عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم البطيخة.. كيف كشف محمد خان عن ملامح المجتمع المصري في أول أفلامه؟ - بوابة المدينة برس
محمد حسين
نشر في: الأحد 26 يوليه 2026 - 11:47 ص | آخر تحديث: الأحد 26 يوليه 2026 - 11:47 ص
تمر اليوم 26 يوليو الذكرى العاشرة لرحيل المخرج الكبير محمد خان، الذي توفي عن عمر ناهز 74 عامًا، بعد مسيرة سينمائية امتدت لعقود رسخ خلالها أسلوبا خاصا في التعبير عن علاقة السينما بالمدينة والإنسان، وركز في أفلامه على الشخصيات البسيطة والمهمشة، وبدأ هذا التوجه منذ أولى تجاربه السينمائية من خلال فيلمه القصير «البطيخة»، الذي كتبه وأخرجه عام 1972.
وأكد الكاتب والناقد محمود عبد الشكور، في كتابه: «محمد خان.. سيرة سينمائية»، أنه ليس صحيحًا أن المشروع السينمائي لدى أي مخرج كبير يولد فجأة بشكل متكامل، ولكن نستطيع القول إنه يتشكل وينضج على نار هادئة، وقيمة الأعمال الأولى أنها تمنحنا إشارات مهمة إلى بذور هذا المشروع، التي قد لا تكون بدورها في حالة شعورية واضحة في ذهن صاحبها، وإنما تترجم رؤيته إلى الطريقة التي يصنع بها فيلمه.
- فكرة بسيطة ولوحة مدهشة
وأوضح "عبدالشكور"، أن فكرة الفيلم بسيطة للغاية عبارة عن موظف يعود إلى منزله ببطيخة تتناولها أسرته الصغيرة في سعادة، رغم هموم الظروف المعيشية التي تحاصر الموظفين، ولكن هذا السطر القصير العادي يتحول من خلال رؤية محمد خان كمخرج وبعين المصور الكبير سعيد شيمي ومونتاج أحمد متولي، إلى لوحة مدهشة للقاهرة عام 1972، وإلى دفتر أحوال شخصية مصرية عاشت تلك الفترة، ويتجاور اللقطات القصيرة لكي ترسم حالة دون أن تغلق أي قوس مجرد شخصية في موقف، ورحلة في المكان بقدر ما هي أيضًا رحلة داخل الإنسان.
وتابع: "عندما يشتري الموظف البطيخة يحدث أيضًا شيء لافت على شريط الصوت؛ إذ تظهر الموسيقى لأول مرة، لا يستخدم خان أي شيء إلا في موضعه اكتفى قبل ذلك بما هو أكثر تأثيرًا من الموسيقى وهو مؤثر الآلة الكاتبة وجمل الحوار القليلة وأصوات الباعة، ولكن يلفت نظرنا هنا أنه استخدم مقطوعة موسيقية مصرية شهيرة جدًا هي «ذكرياتي» للراحل الكبير محمد القصبجي.. طبعًا المقصود في القطعة ذكريات الموسيقار العاطفية، ولكن استخدامها هنا أعطى تأثيرًا كوميديًا، كأن البطيخة المشتراة أعادت ذكريات الموظف مع الفواكه!".
- البطيخة.. الشيء الحلو الوحيد في حياة صعبة
ووصف "عبد الشكور"، لقطات الفيلم المتسارعة والمشاهد القصيرة بأنها نجحت في تشكيل لوحة وثائقية هائلة ترسم ملامح مجتمع مختنق تكدست مشكلاته، كما تكدس ركاب الأوتوبيسات التي تظهر في الفيلم، مؤكدا أن الفيلم يجسد غياب النظام، إذ يضطر بطله إلى ركوب الأوتوبيس من سلم النزول.
وأضاف: "يستكمل شريط الصوت ترجمة تفاصيل هذا الخلل العام بعبارات محددة عن معاناة بطلنا الذي يحسب مصاريف الشهر: «12 جنيهًا إيجار الشقة، وجنيهان فاتورة النور، و10 جنيهات للبقال، و9 جنيهات مصاريف المدرسة، وكيلو اللحمة بقى بـ90 قرشًا!»".
وقال: "تكاد هذه الكلمات لا تنفصل عن معادلها البصري، حيث الرصيف والأسفلت المحطم، وحيث السيارة التي يجرها حمار، والفتاة المبتسمة في عز الحر.. تكاد تشعر بالتراب والغبار، وتكاد تعرق بسبب سخونة الشمس، ومع ذلك لا تنسى الكاميرا البطيخة تذكرنا بها في كلوزات سريعة، كأنها الشيء الحلو الوحيد وسط هذا الصخب الفوضوي".
وتابع: "نرى الموظف في لقطة من أسفل يحمل البطيخة بفخر في انتظار الأوتوبيس، كأنه عملاق يحمل جائزة الدولة التقديرية، ونسمع أيضًا صوت العود الشجي الذي يخفف من الصورة، ويتسع الكادر ليدخل الموظف من باب عمارته ويركب الأسانسير، ونشاهد أحد أجمل تكوينات محمد خان: الكاميرا في بئر الأسانسير، الذي يتحرك بعيدًا عنها، ويتضاءل حتى يغيب في الظلام، ويتحول إلى نقطة صغيرة".
- الاحتفال بالبطيخة
وأشار الناقد، إلى أن الجزء الأخير من الفيلم داخل الشقة يمثل الاحتفال بالبطيخة إذ تتحرك الكاميرا بحرية، وتُنقل البطيخة إلى المطبخ، ويجري تقطيعها إلى نصفين، ثم إلى شرائح، ثم إلى مكعبات.. الابنة تختلس نظرات إليها من وراء الستارة.. الموظف ممدد بملابسه الداخلية.. الأسرة تأكل.. كل واحد يحمل طبقًا وشوكة.
ولفت إلى أن الكاميرا تدور حول الجميع.. تستقبلنا موسيقى مرحة، سرعان ما نسمع بعدها الجملة الشهيرة المؤلمة: «يا عزيز عيني وأنا بدي أروح بلدي»، تبدو التجربة كلها مغلفة ببعض الشجن والتعاطف.
واختتم محمود عبد الشكور قائلا: "الناقد عندما تقترب الكاميرا من الموظف وهو يلتهم قطعة من البطيخة، يتوقف الكادر، ولكن يعود فجأة، ودون انتظار، صوت الآلة الكاتبة مع نزول العناوين".



0 تعليق