عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم القدم المباركة - بوابة المدينة برس
قدمٌ ممدودة فوق وِسَادة أو زربية، وحولها جمهور يزحف نحو خلاص لا يحتاج إلى عقل ولا إلى عمل؛ يحتاج فقط إلى ظهرٍ مَرن، وشفاه تعرف عنوان البركة.
في بعض المواسم والزوايا، يصنع الناس من الحذاء عرشًا متنقّلًا، ومن الغبار العالق بالكعب أثرًا سماويًّا. يدخل الإنسان واقفًا، ثم تشرح له الطّقوس أن الوقوف سوءُ أدبٍ، وأن الكرامة حجر صغير ينبغي أن يزيحه من طريق الوُصول إلى “السّيد”.
وأما السّيدُ فيصل مُحاطًا بحاشية تُتقن هندسة الهَيْبة. واحدٌ يمهّد الطريق، وآخر ينظّم الصّفّ، وثالث يجمع الهدايا والنذور، ورابع يرمق المتردِّدَ بنظرة تكفي لإدانته في الدنيا والآخرة.
يجلس السّيد أو يظلُّ واقفا أو يمشي، ثم يبدأ العرض الكبير. تنحني الظهور، تتسابق الرؤوس، تتناوب الشفاه على موضع واحد، كأن الجنة فتحت شباكًا إداريًّا جديدًا وطلبت من الناس إيداع كرامتهم ضمن ملفّ الطّلب. يحملُ كل زائر مُصيبته معه.
يحمل المريض وَجعه، وتحملُ الأمُّ خوفها على ابنها، ويحملُ التّاجر ديُونه، وتحملُ العانس سؤال الزَّواج، ويحملُ العاطلُ أوراقه الصفراء. يضع الجميع آمالهم عند القدم نفسها. السَّيد لا يداوي مريضًا، ولا يخلق وظيفة، ولا يُصلح زواجًا، ولا يُسَدِّدُ دَيْنًا؛ يكتفي بتحريك أصابع قدميه حركة خفيفة، فتقرأ الحاشية فيها إشارات كونية تحتاج إلى مترجمين وخبراء في عُلُوم الجَوَارِب.
البركَةُ ذاتُ المقَاس اثنين وأرْبعين
حول تلك القَدم تنمو صناعة كاملة. يبيعُ أحدهم الشّموع، ويبيع آخر الماء، ويؤجّر ثالث مكانًا قريبًا من العتبة، ويتولىّ رابع تسويق الحكايات. هذا شُفي بعدما قَبَّلَ القَدَم. ذاك ربح قضية بعدما لمس طرف الجلباب. امرأة حملت بعد أن أخذت حفنة من تراب الموسم أو الزّاوية.
لا أحد يسأل عن الذين قبّلوا ولم يشفوا، ودفعوا ولم يربحوا، وانتظروا ولم يحدث شيء. الحاشية تملك جوابًا اقتصاديًّا جاهزًا: نِيَّتُهم لم تَصْفُ بما يكفي. الزبون عند تجار البركة مخطئ دائمًا، والسّلعة معصومة حتى عندما لا تعمل.
لا يطلب السّيد من الناس أن يهينوا أنفسهم بصوت صريح. يمنح الانحناء اسمًا ألطف: الأدبُ. تمنح الحاشية الخضوع اسمًا أفخم: المحبَّة. يمنح الخوف لقبًا روحانيًّا: الهَيْبة. هكذا تُغيّر اللُّغة ثياب الإذْلال، ثم تدخله إلى القلب في هيئة فضيلة.
يقبّل الفقير قدمًا، ثم يعود مقتنعًا بأن فقره امتحان، بينما تعود القَدم في سيارة فاخرة وقد نجحت في الامتحان بدلًا منه. لا تنمُو الظاهرة من الجهل وحده. يُغذيها اليأس، ويُقَوِّيها الخَوف، وتحرسها الجماعة.
لو امتلك صاحب القَدم احترامًا حقيقيًّا للناس لَسَحَبها، وأمسك بالمنحني من كتفيه، وأعاده إلى قامته. من يعرف قيمة الإنسان لا يحوّله إلى مِمْسحة مُقدسة. ينتهي الموسم، يغادر السّيد، تجمعُ الحاشية الغنائم، ويعود الناس إلى البيوت بالمشكلات نفسها.
لا تُصلِحُ القُبْلَة سقفًا متصدعًا، ولا تخفض ثمن الدواء، ولا تُعيد غائبًا، ولا تفتح بابَ رزق. وحدهُ الغبار يَربحُ في كل مرة؛ ينتقل من القدم إلى الشفاه، ثم يدخل التاريخ باسم “البركة”.
يا قوم… السّماء ليست داخل جَوْرَب
يا قوم، عودوا إلى رُشدكم. كفاكم جهلًا يضع العمامة فوق رأسه، ويتعطّر بالبخور، ثم يمدّ قدمه كي تتسابقوا إلى تقبيلها. منحكم الله رؤوسًا تَعقِلُ، وأفواهًا تسأل لا شفاهًا تزحف نحو قَدَمِ بشر يأكل كما تأكلون، وينام كما تنامون، ويبحث عن نعله كلما أضاعه.
لا تمنحوا الإهانة اسمًا دينيًّا كي تستسيغها نفوسكم. غيّروا الأسماء كما تشاؤون؛ لا تتحوّل المهانة إلى فضيلة حين تدخل الزّاوية، ولا يصبح الحذاء بابًا من أبواب السماء حين يخصّ رجلًا تحيط به حاشية وتجري وراءه صناديق النذور.
أيّ سَيِّدٍ هذا الذي لا تكتمل مكانته حتى تنقص كرامتكم؟ اسألوا صاحب القدم عمّا قدّمه للناس. كم جائعًا أطعمَ؟ كم مريضًا عالج؟ كم يتيمًا حمَى؟ كمْ جاهلًا علَّم؟ لا تسألوه عن عدد الأفواه التي قبّلت قدمه؛ اسألوه عن عدد الأيدي التي أمسك بها ورفع أصحابها. ا
لرجل الصالح ينهض بالناس، ولا يحوّلهم إلى أثاث بشري حول مَجْلسه. منْ يمدّ قدمه للشفاه لا يوزّع البركة؛ يدير مشروعًا ناجحًا لتدوير الخُضُوع. يا من تأخذون أبناءكم إلى تلك الصفوف، انتبهوا إلى ما تفعلون.
أنتم تورّثونهم الانحناء باسم الإيمان. تعلّمون الطفل أن الحقيقة تجلس فوق وسادة، وأن عقله قليل الأدب، وأن السؤال خطيئة، وأن الكرامة تعطل وصول الدعاء.
أحبّوا الصَّالحين واقفين. اقرأوا سيرهم. اقتدوا بأعمالهم. خذوا منهم الحكمة، واتركوا أقدامهم داخل أحذيتهم. من حمل نورًا حقيقيًّا أنار عقولكم، ولم يطفئها كي يلمع وحده. الصَّالح يترك أثرًا في الأخلاق والعمل، لا طبعة حذاء فوق الجبين.
أنفقوا أموال النذور على دواء مريض، أو كِتَاب طفل، أو طعام أرْملة. ستجدون هناك بركةً تمشي على قدمين وتظهر نتيجتها أمام أعينكم. الشمعة التي تضيء بيت فقير أشرف من ألف شمعة تذوب قرب صندوق السّيد.
يا قوم، عُودوا إلى رُشدكم قبل أن تحصل كل قرية على قدمها الخارقة، وحاشيتها الرّسمية، ومكتبها الخاص لاستقبال القُبلات. كفاكم منح البشر مقامات يصنعها خوفكم، ثم تقفون أمامها مُرْتجفين.
ارفعوا رؤوسكم، وافتحوا عيونكم، واتركوا القَدَم لصاحبها، واتركوا الحذاء لوظيفته، واتركوا الجَبين لِلْكَرامة؛ فالسماء فوق رؤوسكم، لا تحت نَعْلِ أحدٍ؛ ومن يبحثُ عن النُّور عند أقدام البشر، سيعود إلى بيته بالغُبار وحْده.








0 تعليق