عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم "القباقب" والطبول تضبط إيقاعات الصويرة في افتتاح "مهرجان كناوة" - بوابة المدينة برس
على طول الساحة الرئيسية في المدينة العتيقة بالصويرة انتظم أمس الخميس لساعات مغاربة وأجانب، قادمون من أنحاء المملكة وقارات متعددة، ليتابعوا الموكب الافتتاحي لمهرجان كناوة وموسيقى العالم، الذي يجمع فنونا مغربية متنوعة، تبدأ بكناوة، وتمتد إلى موسيقى حمادشة، وعيساوة، وتعبيرات فنية أخرى.
الدورة السابعة والعشرون من مهرجان كناوة وموسيقى العالم انطلقت من باب دكالة بالمدينة، حين التقطت آذان الجمهور صوت “القباقب” والطبول القادمة من بعيد، ولاحت بُعَيد ذلك الأعلام الخاصة بكل فرقة، المستلهمة أو المستمرة مع تقليد أثير لدى الطرق الصوفية بالبلاد، إلى أن تفتَتِحَ التحيةَ الموسيقية فرقة كناوية، ففِرقٌ مثيلة، ويستل الناس هواتفهم توثيقا للحظة، أو ذهولا عنها.

ويتوالى بروز الفرق المتعدّدة، في المسيرِ، تعرّفها ألبستها واختياراتها في الرقص والاجتماع، مع توالي تناغم “القباقب” الجماعية ودقّات الطبول، خالقة جوا من الصخب الطرِب، لا يخلو من مفارقة، حيث تنسجم أصوات كل فرقة، ولو كانت ناشزة عن دقات أخرى، دون أن يقود ذلك إلى نفور المستمع.
مسيرة أبرز مهرجانات فن كناوة في العالم، الإبداع المعلن من طرف منظمة اليونسكو تراثا عالميا للإنسانية، لا تحضر فيها فقط إجابة عن حاجة الاستمتاع بالسمع والنظر عند الجمهور، بل يرافقها ريح طيّب، هو ريحُ البخور، الذي عادة ما ترافق مبخرته كلمات الذكر التي تزن كثيرا من مغنيات كناوة، وموسيقى طرق صوفية أخرى.

وتكثّف هذه المسيرة عددا من الخصائص المميزة لهذه الألوان الموسيقية، مخرجة إياها من الفضاءات المغلقة، أو من الاختزال الذي يمسّ مشهدها وطقوسها عند انتظامها بالفضاء العمومي، مبرزة تنوع ألوان الأداء، وأشكال اللباس، والتَّحَلِّي، وتعدد الأدوات الموسيقية أيضا.
ولا تحضر في المسيرة استعادة مكرورة لما كانت عليه كناوة والفنون الأخرى، بل تبرز معها مستجدات هي ثمرة الانفتاح الموسيقي وتحولات المجتمع، مثل الحضور النسائي، سواء كنّ حاملات لـ”القباقب” المهمّمة الأقرب إلى الجندية في الفرجة الكناوية، أو في حالات يجدهن الناظر في قلب الفرقة الموسيقية لا على هامشها.

ولا تخلو من مواكب بالمسيرة وجوه يافعة تحمل “القباقب”، تعلّما، ورفعا لراية استمرارية الفن، جيلا بعد جيل، وهو ما علّق عليه مؤدّون لفن كناوة من آسفي، في تصريح لهسبريس، من ضمنهم ‘معلّم’ وابنه الشاب، ومؤدّ وابنه الطفل، بقولهم إن “هذا الموعد السنوي، والاهتمام الذي أحاط به كناوة، أنقذ هذا الفن من الانقراض، والآن صار أمامه مستقبل زاهر”.
وبعد ساعة، أو يزيد، يصبّ الموكب في ساحة المولى الحسن، الساحة الرئيسية لعروض المهرجان، حيث العرض الافتتاحي، الذي استبقته نائلة التازي، مديرة ومنتجة مهرجان كناوة وموسيقى العالم بالصويرة، بكلمة باللغتين العربية والإنجليزية، من ضمن ما قالته فيها: “الصويرة تجربة أصيلة وحيّة، فقد صارت موعدا دوليا ينتظره الناس من أنحاء العالم، ويجمعهم ما يتجاوز الموسيقى وحدها؛ كون اللقاء ممكنا، وكون الاختلاف فرصة للتعارف لا عائقا”.

ثم علّقت المتحدثة بأن هذا الانتصار للقاء وغنى الاختلاف “اختيار مغربي”، في ظل “رعاية سامية متواصلة من ملك البلاد لهذا الحدث الثقافي”، وفي ظلّ واقع عيش الشباب “بين الجذور والانفتاح والطموح، وبين المحلي والعالمي، وتنقله بين اللغات والثقافات والحضارات، وابتكاره دائما سبلا للعيش المشترك”.
وفي ظلّ الخضمّ العالمي تنهض الصويرة بمهمة تجاه الذاكرة الجمعية، هي إسناد “صيانة تراث ‘المعلّمين’ (أي من بلغوا الاحتراف وشرعية تعليم موسيقى كناوة)، في الساحة العالمية، وتكوين أجيال من الفنانين”، عبر توفير مكان للقاء بين إبداعات العالم، والمزج بين الفنون، والتكوين أيضا عبر “برنامج بيركلي”.

هذا التنوع حاضر في حفل افتتاح الموعد الموسيقي، الذي لم يقتصر على آلات “الهجهوج” و”القباقب” والطبل المحلية، بل انتصر للمزج وإبداع الجديد، عبر مجاورة تقاليد موسيقية متباعدة أو غير متآلفة، فكانت فرجة جمعت فنانين من المغرب ورواندا وفرنسا والهند؛ فكانوا واحدا، معبّرا عن إبداع الإنسان.