"أوبتا".. قصة مصنع المعلومات في كرة القدم - بوابة المدينة

اعلام 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم "أوبتا".. قصة مصنع المعلومات في كرة القدم - بوابة المدينة

لم يكد الحَكم يشير إلى منتصف الملعب معلنًا احتساب الهدف، حتى سبق المعلق شاشات البث بمعلومة لم تكن قد ظهرت بعد مثل "هذا أول هدف يسجله اللاعب خارج أرضه منذ عامين"، أو "هذا ثاني خطأ لهذا اللاعب في تلك البطولة"، ثم يضيف بعد لحظات رقمًا آخر، يتبعها مقارنة تاريخية، تليها نسب إحراز لم يسبق للمشاهد أن سمع بها، وفي الوقت الذي لا يزال فيه الجمهور منشغلًا بالاحتفال، تكون عشرات الإحصاءات قد وصلت بالفعل إلى غرفة التعليق، جاهزة لتتحول إلى جزء من الحكاية التي يسمعها ملايين المشاهدين.

في الواقع تلك المعلومات ليست وليدة ذاكرة استثنائية أو اجتهاد شخصي من المعلق أو المحللين الكرويين، بل هي نتاج صناعة كاملة تعمل في الكواليس؛ فمنذ أن تلمس الكرة قدم اللاعب، تبدأ رحلة رقمية معقدة تشارك فيها كاميرات التتبع ومراقبو البيانات والخوارزميات وقواعد بيانات ضخمة تضم تاريخ مئات وآلاف المباريات قبل أن تصل المعلومة خلال ثوانٍ إلى شاشة المُعلق الرياضي. فمن أين تبدأ؟

سيناريو الأرقام

الأرقام والمعلومات التي يسمعها المشاهد من المعلقين والمحللين الرياضيين أثناء المباريات وبعدها ليست مجرد إضافات لإثراء التعليق الرياضي، بل منتج قائم بذاته تقف خلفه شركات متخصصة تجمع البيانات وتحللها وتبيعها باشتراكات إلى وسائل الإعلام والأندية والاتحادات الرياضية ومنصات البث وشركات المراهنات. 

وخلال العقود الثلاثة الماضية، تحولت هذه الشركات إلى أحد الأعمدة الخفية الأساسية لصناعة كرة القدم الحديثة، حتى باتت الإحصاءات الفورية جزءًا لا يتجزأ من تجربة المشاهدة، بينما فتحت تقنيات الذكاء الاصطناعي الباب أمام نماذج أخرى لا تكتفي بتحليل المباريات، بل تحاول أيضًا التنبؤ بنتائجها.

تُعد أوبتا Opta الاسم الأبرز والأشهر في هذا المجال، فالشركة البريطانية التي تأسست عام 1996 بهدف جمع التحليلات الخاصة بمباريات الدوري الإنجليزي الممتاز، أصبحت اليوم واحدة من أهم شركات البيانات الرياضية في العالم، إذ لم يعد دورها يقتصر على جمع المعلومات الخاصة بالمباريات، بل امتد إلى تحويلها إلى محتوى تحليلي وسردي يعتمد عليه الإعلام الرياضي والأندية والجماهير حول العالم.

وبحسب الموقع الرسمي للشركة، تضم المؤسسة فريقًا من الكتّاب والمحررين ومحللي البيانات ومصممي الرسوم البيانية، وتعتمد على الوصول المباشر إلى قواعد بياناتها الضخمة التي توفر تحليلات لحظية وتاريخية تغطي آلاف البطولات والفرق واللاعبين، من خلال إنتاج البيانات الحية والمؤشرات المتقدمة وأدوات التنبؤ والمحتوى التحريري وواجهات البرمجة التي تعتمد عليها القنوات التلفزيونية والمنصات الرقمية والأندية والاتحادات وشركات البث. 

لكن أوبتا رغم شهرتها ليست الوحيدة، يوجد أيضًا عدد من الشركات المتخصصة في هذا المجال منها Hudl StatsBomb و Sportradar اللتان لا تقتصر خدماتهما على جمع الحركات التقليدية مثل التمريرات والتسديدات، بل تقدمان نماذج متقدمة لتحليل الأداء الفردي والجماعي، وتساعدان الأندية في اكتشاف المواهب وتقييم اللاعبين والتحليل التكتيكي للمنافسين وقياس الأداء، بما يدعم اتخاذ قرارات أكثر سرعة ودقة في مجالات التعاقدات والإعداد للمباريات.

لذلك عندما ينطق المعلق بجملة تبدو عفوية مثل "هذا أول هدف للاعب خارج أرضه منذ عامين"، فإنه لا يستند إلى ذاكرته وحدها، بل إلى منظومة عالمية من شركات البيانات التي جعلت من كل تمريرة وتسديدة ولمسة كرة معلومة قابلة للجمع والتحليل والبيع في غضون ثوانٍ، قبل أن تصل إلى ملايين المشاهدين عبر شاشة التلفزيون.

رحلة المعلومة

تعتمد شركات البيانات الرياضية على مزيج من المحللين البشريين وأنظمة الرؤية الحاسوبية وتقنيات التتبع البصري، حيث يجلس محللو البيانات أمام شاشات مخصصة لمتابعة المباراة لحظة بلحظة، يسجلون كل حدث باستخدام برامج مصممة لهذا الغرض، بينما تقوم الكاميرات وأنظمة الذكاء الاصطناعي بتتبع مواقع اللاعبين والكرة بصورة مستمرة للتحقق من دقة البيانات وإضافة معلومات مكانية لا يمكن رصدها يدويًا.

ولا تقتصر عملية التسجيل على الأهداف أو التسديدات فحسب، بل تشمل كل ما يحدث داخل الملعب من التمريرات والاستحواذات والالتحامات والاعتراضات والركلات الثابتة، وحتى مواقع جميع اللاعبين أثناء كل لقطة، ما يمنح المحللين والمعلقين صورة شديدة الدقة عن كل تفصيلة داخل اللقاء.

ليس هذا فقط، فكل حدث داخل المباراة يُمنح مجموعة من الخصائص قبل إضافته إلى قاعدة البيانات؛ فعند تسجيل تمريرة لا تكتفى شركات البيانات بإثبات حدوثها، بل تحدد اللاعب المرسل والمستقبل، ومكان بداية التمريرة ونهايتها واتجاهها وطولها وما إذا كانت ناجحة أو مقطوعة، إضافةً إلى توقيتها الدقيق داخل المباراة، وينطبق الأمر نفسه على التسديدات والمراوغات وغيرها من الأحداث.

بعد معالجة البيانات، تُرسل مباشرةً عبر واجهات برمجية خاصة إلى عملاء شركات البيانات، سواء كانوا قنوات تلفزيونية أو تطبيقات رياضية أو منصات إلكترونية أو غرف التعليق، وتؤكد شركة أوبتا أن بياناتها تُبث لايف، ما يسمح لوسائل الإعلام بالحصول على المعلومات فور وقوع الحدث، واستخدامها مباشرةً في التعليق والتحليل والبث المباشر.

كواليس التعليق

إلى جانب صورة المباراة، يحصل المعلق أو فريق الإعداد على تدفق مستمر من البيانات الحية عبر منصات متخصصة توفرها شركات البيانات الرياضية المختلفة تعرض من خلالها أحدث الإحصاءات والمؤشرات فور وقوع الحدث داخل الملعب، عبر واجهات مصممة خصيصًا لوسائل الإعلام وشركات البث.

ولا تعتمد المعلومات التي تصل إلى المعلق على الأرقام التقليدية، مثل نسبة الاستحواذ أو عدد التسديدات فقط، بل تشمل أيضًا مقارنات تاريخية وإحصاءات الأداء الفردي ومؤشرات متقدمة مثل الأهداف المتوقعة واحتمالات الفوز وخرائط تحركات اللاعبين، وهي بيانات تُحدَّث بصورة مستمرة طوال المباراة. 

ويكشف المعلق الإنجليزي ريتشارد وولفندن، الذي عمل مع قنوات كبرى مثل BBC وسكاي سبورتس وغيرها، أن عملية التحضير المنهجية والمكثفة التي يتبعها قبل المباراة تستغرق عادةً عدة ساعات، وأنه يعتمد بشكل أساسي على بيانات أوبتا التي تُمكّنه من تقديم تعليق شيّق وغني بالمعلومات والحقائق ذات الصلة، مما يضمن للمشاهدين أفضل تجربة مشاهدة ممكنة، لافتًا إلى أن الوصول إلى معلومات موثوقة ومفصلة عن الفرق واللاعبين بات جزءًا أساسيًا من التحضير قبل المباراة.

لكن البيانات وحدها لا تصنع تعليقًا جيدًا، فالمعلق لا يقرأ كل ما يظهر أمامه، وإنما يختار من بين الإحصاءات ما يخدم سياق المباراة، فبدلًا من الاكتفاء بالقول إن لاعبًا سجل هدف، يمكنه أن يضيف أن هذا هو أول أهدافه خارج ملعبه منذ عامين، أو أن الفريق لم يخسر أي مباراة سجل فيها هذا اللاعب، أو أن نسبة تسجيله من أول تسديدة بلغت رقمًا غير مسبوق هذا الموسم.

وتصف منصة أوبتا منهجيتها بأنها تقوم على تحويل الإحصاءات إلى قصص، من خلال تقديم المعلومات في سياق مفهوم يسهل على المشجع استيعابه بدلًا من الاكتفاء بعرض الأرقام المجردة، وهي الفكرة نفسها التي أصبحت تعتمد عليها كثير من شبكات البث؛ إذ لم يعد دور البيانات مجرد إحصاء ما يحدث داخل الملعب، بل المساهمة في بناء السرد الذي يرافق المباراة ويمنحها أبعادًا تاريخية وتكتيكية وإنسانية.

الحاسوب الخارق

رغم اسمه، إلا أن حاسوب أوبتا الخارق أوOpta Supercomputer ليس جهازًا سحريًا يتنبأ بنتائج المباريات، بل نموذج رقمي ضخم يعتمد على الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، هدفه حساب الاحتمالات وليس معرفة المستقبل، ويبدأ عمله قبل المباراة بوقت طويل، معتمدًا على ملايين البيانات التي جمعتها الشركة عبر سنوات من تغطية البطولات حول العالم.

وقبل أن يبدأ الحاسوب في محاكاة أي مباراة، يُحوّل كل فريق إلى مجموعة من المتغيرات الرقمية، تشمل نتائجه الأخيرة وقوته الهجومية والدفاعية وجودة الفرص التي يصنعها ويستقبلها وأداء لاعبيه وتصنيف منافسيه، إضافة إلى أفضلية اللعب على الأرض أو خارجها، كما يعتمد على نماذج متقدمة مثل الأهداف المتوقعة، التي تُقدّر احتمالية تسجيل كل تسديدة بالاستناد إلى الداتا المخزنة داخليًا، وليس إلى المسافة أو زاوية التسديد فقط.

بعد إدخال هذه المتغيرات تبدأ مرحلة المحاكاة، فبدلًا من توقع نتيجة واحدة، يعيد الحاسوب لعب المباراة افتراضيًا آلاف المرات، مع اختلاف مجريات كل مباراة وفقًا للاحتمالات الإحصائية، ففي كل محاكاة يحسب فرص كل فريق في صناعة الهجمات وجودة هذه الفرص واحتمالية تحولها إلى أهداف، ثم يسجل النتيجة ويبدأ مباراة جديدة، حتى يكتمل عدد المحاكاة المطلوب، وعند الانتهاء يحسب النموذج عدد مرات فوز كل فريق أو تعادله أو خسارته، ثم يحولها إلى نسب مئوية. 

وهكذا تكتمل رحلة الرقم في كرة القدم، من لمسة على أرض الملعب، إلى معلومة على لسان المعلق، مرورًا بشبكة معقدة من البيانات والتحليلات، انتهاءً بمعلومة يسمعها ملايين المشاهدين على الهواء لا تقتصر على تفسير ما يحدث داخل الملعب، بل تسهم أيضًا في طريقة روايته وفهمه وتحليله.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق