عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم المغرب في قلب الحرب الهجينة - بوابة المدينة برس
في سياق يعيش فيه العالم المعاصر تحولات جذرية في طبيعة النزاعات والصراعات، حيث تراجعت المواجهات العسكرية الكلاسيكية لتفسح المجال أمام ما يُعرف بـ “الحرب الهجينة” أو حروب الجيل الخامس. وفي خضم هذا التحول الاستراتيجي، يجد المغرب نفسه اليوم أكثر من أي وقت مضى في مواجهة حملة شرسة ومدروسة تستهدف ضرب استقراره الداخلي وتشويه صورته على الساحة الدولية.
هذه الحرب غير المرئية لا تستخدم الدبابات أو الطائرات، بل تعتمد في جوهرها على التلاعب النفسي، وحشد الجماهير في الفضاء الافتراضي، واستغلال القضايا الاجتماعية والشبابية لتحقيق أهداف جيوسياسية خبيثة تسعى لعرقلة مسار التنمية والريادة الذي تخطوه المملكة بثبات.
وتتجسد هذه المعركة الهجينة التي تُشن على المغرب في توظيف سلاحين متزامنين وبالغي الخطورة، يتمثل السلاح الأول في التحريض الممنهج على موجات من الهجرة غير النظامية، من خلال الدفع بآلاف الشباب والقاصرين نحو افتعال أزمات حدودية، وتحديداً عبر الترويج لاقتحامات جماعية لمدينة سبتة انطلاقاً من مدينة الفنيدق. أما السلاح الثاني، فيعتمد على التلاعب الرقمي الموجه بدقة نحو فئة الشباب والمراهقين، أو ما يُعرف بـ “جيل Z”، حيث يتم استغلال شبكات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة المشفرة لاختلاق دعوات وهمية للتظاهر والاحتجاج، تحت غطاء حراك شبابي زائف يهدف إلى خلق حالة من الاحتقان الوهمي داخل المدن المغربية.
إن التحليل الدقيق والميداني لهذه الحملة يكشف بوضوح أنها ليست تعبيراً عفوياً عن تذمر اجتماعي، بل هي عملية سيبرانية منظمة تقف وراءها جهات معادية ذات أجندات واضحة.
فقد أثبتت المعطيات التقنية والرقمية رصد إرسال أكثر من أحد عشر مليون رسالة عبر تطبيقات المراسلة المشفرة، انطلقت جميعها من عناوين بروتوكول إنترنت متمركزة في الجارة الجزائر. وقد تضمنت هذه الرسائل المكثفة توجيهات دقيقة ببرمجة تحركات ميدانية في تاريخين محددين، حيث تم تحديد يوم السابع من غشت كموعد لإطلاق مظاهرات واحتجاجات مصطنعة في مختلف مدن المملكة، بينما تم تخصيص يوم الخامس عشر من غشت لدعوة الشباب والقاصرين للتجمهر في مدينة الفنيدق لتنفيذ اقتحام جماعي جديد للحدود.
ويبقى الهدف الاستراتيجي من وراء هذا المخطط المزدوج يتجاوز مجرد التشويش العابر، ليصل إلى محاولة يائسة لإفشال المشاريع الاستراتيجية الكبرى للمملكة، وعلى رأسها شرف التنظيم المشترك لنهائيات كأس العالم 2030. فالجهات المعادية تدرك تماماً أن احتضان المغرب لهذا الحدث العالمي سيكرس تفوقه الإقليمي وقوته التنظيمية، ولذلك تسعى بكل الطرق المتاحة لزرع الشك في قدرة المملكة على الحفاظ على أمنها والسيطرة على حدودها، ومحاولة تسويق صورة مغلوطة للمجتمع الدولي تظهر المغرب كدولة تعيش أزمة حقوقية وأمنية، تمهيداً للمطالبة بسحب تنظيم المونديال منه.
كما لا يمكن قراءة هذه الحملة بمعزل عن السياق الجيوسياسي الإقليمي المتوتر، والذي يضع النظام الجزائري في قلب هذه الحرب السيبرانية. فهذا الأخير، الذي يعاني من عزلة دبلوماسية خانقة وتراجع مستمر في تأثيره الإقليمي أمام الانتصارات الدبلوماسية المتتالية للمغرب، خاصة في ملف وحدته الترابية، أصبح يلجأ بشكل متزايد إلى توظيف الجيوش الإلكترونية لافتعال أزمات داخلية في المملكة.
وإلى جانب هذا الدور المباشر، يبرز تورط ضمني وتواطؤ من قبل أطراف في تونس، التي شهدت في السنوات الأخيرة تقارباً سياسياً مع المحور الجزائري على حساب الحياد المغاربي التاريخي، حيث يتم استغلال بعض المنصات والشبكات كقنوات عبور لغسل المعلومات المضللة وإعادة توجيهها نحو الجمهور المغربي لإضفاء طابع العفوية الزائفة عليها.
أمام هذا النوع المعقد من الحروب التي تستهدف العقول والروح المعنوية قبل الحدود الجغرافية، يبرز الوعي الجماعي وتقوية الجبهة الداخلية كخط الدفاع الأول والأكثر فعالية. إن مواجهة هذه الحملة تتطلب من المجتمع المغربي بكل مكوناته تبني استراتيجية يقظة شاملة، تبدأ من داخل الأسرة عبر التواصل المستمر والفعال مع المراهقين والشباب، فهؤلاء يشكلون الحلقة الأضعف والفئة الأكثر عرضة للاستقطاب الرقمي، مما يحتم على الآباء والأصدقاء والفاعلين الجمعويين توعيتهم بمخاطر الانسياق وراء دعوات مجهولة المصدر، وتحذيرهم من التحول إلى وقود لمعركة خاسرة تخدم مصالح أعداء الوطن.
كما تتطلب هذه المرحلة تحلي المواطنين بحس نقدي عالٍ في التعامل مع المعلومات المتداولة رقمياً. إذ يجب الامتناع التام عن التفاعل مع الرسائل التي تدعو للتجمهر أو الهجرة، وعدم الانخراط في مشاركتها أو إعادة نشرها، لكسر سلسلة انتشارها وإحباط مفعولها. وفي الوقت ذاته، يجب تعزيز الثقة في مؤسسات الدولة وإدراك أن هذه الدعوات التحريضية ليست نابعة من مطالب اجتماعية حقيقية، بل هي أداة تدميرية تسعى لعرقلة مسار التنمية الشاملة، وحرمان الأجيال القادمة من ثمار المشاريع الكبرى والتظاهرات العالمية التي ستعود بالنفع الاقتصادي والاجتماعي على البلاد بأسرها.
إن المعركة التي يخوضها المغرب اليوم هي معركة وعي بامتياز، لصد محاولات يائسة تستهدف نموذج تنموي ناجح يخطو بثبات نحو الريادة القارية والعالمية. فاليقظة الجماعية، والرد الاستباقي من خلال تحصين الشباب وتوعية المحيط الاجتماعي، هما السبيل الأمثل والدرع الحصين لإحباط هذه المخططات البائسة. وبفضل تلاحم الجبهة الداخلية ووعي المواطنين، سيثبت المغرب مجدداً مناعته وقدرته على تجاوز كل أشكال الحروب الهجينة، ليواصل مسيرته نحو مستقبل مشرق يعزز مكانته كقوة استقرار وازدهار في المنطقة.
ويمكن بلوغ هذا الهدف رغم وجود بعض الأصوات الداخلية النشاز، التي تحاول نسف الجبهة الداخلية، وترديد خطاب التيئيس والعدمية الوافد من الخارج، معتقدة ومتوهمة أنها بهذا السلوك الأرعن قد تحقق مآرب سياسية على حساب الدولة.








0 تعليق