عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم حين يصنع النفاق نجومًا من ورق - المدينة برس
من أشد ما يؤلم في الحياة أن ترى إنسانًا نبت في تربة متواضعة، ومدَّ إليه كثيرون أيديهم بالعون والتوجيه والفرص، وحملوه على أكتافهم حتى تجاوز عثراته، فإذا ما فتحت له الدنيا أبوابها وتسلّق المناصب والمكانة، أصابته آفة النسيان، فأنكر الجميل، وجحد الفضل، وأوهم نفسه والناس أن ما وصل إليه إنما كان بعبقرية فذة وقدرات استثنائية لا نظير لها.
هذه الظاهرة ليست جديدة، فقد سجلها القرآن الكريم في قصة قارون الذي قال متباهيًا: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾، فكانت تلك الكلمة عنوانًا للغرور ونكران الفضل. لقد نسب النجاح إلى نفسه، وتناسى أن النعم مواهب من الله، وأن وراء كل نجاح أسبابًا ووجوهًا وأيادى امتدت بالمساندة والتأييد.
وفي كل عصر نرى نماذج جددا لقارون في كل مجال؛ أشخاصًا صعدوا لا لأنهم الأقدر ولا لأنهم الأجدر، وإنما لأنهم أتقنوا فن العلاقات العامة أكثر من إتقانهم العمل، وأحسنوا التملق أكثر من إحسانهم التفكير، وامتلكوا المال والنفوذ أكثر مما امتلكوا العلم والخبرة. صعدوا بالمجاملات لا بالكفاءات، وبالأبواب الخلفية لا بالاستحقاق، وبالولاءات الشخصية لا بالجدارة المهنية.
والأشد مرارة أن بعض هؤلاء يتصدرون الشاشات والمنابر، ويتحدثون بلسان الحكماء وأرباب الفكر، ويقدمون أنفسهم بوصفهم نماذج للنجاح الملهم، بينما الحقيقة أن قصصهم لا تحكي انتصار الموهبة بقدر ما تحكي انتصار النفاق الرخيص وموالاة أهل السلطة.
إنهم ممن يأكلون على كل الموائد، ويبدلون مواقفهم بتبدل أصحاب النفوذ، فإذا تغيرت الرياح غيروا اتجاه أشرعتهم، فلا مبدأ يحكمهم ولا قيمة تقيدهم.
وما أكثر الذين بنوا مجدهم من جهد الآخرين، واستعاروا أفكار غيرهم، ثم نسبوا الإنجاز لأنفسهم، بل ربما طمسوا أسماء الذين صنعوا بداياتهم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس». فالاعتراف بالجميل ليس تفضلًا، وإنما هو خلق أصيل، ومن جحد فضل الناس كان أجدر أن يجحد نعم الله عليه.
ولذلك كان السلف يقولون: "من أنكر الفضل فقد استحق الزوال"، ويقولون أيضًا: "من لم يعرف لأهل الفضل فضلهم فقد أشبه اللئيم". وقديمًا قيل: إذا تم أمر بدا نقصه، ترقب زوالًا إذا قيل تم. فما ثبت الباطل يومًا، ولا استقرت مكانة قامت على الزيف والتدليس.
وفي عالم الصحافة والإعلام خصوصًا، لكل عصر «محفوظ عجب» جديد؛ أشخاص يتقنون صناعة الضجيج أكثر من صناعة الفكر، ويجيدون الظهور أكثر من إجادة المعرفة، ويعتلون المنصات لأنهم أحسنوا التصفيق لأصحاب السلطان، لا لأنهم قدموا إبداعًا حقيقيًا أو إضافة فكرية جادة.
وما أكثر مسيلمة الكذاب في كل زمان؛ يدعي ما ليس له، وينسب إلى نفسه ما لم يصنعه، ويصدق مع الزمن الرواية التي اختلقها عن ذاته حتى يظن أنه من أرباب العلم والفكر.
لكن الأيام دول، والتاريخ أكثر إنصافًا من البشر. فالوجوه المصنوعة بالدعاية يبهت بريقها، والأسماء التي صنعتها المصالح سرعان ما يطويها النسيان، ويبقى أصحاب الجهد الحقيقي وإن تأخر الاعتراف بهم. وقد صدق الله تعالى حين قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: «من تواضع لله رفعه الله».
إن من ينسى بداياته، ويجحد فضل من صنعوا له الطريق، ويستطيل على الناس بمنصب أو شهرة أو مال، عليه أن يتذكر أن الأقدار لا تستقر على حال، وأن من سقَى الناس مرارة الجحود سيُسقى من الكأس نفسها، وأن من ارتفع بغير استحقاق لا يملك ضمان البقاء. وقد أحسن القدماء حين قالوا:
ما طار طيرٌ وارتفع إلا كما طار وقع.
فالتاريخ لا يخلد المنافقين، ولا يحفظ أسماء المتسلقين، وإنما يخلد أصحاب الفضل الحقيقيين الذين صنعوا نجاحهم بالجهد والعرق والاستحقاق، واعترفوا في الوقت نفسه بأيدي المعروف التي امتدت إليهم، لأن الكبار حقًا لا ينسون بداياتهم، ولا يجحدون من كانوا سببًا في وصولهم.








0 تعليق