مباراة المغرب ضد فرنسا .. هل يعيد ماكرون توظيف الكرة سياسيًا؟ - بوابة المدينة برس

هسبريس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم مباراة المغرب ضد فرنسا .. هل يعيد ماكرون توظيف الكرة سياسيًا؟ - بوابة المدينة برس

ماذا لو حضر إيمانويل ماكرون مرة أخرى مباراة المغرب ضد “الديكة”؟ هل يتكرر سيناريو قطر 2022، بكل ما حمله من رسائل سياسية وجيو-سياسية مموّهة تحت قميص كرة القدم، لكن هذه المرة فوق أرض أمريكية؟

هذا السؤال لم يعد مجرد افتراض صحافي أو لعبة خيال. فبالنسبة لكثيرين، مجرد احتمال رؤية الرئيس الفرنسي في المدرجات، مرة أخرى، في مواجهة تجمع فرنسا بالمغرب، يكفي لفتح باب التأويل. حضور رئيس دولة لمباراة نهائية يبدو أمرًا عاديًا، مقبولًا، بل متوقعًا. أما أن يحرص على أن يُرى ويُذكر منذ ربع النهائي أو نصفه، ومع خصم اسمه المغرب، فذلك يُخرج الحدث من دائرة “الطبيعي” إلى منطقة الاستفهام: ماذا يريد أن يقول؟ ولمن؟

سؤال الوجود الرئاسي: مجرد شغف كروي أم شيء أبعد؟

من حيث المبدأ، لا أحد يناقش حق رئيس دولة في تشجيع منتخب بلاده. الصورة الكلاسيكية لرئيس يلوّح بعلم بلده من المقصورة، يقفز فرحًا عند تسجيل الهدف، جزء من طقوس كرة القدم الحديثة. لكن حين يتحوّل هذا الحضور إلى محور نقاش بحد ذاته – “هل سيأتي ماكرون؟ متى؟ ولماذا؟” – يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام مجرد شغف كروي أم أمام استخدام واعٍ لمباراة ذات حمولة رمزية عالية؟

في قطر، سنة 2022، رأينا كيف انتقل ماكرون من موقع المتفرج “الطبيعي” إلى لاعب أساسي في المشهد. كان في المدرجات، في الممرات، في غرف الملابس، أمام الكاميرات وفي الطائرة. كان جزءًا من القصة بقدر ما كان المنتخب نفسه جزءًا منها. واليوم، إذا ترددت الإشارات نفسها عن حضوره إلى مباراة جديدة بين فرنسا والمغرب في كأس عالم يُنظم في أمريكا، فمن الصعب ألا نطرح السؤال نفسه: هل نحن أمام تكرار واعٍ لسيناريو تمت تجربته، مع كل ما رافقه من ربح وخسارة؟

شبح قطر 2022.. عندما خرجت المباراة من الملعب

في قطر، لم تكن مباراة فرنسا-المغرب مجرد نصف نهائي. كانت نقطة تقاطع بين عدة طبقات:

– نقاشات حادة حول حقوق الإنسان وملف العمال.

– جدل أوروبي حول المال والغاز والعلاقات مع الدوحة.

– حساسية خاصة لمواجهة تجمع فرنسا بمنتخب عربي إفريقي، يمثل بلدًا له تاريخ استعماري معها وجالية كبيرة في مدنها.

في ذلك السياق، رفع ماكرون شعار “عدم تسييس الرياضة”، لكنه تصرّف بطريقة جعلت الرياضة أكثر تسييسًا من أي وقت مضى. الصور التي خرجت من قطر لم تكن فقط لمنتخب يقترب من اللقب، بل لرئيس يؤكد حضور فرنسا في خليج مضطرب، يمسك خيوط الغاز والتحالفات والسمعة الدولية. كان الملعب، في تلك اللحظة أقرب إلى مسرح دبلوماسي: كل حركة، كل حضور، كل غياب، كل جملة، كانت تحمل أكثر من معنى.

حين نتساءل اليوم: “وماذا لو حضر ماكرون مجددًا مباراة المغرب ضد فرنسا في أمريكا؟” فنحن في الواقع نسأل: هل سيُعاد تشغيل الآلة الرمزية نفسها؟ هل سيُستخدم اللقاء مرة أخرى لإعادة إنتاج خطاب عن “فرنسا الحاضرة في كل مكان”، وعن “العلاقة الخاصة” مع المغرب، وعن قدرة باريس على مخاطبة العالم من منصة كرة القدم؟

المغرب وفرنسا: مباراة في الذاكرة قبل أن تكون في النتيجة

أي مواجهة بين المنتخبين الفرنسي والمغربي لا تبدأ عند صافرة الحكم. هناك دائمًا ما يسبقها:

– تاريخ الحماية الفرنسية، وتجارب الهجرة والعمل والاندماج.

– أجيال من المغاربة في فرنسا، يحملون جوازًا فرنسيًا وذاكرة عائلية مغربية.

– نقاش دائم حول الهوية، الانتماء، “من نحن؟” و”مع من نشجع؟”.

حين يُطرح احتمال حضور ماكرون لمباراة جديدة بين المنتخبين، يدخل هذا الحضور مباشرة في قلب هذه الأسئلة. وجوده في المقصورة لا يخاطب فقط جماهير فرنسية “تقليدية”، بل أيضًا ملايين الفرنسيين ذوي الأصول المغربية. هؤلاء الذين يهتفون أحيانًا لهدف فرنسي وآخر مغربي في الدقيقة نفسها. هؤلاء الذين تُراقب أعلامهم في الشوارع والمقاهي بوصفها مؤشرًا سياسيًا أكثر من كونها تعبيرًا عفويًا عن الفرح.

السؤال هنا: إذا كرر ماكرون حضور هذه المواجهة، فهل سيكون هدفه المعلن – والضمني – إعادة تأكيد خطاب “العيش المشترك”، و”الصداقة بين الشعبين”؟ أم إن هناك أيضًا رغبة في الإمساك مسبقًا بسردية المباراة، حتى لا يتركها لخطابات أخرى متطرفة تحاول تحويلها إلى مواجهة هوياتية؟

من قطر إلى أمريكا: تغيير في المكان.. استمرار في المنطق؟

الانتقال من ملاعب الخليج إلى ملاعب أمريكا لا يلغي الثابت الأساسي: كرة القدم، في هذا المستوى، لم تعد حدثًا رياضيًا فقط، بل منصة عالمية للرسائل. الفرق أن السياق الأمريكي يضيف طبقة جديدة:

– حضور جالية مغربية وعربية ومسلمة في أمريكا، وإن كانت أقل كثافة من أوروبا.

– صورة فرنسا في الولايات المتحدة، كشريك غربي قديم، لكنه يبحث عن دور في عالم يتغيّر.

– تنافس قوى أخرى (أوروبا، الصين، دول إقليمية) على النفوذ في شمال إفريقيا والساحل.

إذا حضر ماكرون مباراة المغرب-فرنسا في أمريكا، فسيخاطب، في لقطة واحدة، جماهير عدة:

– الداخل الفرنسي، المنقسم والمتوتر.

– المغاربة في الداخل والشتات، الذين يرون في منتخبهم رمزًا لصعود بلدهم.

– شركاء وحلفاء ومنافسين يراقبون علاقة باريس بالرباط، وموقع فرنسا في جنوب المتوسط وإفريقيا.

من هنا تصبح صيغة السؤال “وماذا لو حضر ماكرون مرة أخرى؟” أكثر من مجرد فضول، إنها دعوة لقراءة الحدث كحلقة جديدة في مسار إعادة تموضع فرنسا، باستخدام كرة القدم كوسيط ناعم، فيه الكثير من العاطفة والقليل الظاهر من السياسة، لكن كثيرًا من السياسة في الباطن.

حضور الرئيس كاختبار لحدود توظيف العاطفة

هناك أيضًا بعد داخلي لا يمكن تجاهله. في كل مرة يظهر فيها ماكرون في قلب مشهد رياضي كبير، يعود النقاش حول حدود استغلال “الفرح الجماعي” لأغراض سياسية. في 2018، قُبلت صور الرئيس وهو يقفز تحت مطر موسكو بحفاوة نسبية. بدا وكأنه يشارك شعبه فرحة صادقة. في 2022، تكرار الصور، مع صخب التصريحات، جعل بعض الفرنسيين يشعرون بأن الرئيس يضغط أكثر من اللازم على وتر كرة القدم لتعويض هشاشة صورته في ملفات أخرى.

اليوم، السؤال: إذا حضر ماكرون مرة أخرى مواجهة المغرب-فرنسا، وفي مرحلة ليست نهائية بعد، هل سيُقرأ حضوره كدليل على قربه من “الناس” أم كإصرار على وضع صورته في مقدمة كل لحظة عاطفية كبرى؟ هل سيُنظر إليه كمشجع بين مشجعين أم كمخرج يحاول أن يُكتب اسمه في شارة البداية والنهاية؟

كرة القدم كمرآة للسياسة والجغرافيا

في النهاية، طرح السؤال “وماذا لو حضر ماكرون مجددًا مباراة المغرب ضد الديكة؟” ليس سؤالًا عن مقعد في المدرجات، بل عن طبيعة المرحلة. كرة القدم هنا مرآة، تعكس كيف تتعامل دولة مثل فرنسا مع:

– ماضيها الاستعماري وعلاقتها بالمغرب.

– واقعها الداخلي المعقّد على مستوى الهوية والهجرة والانتماء.

– موقعها المتغير في خارطة النفوذ الدولي، وهي تحاول أن تقول إنها ما زالت “حاضرة” عبر الرياضة والثقافة والرموز، حتى حين تتراجع أدواتها التقليدية الأخرى.

قد يحضر ماكرون، وقد يختار هذه المرة أن يغيب. قد يكرّر لغة “عدم تسييس الرياضة”، وقد ينخرط في تعليقات طويلة حول “صداقة الشعبين”. لكن ما هو شبه مؤكّد أن أي مباراة تجمع المغرب بفرنسا لن تُقرأ – في باريس أو الرباط أو واشنطن – بوصفها تسعين دقيقة فقط من الجري وراء الكرة، بل باعتبارها مشهدًا مكثّفًا لعالم يحاول إعادة ترتيب نفسه… ورئيس يعرف جيدًا أن وجوده في الصورة جزء من لعبة إعادة الترتيب هذه.

هل سيكون الحضور المقبل تكرارًا لسيناريو 2022 أم محاولة لتصحيحه أم خروجًا عليه؟ هذا سؤال لن تجيب عنه النتيجة على اللوحة، بل الطريقة التي سيختار بها ماكرون – إن حضر – أن يكون في الصورة: في الخلفية المتواضعة أم في المقدمة كما في كل مرة؟

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق