سقطات يوسف زيدان! - المدينة برس

فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم سقطات يوسف زيدان! - المدينة برس

ليس أخطر على الوعي من مثقف لديه إصرار لا يحسد عليه على تبني أسلوب الصدمة كأسرع طريق إلى إثارة الجدل التواجد في دائرة الضوء والشهرة، ولم لا وقد أصبح هدم اليقين أكثر رواجًا من بناء المعرفة، وبات طرح سؤال مستفز على شاشة يحقق من الانتشار ما لا تحققه عشرات الكتب فوق رفوف المكتبات.

 

وهنا تكمن مأساة يوسف زيدان. فالرجل الذي عرفه الناس باحثًا في المخطوطات، وروائيًا يمتلك لغة آسرة، يبدو وكأنه استبدل هدوء الباحث بضجيج التريند، واستبدل أسلوب التحقيق التاريخي بلغة الإثارة، حتى أصبح كل ظهور جديد له أشبه بقنبلة دخان تُلقى في ساحة الرأي العام، لا لتكشف الحقيقة، وإنما لتصنع عاصفة جديدة.

 

التشكيك في قصة أصحاب الفيل ليس مجرد رأي تاريخي عابر، لأن القضية هنا لا تتعلق بخبر في كتاب من كتب التراث يمكن مراجعته أو مناقشته، وإنما بواقعة ارتبطت بنص قرآني واضح، ظل حاضرًا في الوعي الإسلامي عبر القرون.

والفرق كبير بين أن يناقش الباحث الروايات التاريخية، وبين أن يتعامل مع النصوص المؤسسة بمنطق الإثارة الإعلامية.

 

الغريب أن يوسف زيدان لا يختار عادة القضايا الهامشية، بل يذهب دائمًا إلى أكثر الملفات حساسية: مرة السُنة، ومرة الصحابة، ومرة الإساءة لصلاح الدين بأقذع الألفاظ، واليوم أصحاب الفيل.. وكأن هناك قانونًا غير مكتوب يحكم ظهوره الإعلامي: كلما كانت القضية أكثر استفزازًا، كان الحضور الإعلامي أكبر. وهذا ليس شجاعة فكرية بالضرورة، أحيانًا تكون مجرد براعة في التسويق وإثارة الجدل. الباحث الحقيقي يبدأ من الوثيقة لينتهي إلى النتيجة.

 

أما الباحث عن الأضواء، فيبدأ بالنتيجة المثيرة، ثم يبحث لها عن الوثائق. وهنا يختلط البحث بالاستعراض وحب الظهور والشغف للأضواء.

لا يحتاج المجتمع  اليوم إلى معارك مجانية حول ثوابته بقدر حاجته إلى معارك ضد الجهل والتطرف والتخلف والفقر والأمية العلمية. لكن يبدو أن بعض المثقفين أدركوا أن معركة التراث أقل كلفة، وأكثر قدرة على صناعة الضجيج.

 

من حق أي باحث أن يجتهد، وأن يراجع، وأن يناقش، وأن يختلف. لكن من حق المجتمع أيضًا أن يسأل: لماذا تأتي هذه القضايا دائمًا في توقيتات تضمن أعلى نسب مشاهدة؟ ولماذا تتحول كل إطلالة إعلامية إلى عنوان صادم لا يستند إلى أي دليل أكثر منها بحثًا أكاديميًا يحقق ويصل إلى نتائج بأسلوب علمي؟

 

إن قيمة الفكر لا تُقاس بعدد المشاهدات، ولا بعدد المقاطع المتداولة على مواقع التواصل. الفكر الحقيقي يبقى لأنه أكثر إقناعًا. أما الجدل فينتهي بانتهاء دورة الضجيج والصخب.

يختلف الناس حول يوسف زيدان، وسيظل الاختلاف مشروعًا. لكن المؤكد أنه بحديثه المشكك في قصة أصحاب الفيل يجعل الإثارة منهجًا، ويخسر أهم ما يملكه الباحث وهو رصانته واستناده إلى أسس البحث العلمي لا العناوين المثيرة فالتاريخ لا يُكتب بالانفعال، كما أن العقائد لا تُناقش بمنطق التريند.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق