الحالة السردية للوردة المسحورة.. منى أبو النصر تكتب سيرة الوردة عبر الفنون - بوابة المدينة برس

الشروق نيوز 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم الحالة السردية للوردة المسحورة.. منى أبو النصر تكتب سيرة الوردة عبر الفنون - بوابة المدينة برس

شيماء شناوي
نشر في: السبت 18 يوليه 2026 - 4:30 م | آخر تحديث: السبت 18 يوليه 2026 - 4:30 م

قد يبدو اختيار الوردة موضوعًا لكتاب نقدي مغامرة تنتهي إلى استعراض رمزية زهرة ارتبطت، عبر التاريخ، بالحب والجمال؛ لكن منى أبو النصر تتجاوز هذا التصور في كتابها «الحالة السردية للوردة المسحورة» الصادر عن دار الشروق، إذ تنطلق من سؤال مختلف: ماذا يحدث حين تتحول الوردة من عنصر جمالي في النص إلى عنصر يصنع المعنى نفسه؟ ومن هنا تطرح مفهوم «الحالة السردية» بوصفه مفتاحًا لقراءة حضور الزهور في الأدب والفلسفة والسينما والأسطورة، لا باعتبارها زينة، وإنما بوصفها كائنًا ثقافيًا تتغير دلالته مع تغير السياق.

تكمن فرادة الكتاب في أن مؤلفته لا تكتفي بجمع الأمثلة، بل تبحث عن الخيط الذي يربطها جميعًا. فمنذ الصفحات الأولى تؤكد أن الوردة لم تكن يومًا مجرد نبات جميل، وإنما كانت دائمًا وسيطًا بين الإنسان والعالم، بين الواقع والخيال، وبين الحياة والموت. لذلك يتحرك الكتاب بحرية بين الرواية والسينما والأدب والتصوف والأسطورة، وكأنه يكتب سيرة ثقافية للوردة عبر الحضارات.

يبدأ الكتاب من فصل «وردة الفصول الأربعة»، حيث لا تختار المؤلفة أشهر الورود في الأدب، وإنما تختار أكثرها قدرة على كشف النفس البشرية. فحين تستدعي مشهد إيبونين في «البؤساء» وهي تستقبل موتها متخيلة أن المطر سيحمل إليها الورود، لا ينصرف اهتمامها إلى الوردة ذاتها، بل إلى الطريقة التي يجعل بها الأدب الجمال عزاءً أخيرًا للإنسان. ثم تنتقل إلى فيلم «هوجو»، حيث تتحول زهرة البنفسج إلى مفتاح لفهم شخصية مفتش المحطة، فيصبح النبات وسيلة لكشف هشاشة الشخصية وطبقاتها الداخلية، لا مجرد عنصر في الديكور.

ومن هنا يضع الكتاب إحدى أهم أفكاره: لا توجد وردة بلا حكاية، ولا حكاية تستعير الوردة بالطريقة نفسها.

وتبدو هذه الفكرة أكثر وضوحًا عندما تنتقل منى أبو النصر إلى الحديث عن أمبرتو إيكو وروايته «اسم الوردة». فهى لا تنشغل بأحداث الرواية بقدر انشغالها بالسؤال الذي ظل يلاحق إيكو سنوات: لماذا هذا العنوان بينما لا توجد وردة داخل الرواية؟ وتستعيد إجابته التي تكشف أنه اختار أكثر الرموز انفتاحًا على التأويل، لأن الوردة حملت عبر التاريخ عددًا هائلًا من المعاني حتى كادت تتحرر من أي معنى واحد. ومن هنا تصبح عبارة إيكو الشهيرة: «كانت الوردة اسمًا، ولم يبق لنا إلا الأسماء»، إعلانًا عن فلسفة كاملة في القراءة؛ فالمعنى لا يسكن الرمز، بل يولد من علاقة القارئ به.

وتقودنا هذه الفكرة إلى سؤال أكثر عمقًا: هل الوردة دائمًا رمز للخير؟ ومن هنا يقدم الكتاب واحدة من أهم مفاجآته الفكرية، حين يهدم الصورة التقليدية التي حصرت الوردة في الحب والبراءة؛ فالوردة، كما تكشف منى أبو النصر، كانت أيضًا رفيقة الشر، والإغواء، والخيانة، والسلطة، والموت، واللون الأحمر الذي ارتبط بالعشق ارتبط كذلك بالدم، والعطر الذي جذب العشاق جذب القتلة أيضًا، ولهذا تستعرض أعمالًا أدبية وسينمائية تحولت فيها الوردة إلى قناع يخفي العنف، أو إلى أداة للإغواء، مؤكدة أن الرمز الكبير لا يعيش لأنه يحمل معنى واحدًا، بل لأنه قادر على احتواء المعاني المتناقضة في الوقت نفسه. وهنا يخرج الكتاب من دائرة الرمزية التقليدية إلى قراءة ثقافية أكثر رحابة، ترى أن الجمال نفسه يمكن أن يكون وجهًا آخر للخطر.

ولا يغيب السرد العربي عن هذه الرحلة، إذ تتوقف منى أبو النصر عند رواية «قمر على سمرقند» لمحمد المنسي قنديل بوصفها مثالًا بليغًا على قدرة رائحة الزهور على استدعاء الذاكرة وصناعة هوية المكان، وتستشهد بمشهد يتتبع فيه بطل الرواية "علي" رائحة زهور الليلك وهو يتجول في شوارع سمرقند، حيث لا تغدو الرائحة مجرد تفصيل حسي، بل سبيلًا لاكتشاف روح المدينة وتاريخها وفرادتها، ومن هذا المشهد تنطلق صاحبة "الوردة المسحورة" لتؤكد أن الزهور لا تؤدي وظيفة جمالية فحسب، وإنما تعمل بوصفها وسيطًا بين الإنسان والمكان، ومحفزًا للذاكرة يستدعي ما خفي من التجارب والمشاعر.

ومن أكثر صفحات الكتاب شاعرية تأتي حكاية وفاة الفيلسوف اليوناني أفلاطون؛ إذ تستعيد منى أبو النصر رواية تقول إنه رحل على أنغام الناي، بينما نثر محبوه الورود على قبره، وهى هنا لا تتوقف عند صحة الرواية، بل عند دلالتها؛ فالحضارة التي ربطت أفلاطون بالجمال اختارت أن تودعه بالموسيقى والورود، لتصبح الوردة رمزًا يلتقي عنده الفكر بالجمال والتأمل بالعاطفة.

وتتبع منى أبو النصر خلال صفحات الكتاب حضور الوردة في الأدب إلى البحث عن سر بقائها رمزًا للجمال في الفلسفة والفن؛ إذ تستهل فصل «كيف سحرته إلى هذا الحد؟»، بحكاية منسوبة إلى الفنان الهولندي الشهير فان جوخ، حين سألته طفلة لماذا يرسم الورود وهي أجمل في الطبيعة، فأجاب: «لأن ورودي ستدوم»، ومن هذه الفكرة ترى أن الفن يمنح الجمال عمرًا أطول من عمره الطبيعي، فتغدو الوردة رمزًا لانتصار الإبداع على الفناء.

ويمنح الكتاب الحكايات دورًا أساسيًا في إنتاج المعنى؛ ومن أجمل الحكايات التي تستعين بها؛ قصة الرجل الصيني العجوز الذي أمضى عامًا كاملًا يبحث عن أندر الزهور وأجملها، قبل أن يعود ليجد جمعًا من الناس متحلقين حول أزهار مشمش نبتت خارج سور منزله، فيطلب من خادمه معرفة صاحبها ليشتريها مهما كان ثمنها، ليكتشف أنها زهوره هو، بعدما امتدت أغصانها عبر فتحات السور. ولا تتوقف المؤلفة عند طرافة المفارقة، بل تجعل منها تأملًا في ميل الإنسان إلى مطاردة الجمال البعيد، بينما يغفل ما يزهر على مقربة منه، وكيف قد تحجب الألفة العين عن رؤية ما تملكه بالفعل.

ويمضي الكتاب من استدعاء الحكايات إلى قراءة نصوص أدبية كبرى، من أبرزها «العندليب والوردة» لأوسكار وايلد، التي تُقرأ هنا بوصفها مأساة للجمال أكثر منها قصة حب. فالعندليب الذي يهب حياته ليصنع وردة حمراء بدمه، يموت في اللحظة التي يكتمل فيها الجمال، قبل أن تُرفض الوردة وتُلقى في الطريق. ومن هذه النهاية يخلص الكتاب إلى أن الجمال قد يبلغ ذروة التضحية، لكنه قد يصطدم بعالم لا يعترف إلا بمنطق المنفعة، فتغدو الوردة رمزًا للمسافة المؤلمة بين القيمة والجمال.

وتكتسب هذه القراءة أهميتها لأنها تمهد لما يقدمه الكتاب لاحقًا من إعادة النظر في رمزية الوردة؛ فبدلًا من حصرها في الحب والخير، يكشف أنها قد تصبح أيضًا رمزًا للشر والإغواء والسلطة والموت، مؤكدًا أن قوة الرمز تكمن في قدرته على احتواء المعاني المتناقضة.

ومن مساءلة رمزية الوردة، ينتقل الكتاب إلى جذورها الأسطورية، فنقرأ في فصل «تشبه إيكو ونرسيس» يعيد الكتاب قراءة الأسطورة اليونانية من منظور إنساني ونفسي. فبعد أن نبذ نرسيس الحورية إيكو، التي كانت قد فقدت قدرتها على الكلام، عاقبته أفروديت بأن يقع في غرام صورته المنعكسة على صفحة الماء، حتى ذبل ومات، لتنبت من موضعه زهرة النرجس، ولا يتوقف الكتاب عند أصل «النرجسية»، بل يتتبع كيف تطور المفهوم من أسطورة إلى مصطلح نفسي يصف الإفراط المرضي في حب الذات، ليخلص إلى أن مأساة نرسيس لم تكن في حبه لنفسه فحسب، بل في عجزه عن رؤية العالم خارج صورته.

كما يمتد من الأدب والفلسفة والأسطورة إلى السينما، متتبعًا حضور الزهور بوصفها لغة بصرية لا تقل بلاغة عن الكلمة المكتوبة، فتستعرض أفلامًا وظفت الزهور بوصفها عنصرًا دلاليًا لا مجرد تفصيل بصري.، أفلامًا مثل «Hugo»، و«American Beauty»، و«Big Fish»، و«Enola Holmes»، لتبين كيف تتحول الوردة أو الزهرة إلى مفتاح لفهم الشخصيات وبناء الدلالة، فمثلا في «American Beauty» يغدو الورد الأحمر قناعًا يخفي هشاشة العالم الداخلي للشخصيات، بينما يتحول حقل النرجس في «Big Fish» إلى اعتراف بالحب تعجز اللغة عن البوح به، وفي «Enola Holmes» تصبح لغة الزهور نظامًا سريًا عبر الرسائل بلغة الزهور للتواصل بين الأم وابنتها، ومن خلال هذه النماذج تؤكد الكاتبة أن الصورة السينمائية، شأنها شأن النص الأدبي، قادرة على منح الزهرة «حالة سردية» تجعلها عنصرًا فاعلًا في بناء الحكاية، لا مجرد تفصيل جمالي يزين المشهد.

ومن هذا التشابك بين الأسطورة والفلسفة والأدب والسينما، يخلص الكتاب إلى أن الزهور لم تكن يومًا عنصرًا هامشيًا في الثقافة الإنسانية، بل لغة رمزية اكتسبت دلالات متجددة عبر العصور. وفي الفصول الأخيرة تكتمل هذه الرؤية؛ فالوردة لم تعد تنتمي إلى جنس فني بعينه، بل أصبحت رمزًا ثقافيًا عابرًا للرواية والسينما والفنون البصرية، يتغير معناه بتغير السياق من دون أن يفقد سحره..
تستند منى أبو النصر في «الحالة السردية للوردة المسحورة» إلى شبكة واسعة من المصادر التي تكشف اتساع أفق القراءة لديها؛ فالكتاب لا يكتفي بتتبع حضور الوردة في الأدب، بل يستعين بالأفلام والقصائد والأغنيات والأساطير والدراسات النقدية والفلسفية. وتتنوع مراجعها بين أعمال أدبية عالمية وعربية، من شكسبير وأوسكار وايلد وأمبرتو إيكو إلى نجيب محفوظ ومحمود درويش، إلى جانب أفلام سينمائية ومصادر في الميثولوجيا وعلم الجمال، فضلًا عن كتابات نقدية مثل أعمال شاكر عبد الحميد. ومن خلال هذا التنوع تصنع المؤلفة مسارا قرائيا يضع الوردة بوصفها رمزا سرديا عابرا للأنواع الفنية، لا مجرد عنصر جمالي، وتكشف كيف تحولت عبر العصور إلى لغة تحمل الحب والذاكرة والجمال والفقد.

في نهاية هذا الكتاب، لا يخرج القارئ وهو يعرف عن الورود أكثر مما كان يعرفه فحسب، بل يخرج وهو ينظر إليها بعين مختلفة. فكل زهرة تصبح احتمالًا لحكاية، وكل لون يفتح بابًا إلى تأويل جديد، وكل حضور عابر للورد في رواية أو فيلم يتحول إلى سؤال يستحق التوقف عنده. هذه هي متعة «الحالة السردية للوردة المسحورة»؛ أنه لا يكتفي بأن يقدم معرفة ثرية، بل يغيّر طريقة القراءة نفسها، ويجعل القارئ يعود إلى أعمال أحبها من قبل ليكتشف فيها ما لم يكن يراه. إنه كتاب لا يمنح أجوبة نهائية، بل يوقظ فضولًا لا ينتهي، ويؤكد أن أجمل الكتب هي تلك التي تدفعنا، بعد الصفحة الأخيرة، إلى أن نبدأ القراءة من جديد.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق