ترامب أم إيران.. أيهما أخطر على الشرق الأوسط؟ - المدينة برس

فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم ترامب أم إيران.. أيهما أخطر على الشرق الأوسط؟ - المدينة برس

اعتاد الشرق الأوسط لعقود أن ينظر إلى إيران باعتبارها أحد أكبر مصادر الخطر على أمنه واستقراره، فالبرنامج النووي الإيراني، والترسانة الصاروخية، وشبكة الحلفاء والجماعات المسلحة، والتدخل في أزمات دول المنطقة، كلها أسباب حقيقية جعلت من طهران مصدر قلق دائم لجيرانها وخصومها. 

لكن تطورات المواجهة الأخيرة تفرض سؤالًا لم يعد من السهل تجاهله: ماذا لو أصبحت الطريقة التي يتعامل بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الخطر الإيراني أشد خطرًا على الشرق الأوسط من إيران نفسها؟


هذه ليست محاولة لتبرئة طهران أو التقليل من مسؤوليتها عن أزمات المنطقة، المسألة ببساطة أن الخطر لا يُقاس فقط بما يريده طرف ما، وإنما أيضًا بما تتركه أفعاله على الأرض. ومن هذه الزاوية، تبدو حصيلة سياسة ترامب تجاه إيران مقلقة؛ لأن المواجهة التي كان يفترض أن تقلص التهديد الإيراني بدأت توسع دائرة الخطر بدلًا من احتوائه.


الحرب لم تبق داخل إيران، ولم تعد مسألة تتعلق فقط بمنشآتها النووية أو العسكرية، بل امتدت تداعياتها إلى لبنان والخليج ومواقع عسكرية أمريكية في دول المنطقة، وسقط آلاف القتلى، خصوصًا في إيران ولبنان، بينما قُتل عشرات الجنود الأمريكيين في المنطقة وإن لم يتم الإعلان إلا عن قتل 17 عسكري وإصافة نحو 420 حتى منتصف الشهر الجاري (يوليو)، كما دخلت دول مثل الكويت والبحرين والأردن وسوريا والإمارات وحتى السعودية دائرة الاستهداف أو التهديد.


فالولايات المتحدة لا تخوض هذه المواجهة من أراضيها، بل من منطقة تنتشر فيها قواعدها وقواتها ومصالحها وحلفاؤها. ولهذا فإن أي رد إيراني لا يتجه بالضرورة إلى الأراضي الأمريكية، بل إلى أهداف موجودة في دول المنطقة كما يجري في الأيام الأخيرة. 

وهنا تتحول الدول التي يفترض أن الحرب تخاض لحمايتها من الخطر الإيراني إلى ساحات محتملة للرد الإيراني نفسه.


هذه المفارقة تظهر بوضوح أكبر في الخليج التي تسعى لنسج شراكات أمنية مع واشنطن لموازنة القوة الإيرانية، لكنها في الوقت نفسه ستكون أول من يدفع ثمن أي حرب مفتوحة بين واشنطن وطهران. 

فمنشآتها النفطية وموانئها ومجالها الجوي والقواعد الأمريكية الموجودة على أراضيها كلها دخلت بالفعل دائرة الاستهداف في الوقت نفسه الذي تعتمد فيه اقتصادات هذه الدول بدرجات كبيرة على استقرار الملاحة والطاقة. 

ولعل مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية يقدم أوضح مثال على ذلك. 

كما تجاوز سعر خام برنت مستوى التسعين دولارًا للبرميل في يوليو، بعد قفزة أسبوعية قاربت 16%، فيما تعرضت منشآت وإمدادات الطاقة في المنطقة لضغوط متزايدة. والحال نفسه بالنسبة للسوق العالمية التي فقدت نحو خمسة ملايين برميل يوميًا من طاقة التكرير خلال الربع الثاني من 2026 نتيجة مجموعة من الحروب والاضطرابات، كانت أزمة الشرق الأوسط أحد أبرز عناصرها.

 


وهذا تحديدًا ما يجعل سياسة ترامب أكثر خطورة من مجرد مواجهة عسكرية مع إيران. فالخطر الإيراني، مهما كان كبيرًا، ظل في جانب مهم منه خطرًا إقليميًا يمكن التعامل معه بالردع والاحتواء والتفاوض. أما عندما تدخل الولايات المتحدة بثقلها العسكري والاقتصادي في مواجهة مفتوحة، انتقل نطاق الأزمة من أمن الخليج إلى أمن الطاقة، ومن أمن الطاقة إلى الاقتصاد العالمي.


والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس كم منشأة إيرانية دُمرت، بل ماذا حقق هذا الدمار؟ 


بالفعل يستطيع القصف تدمير مبانٍ ومنشآت ومخازن أسلحة، لكنه لا يستطيع محو المعرفة النووية التي تراكمت لدى إيران خلال عقود. واغتيال القادة قد يضعف بعض القدرات العسكرية، لكنه لا يعني بالضرورة سقوط النظام أو تغير سلوكه. وبالفعل أيضا يستطيع الحصار يستطيع إنهاك الاقتصاد، لكنه لا يضمن أن ينتج دولة أكثر اعتدالًا.


بل قد يحدث العكس؛ فكلما شعرت إيران بأن المواجهة لم تعد تستهدف برنامجها النووي أو قدراتها العسكرية فقط، وإنما بقاء النظام نفسه، أصبح من الأسهل على القوى الأكثر تشددًا تعبئة الداخل تحت شعار الدفاع عن الدولة. 

 

وقد يدفع الشعور بالتهديد الوجودي دوائر داخل إيران إلى الاقتناع بأن امتلاك قدرة ردع أقوى، وربما السعي بصورة أكثر إصرارًا إلى الخيار النووي، هو السبيل الوحيد لمنع تكرار الهجوم. وعند هذه النقطة تصبح المفارقة أكثر وضوحًا؛ فقد بدأت الحرب لمنع الخطر الإيراني لكنها قد تنتهي بإيران أكثر تشددًا، ومنطقة أكثر اضطرابًا، وسباق تسلح أشد خطورة.


الماضي القريب يوفر لنا خبرة يمكن القياس عليها؛ فتجربة العراق (2003) لا تزال حاضرة؛ حيث لم تواجه الولايات المتحدة صعوبة كبيرة في إسقاط نظام صدام حسين عسكريا في أسابيع، لكن ما جاء بعدها استمر سنوات ما بين انهيار مؤسسات الدولة، وصراع طائفي، وجماعات مسلحة، وصعود تنظيمات متطرفة، وملايين النازحين، وكلفة اقتصادية وبشرية هائلة. وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن يكون حاضرًا اليوم.


فالشرق الأوسط دفع بالفعل ثمن حروب بدأت بخطط واضحة للهجوم، من دون خطط واضحة لليوم التالي. ولعل ذلك يتضح من خلال الأرقام التي توضحها دراسات مشروع يسمى "تكاليف الحرب" أجريت في جامعة براون أن الحروب الأمريكية التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر، بما فيها العراق وأفغانستان وساحات أخرى.. 

ترتبت عليها كلفة والتزامات تقترب من ثمانية تريليونات دولار، وأسهمت في تهجير ما لا يقل عن 38 مليون شخص، فضلًا عن ملايين الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بالحروب وانهيار الخدمات الصحية والغذائية والبنية الأساسية.


بالطبع لم يكن ترامب هو الذي تسبب في هذه الخسائر، لكن أهميتها في النقاش الحالي أنها تكشف نمطًا تكرر أكثر من مرة: حيث تبدأ الحرب باعتبارها عملية محدودة لتحقيق هدف واضح، ثم تتوسع كلفتها البشرية والاقتصادية والجيوسياسية إلى ما هو أبعد كثيرًا من الحسابات الأولى. 

وبالمثل تشهد المنطقة ذات السيناريو منذ أكتوبر 2023 بما يقدم مؤشرًا آخر على سرعة تراكم هذه الكلفة. فقد بلغت المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل خلال العامين التاليين نحو 21.7 مليار دولار، بينما تراوحت كلفة العمليات العسكرية الأمريكية في اليمن والمنطقة بأكملها بين 9.65 و12.07 مليار دولار، وفق تقديرات مشروع "تكاليف الحرب" سالف الذكر.


واليوم، بدلا من أن تعمل واشنطن على إغلاق ساحات الحرب المفتوحة، تخاطر سياسة ترامب بإضافة ساحة أكبر وأكثر خطورة. فالمنطقة لم تتعاف أصلًا من العراق، ولم تخرج سوريا بالكامل من آثار حربها، ويعاني لبنان أزمات سياسية واقتصادية وأمنية متلاحقة، وعاش اليمن واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، فيما تعرضت غزة لدمار هائل خلال الحرب الأخيرة.


كما أصبحت دول الخليج أكثر عرضة للاستهداف، والقواعد الأمريكية دخلت دائرة الرد، ومضيق هرمز أصبح أكثر اضطرابًا، وأسعار النفط تجاوزت التسعين دولارًا، وسقط آلاف القتلى، بينما لم تختفِ المعرفة النووية الإيرانية، ولم ينتهِ النظام، ولم تظهر تسوية سياسية تضمن أن الحرب لن تتجدد. 

 

وإذا كانت هذه هي حصيلة محاولة جعل الشرق الأوسط أكثر أمنًا، فمن المشروع أن نسأل: من يمثل الخطر الأكبر الآن، إيران التي تسعى واشنطن إلى احتوائها، أم سياسة أمريكية تحول احتواء إيران إلى حرب تهدد المنطقة كلها؟ 

 

لكن الفارق بين الخطرين أن إيران تعرف أن قدرتها على التصعيد محدودة بحجم قوتها وبحاجتها إلى البقاء. أما الولايات المتحدة فتملك قوة عسكرية واقتصادية قادرة على تغيير مصير دول وأسواق وممرات بحرية كاملة. ولهذا يكون الخطر الأمريكي أكبر أثرًا.


بالفعل تستطيع إيران تهديد دول في الشرق الأوسط، لكن حربًا أمريكية مفتوحة معها تستطيع تهديد الشرق الأوسط كله. وبالفعل أيضا تستطيع إيران تستطيع تعطيل الملاحة في الخليج، لكن اتساع الحرب يمكن أن يحول هذا التعطيل إلى أزمة طاقة عالمية. 

وتستطيع إيران زعزعة استقرار خصومها، لكن انهيار دولة بحجم إيران أو دخولها في حرب استنزاف طويلة يمكن أن يزعزع المنطقة لعقود. لهذا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في إيران وحدها، بل في الاعتقاد بأن القوة العسكرية قادرة دائمًا على حل المشكلة الإيرانية من دون خلق مشكلات أكبر منها.
الغاية إذن أنه كلما اتسعت الحرب، أصبح الخطر على الشرق الأوسط الأمريكي أكبر من إيران نفسها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق