عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم “فيك الدغل و التخرميز”.. انتقادات كبيرة تقابل مزاح البرلمانيان أيت منا و التدلاوي
هبة بريس – الدار البيضاء
لم يكن افتتاح معرض الصناعة التقليدية بمنطقة زناتة، التابعة لإقليم المحمدية، مناسبة لتسليط الضوء على الصناع التقليديين أو تثمين جهودهم، بقدر ما تحول إلى مشهد أثار موجة واسعة من الجدل، بعدما وثقت عدسات الكاميرات تبادلا ساخرا للكلام بين البرلمانيين سعيد التدلاوي وهشام آيت منا، في لحظات حملت رسائل مبطنة وعبارات تجاوزت حدود الدعابة السياسية إلى ما اعتبره كثيرون إساءة لصورة المؤسسة التشريعية.
المشهد الذي انتشر بسرعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي أظهر البرلمانيين وهما يتبادلان عبارات من قبيل “كتعرف تخرمز” و”راه تيفهم فداكشي لي غير قانوني” و”فيك الدغل”، وسط ابتسامات “مصطنعة” وزعها المعنيين بالأمر، ورغم أن الأمر كان ظاهره في سياق المزاح، إلا أن مضمون العبارات أثار تساؤلات حقيقية حول طبيعة الخطاب الذي يصدر عن ممثلين يفترض أنهم يجسدون هيبة المؤسسة التشريعية ويحظون بثقة الناخبين.
فإذا كان ما قيل مجرد دعابة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا يختار برلمانيان الإيحاء لبعضهما، ولو على سبيل المزاح، بصفات ترتبط بالتحايل أو ممارسة أمور غير قانونية؟ وهل أصبح التطبيع مع مثل هذه العبارات أمرا عاديا إلى درجة تبادلها أمام عدسات الكاميرات دون أي حرج؟ فالمزاح، مهما كانت طبيعته، يبقى معبرا عن ثقافة صاحبه وحدود ما يعتبره مقبولا في الفضاء العام.
الأخطر من الواقعة ليس الكلمات في حد ذاتها، وإنما الرسالة التي وصلت إلى المواطنين، فحين يسمع المواطن برلمانيا يلمح لزميله بأنه “يعرف أمورا غير قانونية”، ويرد الآخر بعبارات مشابهة، فإن الانطباع الذي يتكون لدى الرأي العام لا يخدم صورة المنتخبين ولا يعزز الثقة في العمل السياسي، بل يكرس مزيدا من النفور من المؤسسات المنتخبة.
ردود الفعل التي أعقبت انتشار الفيديو كانت لافتة، إذ عبر عدد كبير من أبناء المحمدية عن استيائهم من مستوى النقاش الذي أصبح يطغى على المشهد السياسي المحلي، واعتبر كثيرون أن سكان الإقليم كانوا ينتظرون رؤية ممثليهم يتنافسون في الدفاع عن الملفات العالقة، لا في تبادل النكات والاتهامات المبطنة أمام الكاميرات.
الانتقادات لم تتوقف عند حدود هذه الواقعة، بل أعادت إلى الواجهة سؤال الحصيلة البرلمانية لنواب الإقليم خلال السنوات الماضية، فبالنسبة إلى عدد من المتتبعين، فإن المحمدية تعيش مجموعة من الإشكالات المرتبطة بالبنيات التحتية، والتشغيل، والنقل، والبيئة، والاستثمار، وهي ملفات لم تحظ بالترافع السياسي الذي ينتظره المواطن من ممثليه داخل المؤسسة التشريعية.
ويذهب كثير من أبناء المدينة إلى أن الحضور السياسي المكثف الذي بدأ يظهر في الأسابيع الأخيرة لا يمكن فصله عن اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة خلال شهر شتنبر، فبعد سنوات من الغياب عن الواجهة، عاد النشاط الميداني والظهور في التظاهرات والأنشطة العمومية بشكل لافت، وهو ما يعتبره البعض موسمية سياسية تتكرر مع كل موعد انتخابي.
ولا يتعلق الأمر بشخصي سعيد التدلاوي أو هشام آيت منا فقط، بل بصورة أوسع تخص طبيعة الممارسة السياسية التي تجعل المواطن يفقد اهتمامه بالشأن العام، فحين تتحول المناسبات الرسمية إلى فضاءات لتبادل السخرية والرسائل المشفرة، تغيب القضايا الحقيقية التي تنتظر حلولا، ويصبح الحدث الإعلامي أهم من النقاش التنموي الذي يفترض أن يكون في صلب اهتمام المنتخبين.
المواطن اليوم لا يطلب من برلمانييه تبادل المجاملات ولا الدخول في ملاسنات ساخرة، بل ينتظر منهم الدفاع عن مصالح الإقليم، وطرح الأسئلة الرقابية، والترافع من أجل المشاريع، ومحاسبة المسؤولين عن الاختلالات، وهذه هي المعايير التي يقيس بها الناخب أداء ممثله، وليس عدد المقاطع المصورة التي تحقق انتشارا على مواقع التواصل الاجتماعي.
قد تكون الواقعة بالنسبة للبعض مجرد مزحة عابرة، لكنها بالنسبة إلى شريحة واسعة من الرأي العام تعكس أزمة أعمق تتعلق بصورة المنتخب و مستواه الثقافي و الأخلاقي ومكانة المؤسسة التشريعية في نظر المواطنين، وبين المزاح والجدية يبقى السؤال قائما: هل يدرك بعض المنتخبين أن كل كلمة تصدر عنهم أمام الكاميرات لا تمثلهم فقط، بل تمثل أيضا المؤسسة التي ينتمون إليها والثقة التي منحها لهم المواطنون؟



0 تعليق