أزمة التنقل الحضري بأكادير الكبير، عندما يصبح إصلاح الحكامة أولوية قبل إصلاح وسائل النقل

المغرب 24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم أزمة التنقل الحضري بأكادير الكبير، عندما يصبح إصلاح الحكامة أولوية قبل إصلاح وسائل النقل

د. جمال العزيز

أصبحت أزمة التنقل الحضري واحدة من أبرز التحديات التي تواجه المدن المغربية، ولم تعد تقتصر على كونها إشكالا مرتبطا بتوفير الحافلات أو تدبير حركة السير والجولان، إذ تحولت إلى قضية تنموية تمس جودة الحياة، وجاذبية الإستثمار، والعدالة المجالية، والنجاعة الإقتصادية. وتبرز أكادير الكبير اليوم باعتبارها نموذجا يعكس هذا التحول، حيث لم تعد الحدود الإدارية بين الجماعات الترابية تعكس الواقع اليومي لحركية المواطنين، الذين ينتقلون باستمرار (داخل المدينة وخارجها)، بين أكادير والدراركة وإنزكان والدشيرة وأيت ملول وباقي الجماعات المجاورة، وكأنها مدينة واحدة ذات امتداد حضري متواصل.

ولا شك أن المواطن الذي ينتظر الحافلة أو مواصلات أخرى كل صباح، أو يقضي وقتا طويلا في الإزدحام، لا يعنيه كثيرا تحديد الجهة التي تتحمل المسؤولية القانونية عن تدبير النقل، بقدر ما ينتظر خدمة عمومية تحفظ كرامته، وتحترم وقته، وتستجيب لحاجياته. غير أن أي نقاش جاد حول هذه الأزمة يقتضي التمييز بين الإنطباع العام وبين توزيع الإختصاصات كما حددها القانون، لأن بناء الحلول يبدأ أولا بفهم دقيق لمن يتحمل مسؤولية التخطيط، ومن يتولى مسؤولية التدبير، ومن يملك سلطة اتخاذ القرار.

لقد اختار المشرع المغربي، في إطار ورش الجهوية المتقدمة، أن يعتمد مجموعة الجماعات الترابية كآلية لتدبير بعض المرافق المشتركة، ومنها النقل والتنقل داخل المجالات الحضرية الكبرى، إدراكا منه بأن هذا المرفق يتجاوز الحدود الإدارية لكل جماعة على حدة. وقد شكل هذا الإختيار خطوة مهمة نحو إرساء تدبير مشترك لمرفق حيوي، غير أن التحولات العمرانية والديموغرافية والإقتصادية التي يعرفها أكادير الكبير اليوم تستدعي تقييم هذه التجربة وتطويرها بما يجعلها أكثر قدرة على مواكبة الواقع الجديد.

فالأزمة التي نعيشها اليوم ، أزمة حكامة حضرية. فالنقل خدمة عمومية متكاملة وأحد أسس السياسات العمومية ترتبط بالتعمير، والإسكان، والبيئة، والإستثمار، والسياحة، والتحول الرقمي، وجودة الحياة. ومن ثم، فإن نجاح أي إصلاح يقتضي تدبير المنظومة بأكملها.

ومن الإنصاف، في هذا السياق، تثمين بعض المبادرات التي اتخذت خلال المجلس الجماعي لأكادير ، ومن بينها اعتماد مجانية المرابد العمومية، وهو قرار كان له أثر إيجابي في التخفيف من الأعباء المالية على المواطنين، وساهم في تحسين الولوج إلى بعض المرافق والخدمات، مما يتعين إدماجها ضمن رؤية شاملة لتنظيم المرابد داخل أكادير الكبير، لأن تدبير مواقف السيارات أصبح اليوم جزءا لا يتجزأ من سياسة التنقل الحضري.

لابد من إحداث وتطوير أدوات لتنظيم الفضاء العمومي، وتقليص الإزدحام، وتحسين انسيابية السير، وتشجيع استعمال وسائل النقل الجماعي، نظرا لكون المرحلة المقبلة تستوجب التسريع بإعداد مخطط حضري متكامل، يعتمد الرقمنة، ويوزع فضاءات الركن وفق معايير واضحة، ويربطها بشبكة النقل العمومي، مع الحفاظ على مبدأ المجانية حيثما كان ذلك ممكنا، أو اعتماد تسعيرة عادلة تراعي مصلحة المواطن ومتطلبات حسن تدبير الملك العمومي.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن المدن التي نجحت في معالجة إشكالية التنقل، تم من خلال بناء مؤسسات قوية تتولى التخطيط والتنسيق والتقييم. ففي عدد من الدول الأوروبية،يتم تدبير النقل الحضري عبر سلطات حضرية للتنقل تتمتع برؤية استراتيجية موحدة، وتنسق بين مختلف وسائل النقل، وتخطط على مستوى المجال الحضري بأكمله.

ولعل الوقت قد حان لفتح نقاش وطني حول تطوير نموذج الحكامة المعتمد في المدن الكبرى، بما يسمح بالإنتقال التدريجي من منطق التدبير المشترك إلى منطق السلطة الحضرية للتنقل، التي تشمل التخطيط لمواقف السيارات، والنقل الذكي، والتنقل الراجل، والدراجات الهوائية، وربط مختلف وسائل النقل داخل رؤية واحدة، تستند إلى البيانات الدقيقة، والتوقعات الديموغرافية والعمرانية.

أصبحت اليوم بيانات التنقل(الداتا)، من أهم أدوات اتخاذ القرار و تستند إلى معطيات علمية دقيقة، تشمل الكثافة السكانية، ومراكز العمل، والمؤسسات التعليمية، والمرافق الصحية، والحركية اليومية للسكان، وآفاق التوسع العمراني.

وتتوفر أكادير الكبير على كل المقومات التي تؤهلها لتكون تجربة رائدة في مجال التنقل الحضري الذكي. وتستعد لاستحقاقات وطنية ودولية كبرى، وتحتضن جامعات عمومية وخصوصية ومؤسسات للتكوين والبحث العلمي، كما تزخر بكفاءات قادرة على إنتاج حلول مبتكرة. وهو ما يفرض إشراك الجامعة، ومكاتب الدراسات، والقطاع الخاص، والمقاولات الناشئة، والمجتمع المدني، في بلورة رؤية جديدة للتنقل، تقوم على الإبتكار والانفتاح، والتخطيط العلمي.

إن مستقبل أكادير الكبير، يحتاج إلى بناء منظومة تنقل حديثة، تجعل من الزمن الحضري مورد للتنمية، ومن جودة الخدمات عنصر لجاذبية الإستثمار، ومن الحكامة الجيدة مدخل لتعزيز ثقة المواطن في مؤسساته.

فالتحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في البحث عن المسؤول عن الأزمة، وإنما في امتلاك الجرأة لطرح السؤال الذي سيحدد مستقبل المدينة: أي نموذج للحكامة نريد لتنقل حضري يليق بأكادير الكبير، ويواكب طموحات مغرب المستقبل؟

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق