عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم رسائل العائدين من سبتة المحتلة.. حين تصطدم الأحلام بواقع الضفة الأخرى
هبة بريس – عبد اللطيف بركة
لم تكن موجة العبور الجماعي لحوالي 60 ألف مغربي نحو مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين مجرد حدث عابر، بل شكلت لحظة مكاشفة حقيقية بين الحلم والواقع، وبين صورة أوروبا في المخيال الجماعي وقساوة التجربة على الأرض.
فخلال ساعات قليلة فقط، اكتشف كثيرون أن “الضفة الأخرى” ليست بالضرورة الفردوس الموعود، وأن الوطن، رغم مرارة الظروف الاجتماعية، يظل الحضن الأوسع والأقرب.
عدد كبير من العائدين حملوا معهم قناعة جديدة مفادها أن الاستقرار ليس بالضرورة مرتبطًا بالجغرافيا، بل بكرامة العيش وإمكانيات الاندماج، فقد كشفت التجربة القصيرة داخل المدينتين أن واقعهما التنموي لا يعكس الصورة الوردية المتخيلة، إذ ظل نموهما بطيئا رغم خضوعهما للتسيير الإسباني واعتبارهما أقدم المستعمرات في شمال افريقيا، كما أن الزيارة الأخيرة لرئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، التي قوبلت باحتجاجات وهتافات غاضبة، زادت من تعرية التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها المدينتين.
وفي مقابل ذلك، عاد آخرون بخيبة أمل كبيرة، بعدما انهارت أحلامهم في تحسين أوضاعهم المعيشية ومساعدة أسرهم، هؤلاء كانوا يراهنون على فرصة حياة جديدة في أوروبا، لكنهم اصطدموا بواقع معقد يتجاوز مجرد عبور الحدود.
أما فئة القاصرين، فقد عكست سلوكياتها حالة من التهور والاندفاع المرتبطين بمرحلة عمرية تبحث عن المغامرة وإثبات الذات، في ظل غياب التأطير الكافي.
لكن الرسالة الأعمق جاءت من فئة واسعة من العائدين الذين لم يكتفوا بوصف التجربة، بل وجهوا نداء واضحا إلى صناع القرار في المغرب، أنقذوا الشباب من براثن البطالة، أوقفوا نزيف الغلاء ومعها انشغالات الزعماء وتدويناتهم وفيديوهاتهم التي أصبحت تصيب باليأس والملل من خطاباتهم ومواجهاتهم الكلامية عبر وسائط التواصل الاجتماعي، وبدل هذا وجب عليهم تقديم بدائل حقيقية،، بإطلاق برامج واقعية لتأهيل الشباب وتكوينهم، وفتح المجال أمامهم للانخراط في الحياة السياسية والاقتصادية، مع تعزيز دور المؤسسات التربوية ومراكز التكوين.
كما شددوا على ضرورة إطلاق حملات تحسيسية واسعة حول مخاطر الهجرة غير النظامية، وكشف زيف “الحلم الأوروبي” كما يُروج له، إلى جانب التفكير في حلول عملية مثل إحداث قنوات قانونية للهجرة، خاصة عبر تأشيرات عمل تضمن الكرامة وحرية التنقل المنظم.
وفي جانب أوسع، تبرز هذه الأحداث الحاجة الملحة إلى صياغة استراتيجية وطنية متكاملة تستجيب لتحديات الشباب المغربي، وتوازن بين متطلبات التنمية الداخلية وضغوط الهجرة الخارجية.
فالمغرب، الذي أصبح فعليا خط الدفاع الأول لأوروبا في مواجهة تدفقات الهجرة، يواجه تحديات متزايدة سواء من الجنوب عبر المهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء، أو من الشرق عبر مسارات أخرى.
إن المرحلة المقبلة تفرض على الحكومة ليس فقط معالجة الأسباب الداخلية للهجرة، بل أيضا فتح نقاشات دولية جادة مع الشركاء الأوروبيين حول تقاسم الأعباء والمسؤوليات.
فالهجرة لم تعد مجرد قضية أمنية، بل أصبحت ملفا تنمويا وإنسانيا معقدا يتطلب حلولا جماعية ومستدامة.
لم تكن رحلة سبتة ومليلية مجرد محاولة عبور، بل كانت درسا قاسيا أعاد ترتيب أولويات الكثير من الشباب، ورسالة قوية مفادها أن الحل لا يكمن في الهروب، بل في بناء أفق داخل الوطن يليق بطموحاتهم.



0 تعليق