عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم بعد 34 عاما على زلزال 1992.. ترممت الجدران وبقي الخوف.. كيف تغيّرت القاهرة ولماذا لم تتغير ذاكرة المصريين؟ - المدينة برس
لم يكن صباح حدوث الهزة الأرضية الأخيرة مختلفًا عن أي صباح عادي، حتى بدأت الأرض تهتز لثوانٍ قليلة. في لحظة، توقفت الأحاديث، وارتبكت الخطوات، وانطلقت الهواتف المحمولة بإشعارات الزلازل، بينما اندفع كثيرون إلى السلالم والشوارع.. لم يستغرق الأمر دقائق حتى امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بصور ورسائل الاطمئنان ومقاطع الفيديو المباشرة.
لكن بالنسبة لجيل كامل من المصريين، لم تكن تلك الهزة مجرد خبر عاجل أو إشعار على شاشة هاتف، بل كانت بوابة أعادتهم إلى ظهر يوم 12 أكتوبر 1992؛ اليوم الذي اهتزت فيه القاهرة وسقطت مبانٍ، وتصدعت آثار، وتحولت شوارع بأكملها إلى ساحات للإنقاذ.
مر أكثر من 34 عامًا على زلزال 1992. تغيرت المدينة، وتغيرت وسائل الاتصال، وتغيرت أساليب البناء والترميم، لكن شيئًا واحدًا لم يتغير… الخوف.
الجدران التي استعادت حياتها
إذا تجولت اليوم في القاهرة التاريخية، ستجد أن كثيرًا من المباني التي حملت آثار الزلزال تقف شامخة وكأن شيئًا لم يكن.
في بيت السحيمي، يصعب على الزائر أن يتخيل أن هذا البيت الأثري، الذي يعود إلى القرن السابع عشر، كان ضمن المباني التي تعرضت لأضرار بعد الزلزال، قبل أن يخضع لأعمال ترميم وتدعيم أعادت إليه توازنه وجماله.



الأمر نفسه يتكرر في جامع الدشطوطي، أحد المساجد التاريخية التي تأثرت بالهزة الأرضية، ثم خضعت لأعمال صيانة وترميم حافظت على قيمتها المعمارية، وكذلك في عدد من مباني القاهرة التاريخية التي واجهت الزلزال، ثم واجهت بعده سنوات طويلة من الترميم والعمل الهندسي الدقيق.
المشهد اليوم مختلف تمامًا. السائح يلتقط الصور، والمصلون يدخلون المساجد، والحياة تسير بصورة طبيعية، بينما تخفي الأحجار داخلها قصة نجاة لا يعرفها كثيرون.
شارع الحجاز… المكان الذي لا يعرف حكايته كثيرون
في مصر الجديدة، تبدو الحركة اليومية عادية للغاية. سيارات تعبر، ومارة يواصلون طريقهم، ومبانٍ حديثة تحيط بالمكان.
لكن هذا الشارع كان يومًا شاهدًا على واحدة من أشهر مشاهد زلزال 1992.
في هذا الموقع انهارت عمارة سكنية بالكامل، وظلت فرق الإنقاذ تعمل بين الأنقاض لساعات طويلة، قبل أن تتحول قصة الشاب أكثم السيد إسماعيل إلى رمز للأمل، بعدما أُنقذ حيًا بعد بقائه تحت الأنقاض لأكثر من ثلاثة أيام.
اليوم، لا توجد أنقاض، ولا سيارات إسعاف، ولا حشود من رجال الإنقاذ. تغير المكان بالكامل، لكن ذاكرته لم تغادر وجدان من عاشوا تلك الأيام.
قد يمر مئات الأشخاص يوميًا بجوار الموقع دون أن يعلموا أن هذه البقعة كانت ذات يوم عنوانًا لإحدى أكبر المآسي الإنسانية التي شهدتها القاهرة الحديثة.
من نباح الكلاب إلى إشعارات الهواتف
ربما يكون الفارق الأكبر بين زلزال 1992 والهزات الأرضية التي يشعر بها المصريون اليوم هو طريقة استقبال الخبر.
في أوائل التسعينيات، لم تكن الهواتف المحمولة موجودة، ولم يكن الإنترنت قد دخل البيوت، وكانت الأخبار تصل عبر الإذاعة والتليفزيون والصحف في اليوم التالي.
في المقابل، ارتبطت ذاكرة كثيرين بروايات شعبية كانت تتردد وقتها، مثل نباح الكلاب قبل الزلزال أو تغير سلوك الحيوانات، وهي حكايات بقيت جزءًا من الذاكرة الشعبية حتى وإن لم تثبتها الدراسات العلمية كوسيلة موثوقة للتنبؤ بالزلازل.
اليوم، تغير المشهد تمامًا. ترسل الهواتف الذكية إشعارات عند رصد الهزات، وخلال دقائق يعرف الناس مركز الزلزال وقوته، ويتابعون البيانات الرسمية لحظة بلحظة.
التكنولوجيا اختصرت الزمن، لكنها لم تختصر القلق.
من الصحافة الورقية إلى البث المباشر
في عام 1992، كانت عدسات المصورين الصحفيين هي العين التي نقلت الكارثة إلى المصريين. انتظر الناس الصحف في صباح اليوم التالي، وشاهدوا الصور التي وثقت لحظات الإنقاذ والدمار.
أما اليوم، فقد أصبح كل هاتف محمول كاميرا بث مباشر.
قبل وصول الصحفي، قد يكون آلاف الأشخاص قد شاهدوا الهزة عبر مقطع فيديو صوره أحد السكان من شرفة منزله، أو عبر بث مباشر على إحدى منصات التواصل.
تغيرت أدوات التغطية الإعلامية، لكن بقي دور الصحافة مختلفًا؛ فهي لا تكتفي بنقل اللحظة، بل تعيد قراءتها في سياقها، وتبحث عن الأسئلة التي تبقى بعد انتهاء الحدث.
هل أصبحت القاهرة أكثر استعدادًا؟
إذا كانت الهزة الأخيرة قد مرت دون مشاهد انهيارات واسعة أو خسائر مماثلة لما حدث في 1992، فإن ذلك يطرح سؤالًا مشروعًا:
هل أصبحت القاهرة أكثر أمانًا؟
على مدار العقود الماضية، شهدت كثير من المباني الأثرية أعمال ترميم وتدعيم، كما تطورت الأكواد الهندسية الخاصة بتصميم المباني المقاومة للزلازل، وأصبح الوعي العام بإجراءات السلامة أكبر مما كان عليه قبل ثلاثة عقود.
لكن في المقابل، ما زالت القاهرة تضم آلاف المباني القديمة، وبعضها يحتاج إلى صيانة أو تقييم إنشائي دوري، وهو ما يجعل السؤال مفتوحًا، لا سيما مع استمرار النمو العمراني واتساع الكتلة السكنية.
هل طمأنتنا السوشيال ميديا… أم زادت خوفنا؟
لم تكن مواقع التواصل الاجتماعي موجودة في 1992، أما اليوم فقد أصبحت أول مساحة يجتمع فيها الناس بعد أي هزة أرضية.
هناك من يكتب ليطمئن أصدقاءه، وآخر ينشر أرقام الطوارئ، وثالث يشارك نصائح السلامة، بينما تنتشر في الوقت نفسه مقاطع قديمة وشائعات وتوقعات غير موثقة.
وسط هذا التدفق الهائل للمعلومات، يصبح السؤال أكثر أهمية من الإجابة:
هل خففت وسائل التواصل الاجتماعي شعور الناس بالخوف لأنها جعلتهم يشعرون أنهم ليسوا وحدهم؟ أم أنها ضاعفت القلق بسبب سرعة انتشار الأخبار غير الدقيقة؟
ربما تختلف الإجابات من شخص لآخر، لكن المؤكد أن طريقة تعامل المجتمع مع الزلازل لم تعد كما كانت قبل أكثر من ثلاثة عقود.


ترممت الجدران… وبقي الخوف
على مدار أكثر من 34 عامًا، تغيرت القاهرة كثيرًا. رُممت بيوت ومساجد وآثار، واختفت أنقاض، وشُيدت مبانٍ جديدة فوق أماكن شهدت مآسي قديمة، وتطورت وسائل الاتصال، وأصبح لكل شخص كاميرا في جيبه.
لكن، في اللحظة التي تهتز فيها الأرض، يحدث شيء لا تستطيع أعمال الترميم الوصول إليه.
تستيقظ الذاكرة.
يعود مشهد الشوارع المزدحمة، وصرخات البحث عن الأحبة، وصور المباني المنهارة، ووجوه رجال الإنقاذ، وكأن السنوات لم تمر.
قد تستطيع المدن أن ترمم جدرانها، وقد تستطيع الهندسة أن تدعم مبانيها، وقد تمنح التكنولوجيا الناس إنذارًا أسرع ومعلومة أدق، لكن يبقى هناك شيء لا يمكن ترميمه بسهولة.
ذاكرة الخوف
وربما لهذا السبب، لا يقاس أثر الزلازل فقط بعدد المباني التي انهارت، بل أيضًا بعدد الذكريات التي بقيت واقفة… حتى بعد أن توقفت الأرض عن الاهتزاز.








0 تعليق