عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم سهير القلماوي.. المرأة التي جمعت المصريين حول الكتب - بوابة المدينة
مع كل دورة من دورات معرض القاهرة الدولي للكتاب، وخاصةً في السنوات الأخيرة، يثلج الصدر ويفرح القلب بمشاهدة الملايين من المصريين والعرب يلتفون حول الكتب والفعاليات الثقافية في أرض الكنانة. ربما يعلم الكثيرون أن صاحبة فكرة هذا المعرض ومديرته الأولى هي الدكتورة سهير القلماوي، أول من جمع المصريين حول الصفحات في معرض دولي للكتاب احتفالًا بعيد القاهرة الألفي عام 1969. ويوافق 20 يوليو 1911م ذكرى ميلاد هذه المرأة الحديدية، الجديرة بالتعريف والتماس الهمة من مسيرتها.

أن تكون المرأة الأولى
يمكن تخيل جرأة وهمة سهير القلماوي من كونها الأولى في عصرها بمصر في أكثر من ساحة كانت حكرًا على الرجال، كان من المستحيل مجرد تخيل وجود امرأة فيها بمنتصف القرن العشرين. فكانت أول فتاة تلتحق بقسم اللغة العربية بالجامعة المصرية، لتكون من أوائل الفتيات اللاتي دخلن أسوار الجامعة، وأول مصرية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الآداب. وأول معيدة وأستاذة جامعية بمصر، ومن أوائل السيدات اللاتي جمعن بين العمل الأكاديمي والصحفي لتكون من أوائل الصحفيات في الحصول على عضوية نقابة الصحفيين المصرية.
أشرفت "القلماوي" على أكثر من مائة رسالة ماجستير ودكتوراه، وعملت مستشارة للمنظمات النسائية في مصر، وأصبحت عضوةً بمجلس الأمة، ورئيسة للمؤسسة المصرية للسينما، ولجنة الثقافة العربية في اليونسكو. كما ترأست الهيئة العامة للكتاب، وتُوجت محطات جهدها بعشرات الجوائز الثقافية، بالإضافة إلى وسام الجمهورية من الطبقة الأولى. لها عشرات الكتب في الأدب والنقد والترجمة، فضلاً عن المشاركة في تحرير الموسوعات الثقافية والعلمية الأولى بمصر والوطن العربي. من أهم هذه الكتب: "ألف ليلة وليلة" (دراسة نقدية، قدم له د. طه حسين)، "أدب الخوارج"، "في النقد الأدبي"، "أهرامات عربية"، و "العالم بين دفتي كتاب"، وهو ما سنتناوله بالإشارة في السطور القادمة.
دعوة إلى عالم الكتب البديع
نشأ مصطلح الإدارة الثقافية (Cultural Management) وتطور ليصبح حقلًا معرفياً ومهنياً مستقلاً في الولايات المتحدة الأمريكية خلال الستينيات (الظهور الأول) والسبعينيات (التناول العلمي والأكاديمي)، ثم نضج وانتشر عالميًا في التسعينيات من القرن العشرين. وعبر السنوات العشر الأخيرة، كثرت الدراسات والمؤلفات حول هذا العلم في مصر والوطن العربي. ورغم جذور الإدارة الثقافية العتيقة المتناثرة في الحضارة الإسلامية والعربية قبل قرون - خاصة في المخطوطات والكتب والآثار الثقافية والفنية التي تناولت الحركة الثقافية والتي قامت على أسس الإقناع والإمتاع والإبداع والإشباع والتواضع- إلا أننا ما زلنا بحاجة إلى جهود كبيرة لطرح أفكار كلية ورؤى تنظيمية تستلهم قيمنا وتناسب واقعنا. وهذا ما بدأته مبكراً سهير القلماوي في نقلها إلى العرب نتاج مؤتمر اتحاد الناشرين وأمناء المكتبات بواشنطن عام 1951؛ حيث قدمت ترجمة وتمصيراً لما تم تناوله من أفكار ثورية (في حينها) للتشجيع على القراءة، والتحريض على المعرفة والفنون في أوساط الشباب والطلاب والأطفال، والعاملين والعاملات، وحتى أمهات البيوت، بهدف الارتقاء بالمكتبات، والاهتمام بالمؤلفين، وتوفير الكتب وتقريبها بكل الوسائل إلى المواطنين في العاصمة والمدن والريف والهوامش، فكان كتابها الفارق: "العالم بين دفتي كتاب"
الكتب وتغيير العالم
"يا بني: ضع قلبك خلف كتبك، وأحبها كما تحب أمك، فليس هناك شيء تعلو منزلته على الكتب، واعلم أنه ما من طبقة من الناس إلا وفوقها طبقة أخرى تحكمها، إلا الحكيم فهو الوحيد الذي يحكم نفسه". من وصايا خيتي لابنه دواوف في بردية سالييه المصرية القديمة؛ هكذا قدمت سهير القلماوي لكتاب "Wonderful World of Books"، الذي قامت بتمصيره ليصبح "العالم بين دفتي كتاب". وقد ثُبّت هذا الاقتباس في أغلب مقدمات الكتب الصادرة عن مشروع مكتبة الأسرة والهيئة العامة للكتاب باختلاف مجالاتها لسنوات طويلة. في هذا الكتاب، تَبِعت المقدمة تسعة فصول تتتبع اهتمام الحضارات الرومانية والإسلامية والغربية بالكتب والقراءة والمكتبات والمؤلفين، باعتبارها أساساً لقيام الحضارات وبوابتها إلى العلم والمعرفة؛ فأول ما يبني الحضارات هو العلم، وأول ما يُخربها هو تركه والاكتفاء بالجهل المؤدي إلى الغرور والتظالم.
العجيب أن سبب وجود الكتاب الأصلي ومؤتمر أبحاثه هو كارثية أن ربع البالغين فقط في أمريكا كانوا يزورون المكتبات، فكان المؤتمر وأبحاثه بمثابة دقّ لناقوس الخطر، حيث جُمعت وطُرحت رؤى جديدة في كتاب، وبعد أعوام قليلة أصدرت القلماوي النسخة العربية منه عام 1956. كباحثة وعاملة في الحقل الثقافي، رأت القلماوي أن التشجيع على القراءة يجب أن يُقترن بالتبشير بمتعتها ولذة المعرفة من خلالها، خاصة في أوساط الشباب (الذين أخذت الإذاعة وقتهم حينها). وتكررت في الكتاب بأشكال مختلفة فكرة أن "الكتب قادرة على تجديد وجوه الحياة، ويمكنها تغيير النظرة إلى الأشياء، وبالتالي تغيير علاقتنا بها". بالإضافة إلى ربط القراءة بمشكلات الشباب العامة والخاصة، لتكون الكتب هي مصدر الحل والتعافي والإلهام. وقد أشارت د. سهير إلى أهمية تقديم الكتب إلى الناس كوجبة غذاء هم بحاجة إليها، كحاجة الجائع إلى الطعام، ولا بد أن يأكل المرء باختياره وعلى مهل ليتذوق ويستمتع، وأثناء التقديم نعلّمه كيف يختار هو بعد ذلك ما يحلو له.
الرحلة المستمرة في عوالم الكتب
لا تتوقف "القلماوي" عند مجرد الوعظ بأهمية القراءة- كما كان شائعًا في زمن إصدار الكتاب وربما إلى اليوم- بل تُحرّض على القراءة الجادة والواعية باعتبارها قيمة ولازمة حياة من خلال التعريف بوسائل تحقيقها، والتعريف بأسماء المؤلفين، والموضوعات المهمة، وألوان الكتب المتاحة عالميًا وعربيًا ومصريًا. وتؤكد في أكثر من موضع بالكتاب على أهمية التنوع في القراءة جنباً إلى جنب مع التخصص العلمي أو الاهتمام الثقافي الذي يخلق الملكة المعرفية في التذوق والإفادة. هذا التنوع الذي يصنع عقلية المثقف الحقيقي، ويجعله قادرًا على فهم التاريخ والجغرافيا، مستفيدًا من علمي النفس والاجتماع، ومستمتعًا بالأدب، ومغذيًا روحه بالعلوم الدينية. وفي الوقت ذاته، يكون القارئ نفسه مرجعاً في أحد هذه العلوم عبر التخصص ليكون جديرًا بنفع غيره؛ فالقراءة والحديث عن الكتب من أجمل وأكبر أدوات نفع الناس التي تحررهم من الوهم، الخمول العقلي، تسمية الأشياء بغير أسمائها، الانغلاق، ونسيان ذاكرتهم التاريخية.
كما يشير الكتاب إلى أن القراءة هي أهم أنواع التمارين العقلية التي تُدرب القارئ على الفهم، الاستنباط، التحليل، النقد، الربط، والتوقع. لذلك، لا وجود غالبًا لما يُسمى بـ "الكتب الصعبة"، بل هناك كتب تحتاج إلى تمرين مكثف بقراءة كتب أخرى تسبقها لاستيعابها. من هنا، تتحول حياة القارئ إلى مكتبة مفتوحة حيث يتسلم كتابٌ المناوبةَ من كتاب آخر وهكذا، في رحلة إفادة ومتعة لا مثيل لها، محطتها الوحيدة: القراءة.
امرأة عاشت تعشق الكتب
عبر سطور الكتاب، يمكنك أن تقرأ بسهولة حياة الكاتبة والناقدة والباحثة والأديبة سهير القلماوي، وكيف عشقت الكتب واعتنت بها، قراءةً وبحثًا وكتابةً، ونشراً ودعوةً إلى الأنس بها. تجدها تتحدث عنها بكل محبة، وتحاول تقريب القارئ إليها، وفتح آفاق قراءتها بكل أسلوب. فاستخدمت التشويق إلى قراءة الحكايات التاريخية لمعرفة الماضي والاستفادة منه، والقراءة في السير الذاتية للعظماء من العلماء والمؤلفين والأدباء، والأنبياء والصحابة والعظماء، وأصحاب الهمم العالية في العالم. كما دعت للقراءة حول القرى وحكاياتها، والمدن وأحوالها، والقراءة الدينية وضرورة التعرف على الخالق، مع إشارتها المتكررة إلى أهمية القراءة العلمية، والقراءة في القصص الشعبي والحكايات الخيالية، وتذوق الشعر، والقصص القصيرة والروايات والمسرح وكتب الأطفال؛ مؤكدة أن تخطيط "مدينة العقل" قائم على التنوع المعرفي الذي يشبه الطرق المختلفة التي يؤدي بعضها إلى بعض، ويختصر بعضها بعضًا.
"لذة القراءة تستحق كل جهد يُبذل في سبيلها، ومشاركة أكبر عدد من الناس في متعتها وفوائدها، مهما كلّف هذا الجهد من أعمال وأعمار وأموال". من هذا المنطلق، صاغت القلماوي دستور شغفها بالتشجيع على القراءة؛ فكانت بالفعل امرأة عاشت تعشق الكتب. وعندما تعشق المرأة يظهر عليها، ولأنها كانت من طراز فريد من النساء، جعلت أثر عشقها يظهر على مجتمعها بأكمله، فتركت بصمتها ورحلت. وبادلتها الكتب وفائها؛ فما زالت تتحدث عنها الكتب عبر عشرات المؤلفات التي تناولت سيرتها ومسيرتها، ويُعاد نشر أعمالها، وتُدشن أمسيات وفاعليات إحياء ذكراها المستمرة حتى اليوم.
وبعد؛ الحياة ورحلتها قاسية، والمعرفة والقراءة تجعلها مُستطاعة، مُقاوَمة، وممتعة؛ بالتعلم من تجارب من سبقونا والاستلهام من حكمتهم. من هنا، يكون التحريض على القراءة هو دعوة لحياة أسعد، تستوجب الامتنان لأصحاب هذه الدعوة؛ أحياءً وراحلين.



0 تعليق