عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم النهج المقيد والهيمنة الأمريكية - المدينة برس
في أعقاب الأزمة المالية العالمية 2008 تبين أن الهيمنة الأمريكية المطلقة على العالم على مشارف الأفول، وأن حقبة التعددية القطبية على مشارف الانطلاق. ومن المفارقة أن أول من تيقن من ذلك كان الأمريكان أنفسهم لا سيما خبرائهم المرموقين مثل ميرشايمر وستيفن والت.
ثمة فرضية راسخة في السياسة الدولية مفادها أن المهيمن لن يتنازل عن هيمنته مطلقا مهما تراجعت قوته، ويعمل بكافة السبل على الحفاظ عليها ومقاومة الخصوم الطامحين في هيمنته. وقد شكل ذلك معضلة عويصة للولايات المتحدة من حيث التيقن من تراجع القوة الحاد، وعدم الاستعداد في التفريط في الهيمنة.
والحل كان اهتداء واشنطن إلى التخلي عن الهيمنة الليبرالية أو التدخلية والدفع بالنهج المقيد، وقد بدأ التنفيذ الفعلي في اليوم الأول لإدارة أوباما عبر عقيدة القيادة من الخلف، والتحول في الأولوية الاستراتيجية صوب آسيا لاحتواء الصين مقابل تخفيض التركيز إلى أقصى حد في المناطق الاستراتيجية الأخرى خاصة الشرق الأوسط.
وقد بدي من ذلك أن إدارة أوباما تتخلى بصورة ما عن الهيمنة الأمريكية لأن القيادة من الخلف ترتكز بصفة أساسية على تحميل الحلفاء العبء الأكبر من تكاليف المشاركة والحماية والدفاع وواشنطن تبدو أنها تقود ظاهريًا. فضلا عن تخفيض الإنفاق الدفاعي، والتركيز على الداخل خاصة الاقتصاد، والحد من أجندة نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم...وغيره.
لكن الواقع كان التخلي عن الهيمنة الليبرالية ولو جزئيًا وانتهاج النهج المقيد، والذي ليس انعزالية على الإطلاق -كما يعتقد الكثير- لكنه أيضا مناهض تمامًا للهيمنة الليبرالية. ينهض النهج المقيد على مسألة الحفاظ على الهيمنة الأمريكية لكن عبر وسائل وسياسات أكثر حكمة وعملية في مقدمتها الحد من الانخراط العالمي وهدم فكرة شرطي العالم من أساسها مرتكز الهيمنة الليبرالية..
لأن الإفراط في الانغماس العالمي لا سيما العسكري قد أضعف قوة الولايات المتحدة، أو بدد قوتها في أمور لا تمثل أولوية وقوى من خصومها، وجعل حلفاء واشنطن التقليدين مفرطين في الاعتماد عليها "راكبين مجانيين"، مما أضعفهم أيضا.
ومن منطلق الحد من الانغماس، يقوم النهج على عدة مرتكزات من أهمها: تحمل الحلفاء عبء المشاركة، التركيز لتقوية الداخل، التوازن العسكري الخارجي offshore-Balancing، التخلي التام عن نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان والتدخل الإنساني، تخفيف الحضور السياسي والعسكري -وليس الانسحاب التام- في المناطق الاستراتيجية الرئيسية في العالم، الاعتماد على التحالفات في مواجهة الصين.
وبعمل ذلك تستطيع الولايات المتحدة الحفاظ على هيمنتها العالمية دون تكلفة باهظة، ودون تبديد لمواردها وقوتها، ودون صدام عسكري مباشر.
ترامب والنهج المقيد الخالص
غير ترامب نمط وأولويات السياسة الخارجية الأمريكية بصورة دراماتيكية غير معهودة، إذ انتهج سياسات شديدة التعسف تجاه النظام الدولي والعولمة والنظام الاقتصادي الليبرالي والحلفاء والتدخل العسكري الخارجي، مظهرها العام تقليص الانغماس الأمريكي في النظام الدولي، بل تقويض أركانه النيوليبرالية، مما أوحى بنكوص واشنطن إلى حقبة الانعزالية الدولية.
لكن القراءة الواقعية تؤشر بجلاء لانتهاجه نهج مقيد خالص -خلاف أسلافه حيث كان نهج مقيد ممزوج ببعض الهيمنة الليبرالية- لغرض الحفاظ على الهيمنة الأمريكية أو استدامتها.
ويتبدى ذلك من مظاهر عديدة خلال ولايته الأولى والثانية، وعلى رأسها نهجه العنيف ضد الصين كأهم مؤشر على عدم الانعزالية والدفاع الراسخ على الهيمنة الأمريكية، كذلك عدم انسحابه من الناتو فقط قد أجبر حلفائه على زيادة الإنفاق، دعم تايوان عسكريًا..
وتعزيز الحضور الأمريكي في الباسيفيك، ويمثل ذلك تناقضا صريحا لسياسة العزلة المرتكزة بصورة أساسية على عدم الانخراط في تحالفات عسكرية في العالم، وعدم الانتشار الخارجي العسكري مطلقًا.
وفي ولايته الثانية كانت المظاهر أكثر وضوحا من حيث التهديد باحتلال بنما وجرينلاند وكندا، والانخراط في حرب ضد إيران، وهى مظاهر تعكس بصور مباشرة وغير مباشرة الدفاع عن الهيمنة وتقويض الصين.
وفى ديسمبر 2025، أصدرت إدارته وثيقة الأمن القومى الأمريكي الجديدة وكان محورها الرئيس إعادة توجيه الأولوية الاستراتيجية صوب نصف الكرة الغربي "إحياء مبدأ مونرو"، نظير تقليص الحضور في المناطق الاستراتيجية في العالم بما في ذلك آسيا.
وهو ما تم تفسيره على أنه عودة للانعزالية من جانب الكثيرين، لكن واقع الأمر هو تجسيد للنهج المقيد الخالص للحفاظ على الهيمنة الأمريكية عبر الهيمنة الإقليمية والتركيز الانتقائي للقوة، كأفضل وسيلة واقعية للحفاظ على الهيمنة الأمريكية.
إذ بجانب ذلك، أقرت الاستراتيجية بوضوح أن الباسيفيك لا يزال يمثل أهمية حيوية لمستقبل الولايات المتحدة، لكن واشنطن بمساهمة حلفائها ستعمل على تقويض التهديدات والحفاظ على توازن القوى هناك والدفاع عن تايوان، أي تطبيق لأهم مرتكزي النهج المقيد مشاركة الحلفاء والتوازن الخارجي لتقويض الصين.








0 تعليق