عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم إعلامنا.. كيف يراه الناس؟! - المدينة برس
هل فكرت وزارة الدولة للإعلام في إجراء استطلاع رأي واسع، علمي ومستقل، تسأل فيه المصريين عن علاقتهم بالإعلام المصري؟ هل سألتهم: هل تشاهدون القنوات المصرية؟ وكم من الوقت تقضونه أمام شاشاتها؟ وما البرامج التي تتابعونها؟ ولماذا تتابعونها؟ وما الذي يدفعكم إلى تغيير القناة أو إغلاقها؟
وهل تثقون فيما يقدم لكم؟ وهل ترون أن الإعلام المصري يواكب الأحداث في توقيتها، وينقل هموم الناس ومشكلاتهم الحقيقية، أم يكتفي في أحيان كثيرة بعرض الإنجازات والبيانات الرسمية؟
وهل سألتهم الوزارة، والأهم من ذلك، عن أسباب عزوفهم إن كانوا قد عزفوا؟ وأسباب إقبالهم إن كانوا ما زالوا يتابعون؟ وهل يعرف أحد كم من المصريين ما زالوا يعتبرون التلفزيون مصدرهم الأول للأخبار والمعلومات، وكم منهم انتقل إلى الهاتف المحمول ومنصات التواصل؟ وما الذي يبحث عنه هؤلاء هناك ولا يجدونه في الإعلام المصري؟
هذه الأسئلة ليست ترفًا، ولا مجرد استطلاع لقياس نسب المشاهدة. إنها في تقديري نقطة البداية لأي استراتيجية جادة لإصلاح الإعلام؛ لأننا لا نستطيع إصلاح علاقة بين طرفين من دون أن نعرف رأي أحدهما في الآخر.
وربما تكون المشكلة الأساسية أننا نتحدث كثيرًا عن الجمهور، بينما لا نسأله بما يكفي. نقول إن الجمهور عزف عن الإعلام، لكن هل لدينا أرقام دقيقة؟ نقول إنه فقد الثقة، لكن ما حجم هذا الفقد؟ نقول إنه انتقل إلى المنصات الرقمية، لكن لماذا انتقل؟ هل لأن المحتوى هناك أفضل؟ أم لأنه أسرع؟ أم لأنه أكثر تنوعًا؟ أم لأنه يمنحه فرصة للتفاعل وإبداء الرأي؟ أم لأنه يجد فيه مساحة لما لا يجده على الشاشة التقليدية؟
قبل أن نضع روشتة للعلاج، علينا أن نتأكد من التشخيص. وهنا تكتسب الرؤية التي يطرحها الدكتور حسن علي، أستاذ الإعلام، أهمية خاصة؛ إذ يدعو إلى صيغة توافقية للخروج من حالة الانسداد الإعلامي، تقوم على إعادة بناء العلاقة بين الدولة والإعلام والجمهور، بدل الاستمرار في معادلة أثبتت التجربة محدوديتها: سيطرة كاملة، ثم انتظار أداء إعلامي مبهر.
فهل يمكن أن تنتج السيطرة المطلقة إعلامًا قادرًا على الإبداع والمنافسة واستعادة الجمهور؟ التجربة تقول إن الأمر ليس بهذه البساطة. لقد تغير العالم الإعلامي كله. المشاهد الذي كان يجلس أمام شاشة التلفزيون في موعد محدد ينتظر نشرة الأخبار، أصبح اليوم يحمل شاشة صغيرة في يده طوال الوقت. يستطيع أن يعرف الخبر لحظة وقوعه، وأن يرى صورته، ويستمع إلى روايات متعددة حوله، ثم يقارن بينها في دقائق.
لم يعد المتلقي مضطرًا إلى انتظار مذيع بعينه ليخبره بما حدث، ولا إلى الاكتفاء برواية واحدة.
وهنا تظهر الحقيقة التي يجب أن نعترف بها: المنافس الحقيقي للإعلام المصري لم يعد قناة أخرى، وإنما الهاتف المحمول نفسه.
الهاتف أخذ من التلفزيون أهم ما كان يملكه: الوقت والانتباه. ولذلك لم يعد السؤال: كيف نمنع المواطن من مشاهدة روايات أخرى؟ فهذا لم يعد ممكنًا أصلًا. السؤال الأهم: كيف نجعل المواطن يثق في الرواية التي يسمعها من إعلامه الوطني؟
فحين يفقد الإعلام المصري قدرته على استيعاب الرأي الآخر والصوت الناقد، فإنه لا يلغي هذا الصوت؛ وإنما يدفعه إلى مكان آخر. وإذا لم يجد المواطن مساحة للنقاش والتحليل والاختلاف في إعلامه الوطني، فسوف يبحث عنها في منصات أخرى، وقد يجد هناك روايات أكثر إثارة، حتى لو كانت أقل مهنية أو أكثر عداءً للدولة.
وهذه مفارقة تستحق التأمل: محاولة حماية الجمهور من بعض الروايات قد تنتهي بتسليمه كاملًا إلى مصادر أخرى.
إن أفضل طريقة لمواجهة الإعلام المعادي ليست بالضرورة منعه، وإنما تقديم إعلام وطني أكثر مهنية ومصداقية وجاذبية وقدرة على الإجابة عن الأسئلة الصعبة. المواطن لا يريد أن يسمع فقط أن الأمور بخير. يريد أن يعرف لماذا ارتفع السعر، ولماذا انقطعت الخدمة، ولماذا صدر القرار، وماذا سيحدث بعده، ومن يتحمل مسؤولية الخطأ، وما البدائل الممكنة.
يريد الإنجاز، نعم، لكنه يريد أيضًا أن يعرف أين أخفقنا. وهنا لا ينبغي أن ننظر إلى النقد باعتباره خصمًا من الدولة. النقد المهني قد يكون إحدى وسائل حماية الدولة؛ لأنه يكشف الخلل قبل أن يتضخم، وينبه إلى المشكلة قبل أن تتحول إلى أزمة. الإعلام الذي لا يستطيع أن يقول للمسؤول إن هناك خطأ، قد يترك المسؤول يكتشف الخطأ بعد أن يصبح إصلاحه أكثر كلفة.
ومن هنا تأتي فكرة التوافق التي يطرحها الدكتور حسن علي: أن ننتقل من معادلة السيطرة المطلقة مقابل الأداء الضعيف إلى معادلة المسؤولية المشتركة مقابل الهامش الآمن.. الدولة لها مخاوفها الأمنية والسياسية، والإعلام له قواعده المهنية وحقوقه، والمواطن له حق أصيل في المعرفة.
يمكن الاتفاق على خطوط حمراء كبرى وواضحة: عدم التحريض على العنف، وعدم تهديد السلم الأهلي، وعدم الإضرار المتعمد بالأمن القومي والمصالح العليا للدولة. لكن ما دون ذلك ينبغي أن تتسع مساحة الحوار والنقد والمساءلة. فالحرية لا تعني الفوضى، كما أن المسؤولية لا تعني الصمت.
وإذا أخطأ الإعلامي، فهناك القانون والقواعد المهنية ومواثيق الشرف. وإذا تجاوز، يحاسب. لكن أن يصبح الخوف هو الوسيلة الأساسية لضبط الإعلام، فذلك قد ينتج إعلامًا حذرًا، لكنه لن ينتج إعلامًا قويًا قادرًا على المنافسة. ثم يأتي دور الهيئات المنظمة للإعلام.
لدينا المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة. والسؤال هنا: هل تستطيع هذه المؤسسات أن تكون وسيطًا حقيقيًا بين الدولة والجماعة الإعلامية؟ وهل يمكن أن تحمي حق الإعلامي في ممارسة مهنته، وفي الوقت نفسه تحاسبه مهنيًا إذا تجاوز؟
المطلوب ليس مؤسسات أكثر، وإنما مؤسسات أكثر استقلالًا وفاعلية.. لكن حتى الحرية وحدها لن تكفي. لا يمكن أن نطلب من مؤسسات إعلامية تعاني أعباء اقتصادية وإدارية أن تنتج إعلامًا ينافس المنصات العالمية. ولا يمكن أن نطلب من إعلامي أن يقدم محتوى مبهرًا إذا لم يحصل على التدريب الكافي، أو لم يمتلك أدوات العصر.
الإعلام الحديث يحتاج إلى صحافة بيانات، وتحقق رقمي، وفهم للمنصات، وقدرة على التعامل مع الذكاء الاصطناعي، وإدارة حديثة، واستثمار حقيقي في التكنولوجيا والكفاءات.
المنافسة لم تعد بين قناة وقناة. المنافسة أصبحت على عقل المواطن ووقته وانتباهه. ولهذا فإن إصلاح الإعلام يبدأ أيضًا بإصلاح المؤسسات التي تنتجه.
نحتاج إلى مؤسسات قادرة على استقطاب الكفاءات على أساس الجدارة، لا الولاء. مؤسسات تعرف كيف تصل إلى جمهورها رقميًا، وتنتج محتوى يناسب المنصات الجديدة، ولا تظل أسيرة الشاشة التقليدية..لكن كل ذلك يجب أن يبدأ من الجمهور.
ولهذا أعود إلى السؤال الأول: هل فكرت وزارة الدولة للإعلام في استطلاع رأي حقيقي تسأل فيه المصريين عن إعلامهم؟ ليس المطلوب أن نسألهم فقط: هل تشاهدون..؟ بل نريد أن نعرف: لماذا تشاهدون؟ ولماذا لا تشاهدون؟ ماذا يعجبكم؟ ماذا يزعجكم؟ بمن تثقون؟ ولماذا؟ ماذا تريدون أن تروا على الشاشة ولا تجدونه؟ وما الذي يمكن أن يعيدكم إذا كنتم قد غادرتموها؟
ثم علينا أن نمتلك الشجاعة لسماع الإجابات كما هي، لا كما نتمنى أن تكون. قد تكشف النتائج أن الجمهور ما زال متابعًا للإعلام المصري، وعندها نعرف أسباب نجاحه ونبني عليها. وقد تكشف أن هناك عزوفًا واسعًا، وعندها نعرف أسبابه ونعالجها.
وقد تكون الحقيقة أكثر تعقيدًا: جمهور يتابع بعض القنوات ويهجر أخرى، يثق في مذيع ولا يثق في غيره، يشاهد برنامجًا بعينه ثم ينتقل إلى هاتفه بحثًا عن وجهة نظر أخرى.
وفي كل الحالات سنكون قد بدأنا من الحقيقة، لا من الانطباع. فالمشكلة ليست أن نكتشف أن الجمهور ابتعد، وإنما أن نواصل إنتاج إعلام لا نعرف هل يشاهده الناس أصلًا، ولماذا يشاهدونه إن شاهدوه.
لقد انتهى زمن الجمهور الأسير للشاشة الواحدة، وانتهى زمن الرواية الوحيدة. المواطن اليوم يقارن ويبحث ويسأل، وأصبح قادرًا على أن يختار في كل لحظة من يستمع إليه.
ومن ثم فإن استعادة الإعلام المصري لدوره لا تبدأ بمحاولة إعادة الجمهور بالقوة، وإنما بجعله يرغب في العودة. وهذا لن يحدث إلا إذا شعر المواطن أن الإعلام يحترم عقله، ويستمع إلى أسئلته، وينقل همومه، ويتيح له أن يرى أكثر من زاوية، ويعترف بالخطأ عندما يقع، ولا يحول كل نقد إلى خصومة.
الإعلام القوي ليس هو الذي يجعل الناس تصفق. الإعلام القوي هو الذي يجعل الناس تثق. وحين نستعيد الثقة، يمكن أن نستعيد المشاهد. أما إذا ظللنا نعتقد أن المشكلة في الجمهور، وأن الحل هو مزيد من التوجيه والسيطرة، فقد نكتشف بعد سنوات أن الشاشة ما زالت تعمل، لكن الجمهور لم يعد أمامها.
وهنا تكون المشكلة قد تجاوزت الإعلام نفسه، وأصبحت مشكلة تواصل بين الدولة والمجتمع. ولذلك، ربما يكون السؤال الذي يستحق أن نبدأ به ليس: كيف نعيد الجمهور إلى الإعلام؟ بل: ماذا فعلنا حتى غادر بعضه؟ وماذا يريد حتى يعود؟
نتمنى أن يجد الإعلام بوصلته لعقول المشاهدين ووجدانهم للحفاظ على الوعي والقدرة على التأثير واستعادة زمام المبادرة!








0 تعليق