عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم لماذا نتعاطف مع الجاني رغم بشاعة جريمته؟ - المدينة برس
مع كل جريمة تهز الرأي العام، يتكرر المشهد ذاته.. في الساعات الأولى، لا يرى الناس سوى الجريمة، فيصدرون أحكامهم القاطعة، ويغلب الغضب على أي شعور آخر، ثم تبدأ التفاصيل في الظهور، وتنكشف جوانب من حياة الجاني، وطفولته، وعلاقاته، وما مر به من أزمات أو اضطرابات، فيفاجأ البعض بأن مشاعرهم بدأت تتغير، أو على الأقل لم تعد بالحدة نفسها.
وهنا يبرز السؤال الذي يثير الجدل دائما، لماذا قد يتعاطف الناس مع شخص ارتكب جريمة بشعة؟الإجابة ببساطة أن التعاطف لا يساوي التبرير.
هناك فرق جوهري بين أن نحاول فهم كيف وصل إنسان إلى هذه النهاية، وبين أن نمنحه عذرا لما ارتكبه. فالفهم بحث عن الأسباب، أما التبرير فهو إسقاط للمسؤولية، وبينهما مسافة أخلاقية وقانونية كبيرة.
الإنسان بطبيعته لا يكتفي برؤية النتيجة، بل يبحث عن الحكاية التي سبقتها.. لا يطمئن لفكرة أن الشر يولد فجأة، لذلك يحاول دائما أن يجد الخيط الأول الذي قاد إلى المأساة، وحين نعرف أن الجاني عاش طفولة مضطربة، أو تعرض لعنف مستمر، أو نشأ في بيئة مشوهة، أو عانى اضطرابات نفسية، فإننا لا نتعاطف مع الجريمة، وإنما مع الإنسان الذي كان يمكن أن يكون شخصا آخر لو سارت حياته في اتجاه مختلف.
وهذا ما يفسر أيضا ظاهرة تبدو غريبة للوهلة الأولى، وهي وجود معجبين ببعض القتلة المتسلسلين في الولايات المتحدة وغيرها، فليس كل من يراسل قاتلا أو يتابع أخباره أو ينجذب إلى شخصيته يؤيد جرائمه، كثير منهم ينجذب إلى الغموض، أو إلى الشخصية الاستثنائية، أو يحاول فهم العقل الذي ارتكب أفعالا يصعب على الإنسان العادي استيعابها، وبعضهم يفصل بين الإنسان وجريمته، فيتعاطف مع الأول ويرفض الثانية، وإن كان هذا الفصل يتحول أحيانا إلى حالة مرضية أو رومانسية زائفة تمنح المجرم هالة لا يستحقها.
ومن اللافت أن الإعلام نفسه يساهم، من حيث لا يقصد، في هذا التحول، فعندما يكون الجاني مجرد عنوان خبري، يبدو في نظر الناس وحشا بلا ملامح، لكن حين تظهر صوره، وتروى تفاصيل حياته، ويسمع صوته، ويعرف الناس أنه كان طفلا، وله أسرة وأحلام وانكسارات، يتحول في الوعي الجمعي من رمز للشر إلى إنسان ارتكب فعلا شريرا، وهذه نقطة فارقة لأن عقولنا تتعامل مع الأشخاص الحقيقيين بصورة مختلفة عن تعاملها مع الصور الذهنية المجردة.
لكن علينا أن ننتبه إلى حقيقة لا تقل أهمية، وهي أن معرفة الظروف لا تعني أن الظروف هي التي ضغطت على الزناد أو حملت السكين.. ملايين البشر عاشوا طفولات قاسية، وتعرضوا للحرمان والعنف والفقر والإهانة، ومع ذلك لم يتحولوا إلى قتلة، فالظروف قد تفسر جانبا من تكوين الشخصية، لكنها لا تلغي حرية الاختيار، ولا تسقط المسؤولية الفردية عن الفعل.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نخلط بين تفسير الجريمة وتبريرها، فالمجتمع يحتاج إلى فهم الأسباب حتى يمنع تكرارها، ويعالج الخلل الذي ينتج مجرمين جددا، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى عدالة حاسمة تحاسب من تجاوز القانون وانتهك حق الآخرين في الحياة والأمان.
وربما لهذا السبب تبدو قصص الجناة أكثر تعقيدا مما نتخيل، فلو عرفنا الحكاية الكاملة لكل مجرم، قد نجد ما يدفعنا إلى التعاطف مع بعض فصول حياته، لكن ذلك لا ينبغي أن يغير موقفنا من جريمته، فالتعاطف مع الإنسان لا يعني التعاطف مع الجريمة، والرحمة بالضعف البشري لا تعني إلغاء العدالة.
إن العدالة الحقيقية ليست تلك التي تكتفي بإدانة الفعل، ولا تلك التي تذوب في تفسيره، وإنما هي التي توازن بين الأمرين؛ تفهم كيف صنع المجرم، لكنها لا تنسى أبدا حق الضحية، ولا تسمح بأن تتحول المأساة إلى مبرر، أو الجريمة إلى قصة تستحق الإعجاب.








0 تعليق