المغرب وأمريكا يحتفيان بقرنين ونصف من الصداقة والشراكة

المغرب 24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم المغرب وأمريكا يحتفيان بقرنين ونصف من الصداقة والشراكة

منذ أن فتح السلطان المغربي سيدي محمد بن عبد الله موانئ المملكة أمام السفن الأمريكية في ديسمبر 1777، بدأت قصة استثنائية بين المغرب والولايات المتحدة، تحولت مع مرور القرون من علاقة تجارية ودبلوماسية ناشئة إلى واحدة من أقدم الشراكات الدولية المستمرة في التاريخ الأمريكي. وبينما تستعد الرباط وواشنطن لإحياء الذكرى الـ250 لهذه العلاقة سنة 2027، تبرز محطات كثيرة جعلت من الصداقة المغربية الأمريكية علاقة تتجاوز الحسابات الظرفية، لتشمل الدبلوماسية والتجارة والأمن والدفاع والثقافة والتعليم والقضايا الإقليمية.

البداية من طنجة وموانئ المغرب

قبل أن تصبح الولايات المتحدة قوة عالمية، كانت مجرد دولة فتية خرجت لتوها من حرب الاستقلال، وفي ذلك السياق، اتخذ السلطان المغربي سيدي محمد بن عبد الله، سنة 1777، قراراً حمل دلالة سياسية وتجارية كبيرة، عندما فتح الموانئ المغربية أمام السفن الأمريكية وأعلن اعترافه باستقلال الجمهورية الأمريكية الناشئة.

وتعتبر وزارة الخارجية الأمريكية أن المغرب كان أول دولة تعترف رسمياً بالولايات المتحدة، في وقت كانت فيه الدولة الجديدة تبحث عن شركاء دوليين وأسواق تجارية وعلاقات دبلوماسية تساعدها على تثبيت موقعها بين القوى الدولية.

لم يكن القرار المغربي مجرد موقف رمزي؛ فقد ارتبط منذ البداية بمصالح اقتصادية وتجارية. فالمغرب كان يدرك أهمية الانفتاح على القوة الأمريكية الصاعدة، فيما كانت الولايات المتحدة بحاجة إلى موانئ آمنة وشريك في الضفة الجنوبية للمتوسط.

وهكذا بدأت العلاقة من البحر والتجارة، قبل أن تتحول تدريجياً إلى علاقة دبلوماسية أكثر تنظيماً.

معاهدة مراكش.. الوثيقة التي صمدت أكثر من قرنين

بعد سنوات من الاتصالات والمفاوضات، وصل الطرفان إلى محطة مفصلية في تاريخ علاقاتهما.

ففي 23 يونيو 1786، جرى توقيع معاهدة السلام والصداقة بين المغرب والولايات المتحدة في مراكش، على يد الدبلوماسي الأمريكي توماس باركلي ممثلاً للولايات المتحدة والسلطان سيدي محمد بن عبد الله عن الجانب المغربي. وفي يوليوز 1787 صادق الكونغرس الأمريكي على المعاهدة.

لم تكن المعاهدة مجرد اتفاق تجاري عابر، بل أسست لعلاقة سياسية ودبلوماسية طويلة الأمد، ونظمت جوانب من التجارة والملاحة وحماية مصالح رعايا البلدين.

والأهم أن هذه المعاهدة ظلت قائمة دون انقطاع، وهو ما يجعلها، وفق المصادر الرسمية الأمريكية، أقدم معاهدة أمريكية ما تزال سارية دون انقطاع.

وهنا تكمن خصوصية التجربة المغربية الأمريكية: دول وإمبراطوريات تغيرت، وأنظمة سياسية سقطت، وحروب عالمية اندلعت، وخريطة العلاقات الدولية أعيد رسمها مرات عديدة، بينما استمرت الوثيقة التي وضعت الأساس للعلاقة بين الرباط وواشنطن.

طنجة.. أول عنوان أمريكي خارج الولايات المتحدة

إذا كانت مراكش قد احتضنت توقيع المعاهدة، فإن طنجة أصبحت لاحقاً أحد أهم الرموز المادية لهذه الصداقة.

ففي سنة 1821، منح السلطان المغربي مولاي سليمان الولايات المتحدة مبنى المفوضية الأمريكية في طنجة، ليصبح أول عقار دبلوماسي أمريكي في الخارج.

وتحول المبنى، المعروف اليوم باسم المفوضية الأمريكية بطنجة، إلى شاهد حي على عمق العلاقات بين البلدين.

وتكتسب المفوضية أهمية استثنائية في الذاكرة الدبلوماسية الأمريكية، فهي ليست مجرد بناية تاريخية، بل تُعد المعلم التاريخي الوطني الأمريكي الوحيد الموجود خارج الولايات المتحدة، وفق وزارة الخارجية الأمريكية.

كما ظلت المفوضية مركزاً للعمل الدبلوماسي الأمريكي في المغرب لنحو 140 عاماً، لتصبح طنجة واحدة من أهم المواقع التي تختزل تاريخ العلاقة المغربية الأمريكية.

من القرن التاسع عشر إلى الحماية والاستقلال

دخلت العلاقات المغربية الأمريكية خلال القرن التاسع عشر مراحل مختلفة، ارتبط بعضها بالتجارة والملاحة وحماية المصالح الأمريكية، قبل أن تتغير البيئة السياسية في المغرب مع بداية القرن العشرين.

وفي سنة 1912 أصبح المغرب تحت نظام الحماية الفرنسية، مع وجود مناطق خضعت أيضاً للنفوذ الإسباني، من بينها منطقة طنجة في سياقات مختلفة.

وبذلك تغيرت طبيعة العلاقات الدولية للمملكة، وأصبحت العلاقات الأمريكية مع المغرب تمر عبر واقع سياسي جديد فرضته الحماية.

ومع حصول المغرب على الاستقلال سنة 1956، عادت العلاقات المغربية الأمريكية إلى إطارها الطبيعي، بعدما اعترفت الولايات المتحدة باستقلال المملكة واستؤنفت العلاقات الدبلوماسية الثنائية.

ومنذ ذلك التاريخ، أخذت العلاقات منحى أكثر مؤسساتية، لتنتقل من إرث تاريخي ودبلوماسي إلى شراكة حديثة تشمل ملفات متعددة.

الحرب العالمية الثانية.. طنجة في قلب التاريخ

كانت الأراضي المغربية مرة أخرى مسرحاً لحدث مهم في التاريخ الأمريكي خلال الحرب العالمية الثانية.

ففي نوفمبر 1942، أطلقت الولايات المتحدة وحلفاؤها عملية Torch، التي شملت إنزالات عسكرية في شمال إفريقيا، وكان المغرب أحد أهم مسارحها.

وتشير وزارة الخارجية الأمريكية إلى أن المفوضية الأمريكية في طنجة اضطلعت بدور خلال تلك المرحلة، ما عزز مكانتها باعتبارها شاهداً على تطور العلاقة بين البلدين في واحدة من أكثر الفترات حساسية في القرن العشرين.

بعد الاستقلال.. علاقة جديدة تتجاوز التاريخ

مع استقلال المغرب، لم تكتف واشنطن والرباط باستعادة العلاقات، بل عملتا على بناء شراكة تستجيب للتحولات التي عرفها العالم خلال الحرب الباردة وما بعدها.

وتوسعت مجالات التعاون لتشمل التجارة والاستثمار والتعليم والثقافة، إلى جانب التعاون الأمني والعسكري.

ومع نهاية الحرب الباردة وبروز تحديات جديدة، أصبح التعاون الأمني أكثر أهمية، خصوصاً في ملفات مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود وحماية الاستقرار الإقليمي.

المغرب حليف رئيسي للولايات المتحدة خارج الناتو

في سنة 2004، صنفت الولايات المتحدة المغرب حليفاً رئيسياً من خارج حلف شمال الأطلسي، في خطوة عكست المستوى الذي بلغته الشراكة الأمنية والعسكرية بين البلدين.

وأصبحت التدريبات العسكرية المشتركة أحد أبرز مظاهر هذه العلاقة، وفي مقدمتها تمرين «الأسد الإفريقي» African Lion الذي تحول إلى أكبر تمرين عسكري سنوي تقوده الولايات المتحدة في إفريقيا.

وفي نسخة 2026، شارك أكثر من 5600 عسكري ومدني من أكثر من 40 دولة، واحتضنت المغرب جانباً مهماً من المناورات، في مؤشر على استمرار الدور المركزي للمملكة في التعاون العسكري الأمريكي بالقارة الإفريقية.

أما نسخة 2025، فقد شارك فيها أكثر من 10 آلاف عنصر من أكثر من 50 دولة، وشملت تدريبات برية وجوية وبحرية وفضائية وسيبرانية، بما يعكس انتقال التعاون العسكري من التدريبات التقليدية إلى مجالات متعددة الأبعاد.

التجارة.. من السفن الشراعية إلى الاقتصاد الحديث

لم تعد العلاقة المغربية الأمريكية مرتبطة بالموانئ والمبادلات التجارية التقليدية كما كان عليه الحال في القرن الثامن عشر.

اليوم، أصبحت الولايات المتحدة أحد الشركاء الاقتصاديين للمغرب، فيما يوفر اتفاق التجارة الحرة المغربي الأمريكي إطاراً لتطوير المبادلات التجارية والاستثمارات بين البلدين.

وهذا البعد الاقتصادي يعكس تحولا جوهريا في طبيعة العلاقة: فالمصالح المشتركة لم تعد مرتبطة فقط بالموقع الجغرافي أو الملاحة في البحر المتوسط، وإنما أصبحت تشمل الصناعة والاستثمار والخدمات والتكنولوجيا والفلاحة ومجالات اقتصادية حديثة.

2020.. محطة مفصلية في قضية الصحراء المغربية

شهدت العلاقات المغربية الأمريكية تحولاً استراتيجياً كبيراً في 10 دجنبر 2020، عندما أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء.

وأصدرت وزارة الخارجية الأمريكية آنذاك توجيهات رسمية بشأن الخرائط، على أساس القرار الأمريكي بالاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء.

وشكل القرار نقطة تحول في السياسة الأمريكية تجاه الملف، وأصبح الموقف الأمريكي من قضية الصحراء أحد أبرز عناصر التقارب السياسي بين الرباط وواشنطن.

وفي أبريل 2025، جدد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو التأكيد على أن المقترح المغربي للحكم الذاتي هو الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه المفاوضات، وفق ما نقلته رويترز، مع تأكيد استمرار الاعتراف الأمريكي الذي أعلنته إدارة ترامب سنة 2020.

وهكذا لم تعد العلاقات الثنائية تقتصر على التاريخ والمصالح الاقتصادية والأمنية، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بملف جيوسياسي بالغ الأهمية بالنسبة إلى المغرب.

من الأمن إلى الدبلوماسية الإقليمية

تتقاطع مصالح البلدين في عدد من الملفات الإقليمية والدولية، من بينها مكافحة الإرهاب، أمن منطقة الساحل وشمال إفريقيا، أمن الملاحة، مواجهة الجريمة المنظمة، والهجرة، إضافة إلى التعاون في القضايا الإنسانية.

كما ينظر الطرفان إلى المغرب باعتباره جسراً بين الولايات المتحدة وإفريقيا والعالم العربي، مستفيداً من موقعه الجغرافي وعلاقاته المتعددة داخل القارة.

وفي المقابل، ترى واشنطن في المغرب شريكاً مستقراً في منطقة استراتيجية تقع عند ملتقى إفريقيا وأوروبا والبحر المتوسط والمحيط الأطلسي.

الثقافة والتعليم.. الوجه الآخر للصداقة

إذا كانت السياسة والأمن يحتلان مساحة واسعة من العلاقات الثنائية، فإن البعد الإنساني والثقافي لا يقل أهمية.

فالعلاقة التي بدأت قبل نحو قرنين ونصف لم تستمر فقط بسبب المعاهدات والحكومات، وإنما أيضاً بفعل الروابط بين المجتمعين، والبرامج التعليمية والثقافية، والتبادل الأكاديمي، والتعاون في مجالات الصحة والعمل الإنساني.

وتشير وثيقة مطروحة أمام مجلس النواب الأمريكي إلى التعاون المغربي الأمريكي في مجالات ثقافية وتعليمية وإنسانية، بما في ذلك برامج فيلق السلام الأمريكي والتدريب في مجال تدبير الكوارث ومبادرات صحية مشتركة.

250 عاماً.. مناسبة لاستعادة الذاكرة المشتركة

في الولايات المتحدة نفسها، بدأ الاهتمام رسمياً بالذكرى المقبلة.

ففي مارس 2025، قدم أعضاء في مجلس النواب الأمريكي قراراً يحمل الرقم H.Res.251 للاعتراف بالصداقة التاريخية بين المغرب والولايات المتحدة والاستعداد للذكرى الـ250 سنة 2027.

ويشير نص القرار إلى أن المغرب كان أول دولة تعترف بالولايات المتحدة، وأن معاهدة السلام والصداقة الموقعة في القرن الثامن عشر تمثل أطول علاقة دبلوماسية أمريكية مستمرة، كما يدعو إلى مواصلة التعاون في التجارة والأمن والتحول الرقمي والمجالات الإنسانية.

واللافت أن هذا الاهتمام لا يأتي فقط من باب الاحتفال بحدث تاريخي، بل يعكس إدراكاً بأن العلاقة المغربية الأمريكية تمتلك رصيداً تاريخياً نادراً يمكن توظيفه في بناء شراكة أكثر قوة في المستقبل.

من السلطان محمد الثالث إلى القرن الحادي والعشرين

على امتداد نحو قرنين ونصف، تغير كل شيء تقريباً حول هذه العلاقة.

عندما فتح المغرب موانئه أمام السفن الأمريكية سنة 1777، لم تكن الولايات المتحدة دولة عظمى، ولم يكن العالم يعرف شكل النظام الدولي الذي سيظهر لاحقاً.

وعندما وقعت معاهدة مراكش سنة 1786، كانت الدبلوماسية الأمريكية لا تزال في بداياتها.

ثم جاءت القرن التاسع عشر، والحربان العالميتان، والحماية والاستقلال، والحرب الباردة، والحرب على الإرهاب، وصعود الصين، والتحولات الكبرى في إفريقيا والشرق الأوسط.

لكن العلاقة بقيت قائمة، وتكيفت مع كل مرحلة جديدة.

ومن هنا، فإن الحديث عن 250 عاماً من الصداقة المغربية الأمريكية لا يعني الاحتفاء برقم تاريخي فقط، وإنما استحضار تجربة دبلوماسية نادرة بدأت باعتراف مغربي بالدولة الأمريكية الفتية، ثم تحولت إلى معاهدة، فتمثيل دبلوماسي، ثم علاقات سياسية واقتصادية وأمنية، وصولاً إلى شراكة استراتيجية في ملفات إقليمية ودولية.

علاقة تاريخية تواجه اختبار المستقبل

اليوم، تقف الرباط وواشنطن أمام مرحلة جديدة تختلف جذرياً عن العالم الذي عرفه السلطان محمد الثالث أو جورج واشنطن.

الأمن السيبراني، الذكاء الاصطناعي، التحولات الطاقية، أمن الممرات البحرية، الهجرة، الإرهاب، الاستقرار في منطقة الساحل، والتنافس الدولي في إفريقيا كلها ملفات ستحدد طبيعة العلاقات خلال العقود المقبلة.

وإذا كانت معاهدة 1786 قد أرست أساساً لعلاقة تقوم على السلام والصداقة والتجارة، فإن القرن الحادي والعشرين يفرض توسيع هذه المعادلة لتشمل التكنولوجيا والاقتصاد والأمن والاستثمار والتنمية.

وهنا تبدو الذكرى الـ250، التي ستصل في 2027، فرصة ليس فقط للنظر إلى الماضي، وإنما أيضاً لطرح سؤال المستقبل: كيف يمكن لواشنطن والرباط أن تحولا إرث 250 عاماً من الثقة والاستمرارية إلى شراكة أكثر عمقاً خلال الخمسين سنة المقبلة؟

لقد بدأت القصة في موانئ المغرب، واستمرت عبر معاهدة مراكش، وتركت أحد أقدم الرموز الدبلوماسية الأمريكية في قلب المدينة العتيقة لطنجة، قبل أن تصل اليوم إلى التعاون العسكري والاقتصادي والاستراتيجي.

وبين اعتراف السلطان المغربي باستقلال الولايات المتحدة سنة 1777، ومعاهدة السلام والصداقة سنة 1786، واعتراف واشنطن بسيادة المغرب على الصحراء سنة 2020، وتمارين «الأسد الإفريقي» التي تجمع القوات المغربية والأمريكية في 2026، تبدو العلاقة المغربية الأمريكية واحدة من الحالات النادرة التي استطاعت أن تعبر القرون دون أن تفقد قدرتها على التجدد.

ملاحظة تاريخية: الذكرى الـ250 ستُحتفى بها سنة 2027، لأن الاعتراف المغربي باستقلال الولايات المتحدة يعود إلى 1 دجنبر 1777. أما سنة 2026 فتوافق مرور 240 عاماً على توقيع معاهدة السلام والصداقة المغربية الأمريكية سنة 1786. وقد أكدت وثيقة مقدمة إلى الكونغرس الأمريكي أن 1 دجنبر 2027 سيصادف الذكرى الـ250 لهذا الحدث.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق