقيق بشأن رئيس الفيفا جياني إنفانتينو، والنظر في مزاعم تتعلق باحتمال تعرض قرارات داخل البطولة لضغوط سياسية، بعد قرار إلغاء إيقاف اللاعب الأمريكي فولارين بالوغون رغم حصوله على بطاقة حمراء سابقة، بعد تدخل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي وصفه البرلمان الأوروبي بأنه "تشويه للعدالة الرياضية"، على الرغم من تأكيدات الفيفا أن القرار اتخذته لجنة انضباط مستقلة، ونفت وجود تدخلات في الإجراءات التأديبية. 

الهيكل التنظيمي

إذا كانت الأزمات المتكررة تطرح سؤالًا عن أسباب استمرار الجدل، فإن الإجابة تبدأ من طبيعة الهيكل التأسيسي للفيفا نفسه، فالاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) هو الهيئة الإدارية لكرة القدم في العالم، والجهة التشريعية المسؤولة عن جميع أنشطتها، وهو ليس منظمة حكومية ولا هيئة تابعة للأمم المتحدة، بل جمعية خاصة غير ربحية مقرها مدينة زيورخ، وتخضع لأحكام القانون المدني السويسري المنظم للجمعيات، وفق موقع الفيفا الرسمي.

وبموجب هذا الوضع القانوني، تتمتع الفيفا بالاستقلال الإداري والمادي وتدير شؤونها وفق نظامها الأساسي ولوائحها الداخلية، وليس باعتبارها جهازًا دوليًا يخضع لإشراف الحكومات، وتستند إلى مبادئ تعلنها باستمرار، خلاصتها أن استقلال الاتحادات الرياضية يمثل شرطًا أساسيًا لحماية المنافسة من الضغوط السياسية.

غير أن هذا المبدأ نفسه يثير في المقابل تساؤلات؛ فإذا كانت الحكومات ممنوعة من التدخل في شؤون الاتحادات الوطنية، فمن يملك عمليًا سلطة مساءلة الفيفا عندما تصبح هي نفسها محل الجدل؟ فبينما تظل المؤسسة خاضعة للقضاء في الحالات التي ينص عليها القانون، إلا أن آليات الرقابة اليومية على إدارتها تبقى في الأساس داخل المنظومة الرياضية نفسها.

وتزداد هذه الإشكالية تعقيدًا بالنظر إلى منظومة شبكة الفيفا العالمية، فالاتحاد الدولي لا يدير بطولات كبرى فقط، بل يقود منظومة تضم 211 اتحادًا وطنيًا موزعة على 6 اتحادات قارية، وترتبط جميعها بمنظومة واحدة من اللوائح والالتزامات والبرامج المالية، ويمنح كل اتحاد وطني صوتًا واحدًا في كونغرس الفيفا، وهو الهيئة العليا التي تنتخب الرئيس وتقر التعديلات الجوهرية على النظام الأساسي.

وبهذا تصبح الجهة التي يفترض أن تمارس الرقابة على قيادة الفيفا هي نفسها جزءًا من المنظومة التي تديرها الفيفا وتضع قواعدها، لذلك فإن معظم النزاعات المرتبطة بكرة القدم الدولية تُدار داخل منظومة قانونية رياضية متخصصة قبل أن تصل في ظروف محدودة جدًا إلى القضاء المدني، وهو ما يجعل مساءلة الفيفا تمر عبر مسارات قانونية تختلف عن تلك التي تخضع لها المؤسسات العامة أو الشركات التجارية.

ووفقًا للموقع الرسمي لوزارة العدل الأمريكية، فقد خضعت مصداقية لجنة الأخلاقيات في الفيفا لاختبار حقيقي بعد فضيحة الفساد الكبرى عام 2015 عندما كُشف عن لائحة اتهام من 47 تهمة، شملت 14 شخصًا بتهم الابتزاز والاحتيال الإلكتروني وغسيل الأموال، وتورطهم في مخطط استمر24 عامًا لتحقيق مكاسب غير شرعية من فساد كرة القدم الدولية، حيث تضمنت التهم تلقي مسؤولين ما يزيد عن 150 مليون دولار أمريكي كرشاوى وعمولات مقابل حقوق إعلامية وتسويقية مربحة لبطولات دولية.

وأدت هذه الفضيحة إلى إقالة رئيس الفيفا آنذاك، جوزيف سيب بلاتر، وأطلقت موجة من الإصلاحات الإدارية، ولا يزال الجدل قائماً بين العاملين في مجال كرة القدم حول ما إذا كانت هذه الإصلاحات قد عالجت بشكل كامل العوامل التنظيمية التي سمحت للفساد بالازدهار لعقود.

اقتصاد النفوذ

لا يمكن الحديث عن نفوذ الفيفا بمعزل عن حجم الأموال التي تديرها، فالاتحاد الدولي لا ينظم كأس العالم فقط، بل يدير صناعة رياضية تدر مليارات الدولارات من حقوق البث التلفزيوني وعقود الرعاية والتسويق وبيع التذاكر والضيافة، وهو ما جعله واحدًا من أقوى المؤسسات الرياضية اقتصاديًا في العالم.

تظهر التقارير المالية للفيفا أن حقوق البث التلفزيوني تمثل المصدر الأكبر لإيراداتها، تليها عقود الرعاية والتسويق، حيث بلغت إيرادات الفيفا، في عام 2025 وحده، نحو 2.66 مليار دولار، متجاوزةً الميزانية السنوية التي أقرها مؤتمر الفيفا في مايو من نفس العام بنسبة 9%، أي بفارق 225 مليون دولار.

وشملت الإيرادات أكثر من مليار دولار من حقوق البث، ونحو965 مليون دولار من الرعاية والتسويق، إلى جانب مئات الملايين من عائدات التذاكر والضيافة، كما تتوقع الفيفا أن تصل إيراداتها خلال الدورة المالية الحالية إلى نحو13 مليار دولار، وهو أعلى رقم في تاريخها، مدفوعًا بتوسع كأس العالم وزيادة قيمته التجارية.

لكن نفوذ الفيفا لا يتوقف عند الإيرادات الضخمة، بل يمتد إلى الطريقة التي يُعاد بها توزيع جزء من هذه الأموال، فبحسب رويترز، تقدم الفيفا من خلال برنامج "فيفا فورورد" منحًا مالية للاتحادات الوطنية لتمويل مشروعات البنية التحتية وتطوير المسابقات ودعم كرة القدم النسائية وتأهيل الحكام والكوادر الفنية، معلنةً أنها رفعت مخصصات هذا البرنامج إلى2.7 مليار دولار خلال دورة 2027/2030، في إطار خططها لتوسيع الاستثمار في تطوير اللعبة حول العالم، أي بزيادة قدرها ثمانية أضعاف مقارنة بالفترة التي سبقت عام 2016.

وبالنسبة للعديد من الاتحادات، خاصة في الدول محدودة الموارد، تمثل هذه المنح مصدرًا مهمًا لتمويل مشروعاتها وأنشطتها، لذلك لا تقتصر علاقة هذه الاتحادات بالفيفا على الجوانب التنظيمية، بل تمتد أيضًا إلى الجانب المالي، وهو ما يثير سؤالًا بديهيًا في سياق الواقع الحالي؛ إلى أي مدى تستطيع اتحادات يعتمد جزء من تمويلها على برامج الفيفا أن تقود مطالبات بإصلاح المؤسسة أو تغيير طريقة إدارتها؟

لماذا الأرجنتين؟!

أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بشكل مباشر أن كأس العالم لا يزال يمثل المصدر الرئيسي لإيراداته، وهو ما يتيح له، بحسب رئيسه جياني إنفانتينو، توجيه موارد "غير مسبوقة" إلى برامج تطوير كرة القدم حول العالم، كما تُظهر التقارير المالية للفيفا أن بطولة المونديال تمثل العمود الفقري لاقتصاد الاتحاد، والتي يأتي الجزء الأكبر منها من حقوق البث التلفزيوني والرعاية التجارية والتذاكر والضيافة المرتبطة بكأس العالم.

لكن هذه الإيرادات لا تتحقق من فراغ، بل ترتبط بجاذبية البطولة نفسها، فكلما ارتفعت نسب المشاهدة، وزادت القيمة التسويقية للمباريات، ارتفعت قيمة حقوق البث والإعلانات والرعاية، وهنا تظهر أهمية المنتخبات الكبرى، التي لا تمثل مجرد منافسين داخل الملعب، بل "أصولًا تجارية" تجذب الجماهير والمعلنين والناقلين التلفزيونيين، وحتى أسواق المراهنات الرياضية التي ترتفع معدلات نشاطها مع المباريات ذات الجماهيرية العالية.

وتُعد الأرجنتين واحدة من أبرز هذه الأصول، فهي تمتلك واحدة من أكبر القواعد الجماهيرية في العالم، إذ لا تقتصر جماهيرية المنتخب الأرجنتيني على أمريكا الجنوبية فحسب، بل تمتد إلى مناطق بعيدة جغرافيًا وذات كثافة سكانية كبيرة مثل الهند وبنجلاديش، إلى جانب نيبال وباكستان وإندونيسيا، كما يتمتع بشعبية كبيرة في العديد من دول أمريكا اللاتينية خارج البرازيل، وهو ما يجعله أحد أكثر المنتخبات متابعة على المستوى العالمي، سواء من حيث نسب المشاهدة أو التفاعل الجماهيري خلال بطولات كأس العالم.

ووفقًا لتقرير جمهور كأس العالم 2022 الصادر عن الفيفا، فقد تفاعل نحو5 مليارات شخص مع تلك البطولة عبر مختلف المنصات والأجهزة، بينما استقطب النهائي بين الأرجنتين وفرنسا ما يقارب 1.5 مليار مشاهد حول العالم، ليصبح واحدًا من أكثر الأحداث الرياضية مشاهدة على الإطلاق.

وعلى منصات التواصل الاجتماعي، سجلت البطولة نحو93.6 مليون منشور، مع وصول تراكمي للمحتوى بلغ 262 مليار مرة، مع نحو6 مليار تفاعل، كما حضر مباريات البطولة3.4 مليون متفرج داخل الملاعب، وهو رقم تجاوز الحضور المسجل في نسخة 2018 من المونديال.

ولا تقتصر القيمة التجارية للأرجنتين على تاريخها الكروي أو جماهيريتها فحسب، بل تمتد أيضًا إلى القوة التسويقية لنجومها، وفي مقدمتهم ليونيل ميسي، فوفقًا لبيانات منصةSystem1 لتحليل أداء الحملات الإعلانية، التي نشرتها مجلةSports Business Journal ، ظهر ميسي في 18 من أصل 80 حملة إعلانية كبرى مرتبطة بكأس العالم 2026، أي ما يعادل22% من أبرز الحملات التسويقية للبطولة في الولايات المتحدة وبريطانيا والأرجنتين.

وشملت هذه الحملات علامات تجارية من كبار رعاة الفيفا مثل Adidas وMichelob Ultra وLay's، وهي شراكات تُقدَّر حقوقها بعشرات الملايين من الدولارات، كما أظهرت البيانات أن الحملات التي تصدرها ميسي حققت خلال كأس العالم 2022 أعلى مستويات الأداء على منصات التواصل الاجتماعي، بينما صنفته مؤشرات شركة Nielsen لقياس الجماهير كثاني أكثر لاعبي كرة القدم تأثيرًا تجاريًا خلال البطولة بعد كريستيانو رونالدو، بمتوسط 2.6 مليون دولار من القيمة الإعلانية لكل منشور.

في هذا الإطار، تشير هذه الأرقام إلى أن ميسي ليس مجرد لاعب داخل المستطيل الأخضر، بل أحد أهم الأصول التسويقية المرتبطة بكأس العالم، وهو ما يفسر لماذا تحظى مباريات الأرجنتين باهتمام إعلامي وتجاري يتجاوز حدود المنافسة الرياضية نفسها، ومدى تأثير ذلك على القرارات الرياضية أو التحكيمية.

وفي أحدث حلقات الجدل، كشفت تقارير إعلامية عن تحقيق يجريه مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI) بشأن العمليات المالية للاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم داخل الولايات المتحدة، وتركز التحقيقات، بحسب ما نقلته صحيفة La Nación الأرجنتينية، على تحويلات مالية يُشتبه في مخالفتها للقوانين الأمريكية، بما في ذلك شبهات غسيل أموال أو احتيال مصرفي، وما زالت التحقيقات جارية دون إعلان السلطات الأمريكية توجيه أي اتهامات رسمية حتى الآن.

وعليه، ربما لهذا السبب لا تنتهي أزمات الفيفا بانتهاء المباريات، بل تستمر لما بعدها، وبينما تتغير الوقائع من أزمة إلى أخرى، يبقى النمط واحدًا، متمثلًا في جدل واسع وتحقيقات ومطالب بالإصلاح، ثم عودة سريعة إلى كرة القدم، دون أن يتغير شيء جوهري في منظومة إدارتها أو مساءلة القائمين عليها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق