بعد إعلان ترجمتها إلى اليونانية.. «عتبات البهجة» لإبراهيم عبدالمجيد رواية مشغولة بأسئلة العمر والذاكرة ومعنى الحياة - بوابة المدينة برس

الشروق نيوز 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم بعد إعلان ترجمتها إلى اليونانية.. «عتبات البهجة» لإبراهيم عبدالمجيد رواية مشغولة بأسئلة العمر والذاكرة ومعنى الحياة - بوابة المدينة برس

شيماء شناوي
نشر في: الأحد 5 يوليه 2026 - 7:25 م | آخر تحديث: الأحد 5 يوليه 2026 - 7:25 م

تقدم رواية «عتبات البهجة» لإبراهيم عبد المجيد، والصادرة عن دار الشروق، عالمًا إنسانيًا مشغولًا بأسئلة العمر، والذاكرة، والوحدة، ومعنى الحياة، حيث تتراجع الحبكة التقليدية أمام التأمل في الإنسان وعلاقته بالمدينة والزمن. فلا تقوم الرواية على حدث واحد كبير، وإنما على سلسلة من اللقاءات والحكايات والمواقف اليومية التي تكشف تدريجيًا عالمًا يزداد قسوة، بينما يبحث أبطالها عن لحظات صغيرة تمنحهم القدرة على الاستمرار.

تدور الأحداث حول رجل تجاوز الخمسين، فقد زوجته ويعيش وحيدًا، ويواجه في الوقت نفسه مخاوف المرض بعد أن يخبره الأطباء بضرورة متابعة حالته الصحية فيتحول هذا الخوف إلى دافع لمراجعة حياته واستعادة ذكرياته، يرفقة صديقه حسن في جولات يومية وحديث لا ينتهي عن الشيخوخة والحب والموت والسياسة والمدينة والإنسان.

تأتي شخصيه حسن لتصبح الأكثر حضورًا بعد الراوي؛ فهو صديق يجمع بين السخرية والحكمة، ويواجه قسوة الواقع بخفة ظل وأفكار تبدو أحيانًا غريبة، لكنها تكشف رؤية فلسفية للحياة، ومن خلال الحوارات الطويلة بين الصديقين يفتح إبراهيم عبد المجيد أبوابًا للتأمل في قضايا تتجاوز مصير الشخصيتين إلى مصير المجتمع كله.

وتبدأ الرواية من حديقة صغيرة في قلب القاهرة، يكتشفها الراوي متأخرًا رغم مروره بها سنوات طويلة.. "تركت نفسي لحسن يأخذني من ذراعي إلى الحديقة الصغيرة التي على طرف الميدان.. لم أتصور من قبل أنها حديقة يمكن أن يرتادها الناس. صغر حجمها وازدحام الميدان وقصر أشجارها وسورها المساوي لطول الأشجار يجعلني دائمًا أتصورها مجرد بقعة خضراء لتزيين المكان، خاصة أن النافورة تتوسط الميدان بعيدا عن الحديقة" لتتحول هذه الحديقة إلى عالم مصغر يضم بائعة الشاي وابنتها سعيدة، وبائعة الحلوى، وبائع الورد، وغيرهم من البسطاء الذين يحمل كل منهم حكايته الخاصة، ومن خلال هذه الشخصيات يرصد عبد المجيد مظاهر الفقر والعنف واللامبالاة، ويكشف كيف أصبحت القسوة جزءًا من الحياة اليومية.

وتبرز العلاقات الإنسانية بوصفها أحد محاور الرواية؛ فالراوي لا يزال يحمل ذكرى زوجته الراحلة، ثم يعيش علاقة مع دنيا، المرأة التي تمنحه شيئًا من الدفء، لكنها لا تنجح في تبديد شعوره الدائم بالوحدة.د، ربما لتؤكد أن الحب يظل حاجة إنسانية لا تلغيها الشيخوخة ولا الخسارات.

ومن أهم ملامح الرواية حضور المدينة بوصفها شخصية حية، لا مجرد مكان للأحداث، إذ يبرز ذلك بوضوح في الحنين الذي يبديه الراوي إلى مدينة الإسكندرية، حيث يستعيد زمنًا كانت فيه المدينة أكثر انفتاحًا وحيوية، ويتساءل بحسرة: «أين ذهب هذا الزمن؟». ثم يرصد كيف «رأى الإسكندرية وهي تغلق ملاهيها واحدًا وراء الآخر... ولم يبق للشباب في الإسكندرية إلا لعب الطاولة»، قبل أن يقارنها بالقاهرة التي أزيلت منها مقاعد الكورنيش حتى لا يجلس عليها المحبون، ثم أعيدت وهي ملوثة لمنعهم أيضًا من الجلوس. ومن خلال هذه المقارنة لا يحن الراوي إلى مدينة بعينها، بل إلى زمن كانت فيه المدن أكثر رحابة، وكانت الحياة تتيح مساحة أوسع للحب والبهجة والحرية.

وتنجح الرواية كذلك في منح التفاصيل الصغيرة قيمة رمزية؛ فشرب الشاي في الحديقة، أو مراقبة المارة، أو التجول في الشوارع، كلها تتحول إلى وسائل لاكتشاف معنى الحياة، بينما تصبح الشخصيات البسيطة مرآة لمجتمع يعيش تحولات عميقة، كل ذلك بلغة إبراهيم عبد المجيد التي تجمع بين البساطة والعمق في آن واحد، إذ ينتقل بسهولة من وصف موقف يومي عابر إلى تأمل فلسفي، دون أن يفقد السرد تماسكه. كما يعتمد بدرجة كبيرة على الحوار، الذي يكشف الشخصيات ويمنح الرواية إيقاعها الخاص، خاصة في النقاشات التي تدور بين الراوي وحسن.

ويطرح عنوان "عتبات البهجة" سؤالًا جوهريًا عن معنى البهجة حيث لا تقدمها الرواية باعتبارها سعادة كاملة، وإنما كونها لحظات عابرة؛ ابتسامة، أو لقاء صديق، أو فسحة خضراء وسط مدينة مزدحمة، أو ذكرى جميلة تقاوم قسوة الحاضر؛ ولذلك يبقى أبطال الرواية واقفين دائمًا على عتبات البهجة، يقتربون منها دون أن يمتلكوها كاملة.

ورغم أن الرواية تعتمد على الإيقاع الهادئ أكثر من اعتمادها على تصاعد الأحداث، فإن هذا البطء يتناسب مع طبيعتها التأملية، ويمنح القارئ فرصة لمشاركة الشخصيات هواجسها وأسئلتها، بدلًا من الانشغال فقط بتطور الحبكة.

في النهاية، تقدم «عتبات البهجة» رواية إنسانية عميقة عن الشيخوخة والوحدة والذاكرة، وعن الصداقة التي تمنح الإنسان القدرة على مواجهة الخوف، وعن المدن التي تتغير كما يتغير سكانها، وعن البحث الدائم عن لحظة بهجة وسط عالم يزداد قسوة. وهي رواية تؤكد أن مقاومة اليأس لا تكون بإنكار الواقع، وإنما بالتمسك بالإنسانية والقدرة على التقاط لحظات الجمال الصغيرة، لتظل واحدة من الأعمال التي تجمع بين البعد الاجتماعي والتأمل الفلسفي، وتترك أثرًا طويلًا في نفس القارئ.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق