عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم فى قلب الأحداث.. قراءة فى أفكار وتجارب أمين عام الجامعة العربية الجديد - بوابة المدينة برس
عرض - أشرف البربري
نشر في: الثلاثاء 14 يوليه 2026 - 8:33 م | آخر تحديث: الثلاثاء 14 يوليه 2026 - 8:40 م
إسرائيل تقطع الطريق على إقامة شرق أوسط خال من أسلحة الدمار الشامل
المنطقة العربية تعانى من طموحات إيران النووية وانفراد إسرائيل بالسلاح النووى تحت الحماية الأمريكية
أمريكا أجهضت التحركات العربية ضد بقاء إسرئيل خارج اتفاقية حظر الانتشار النووى فى مؤتمر مراجعة الاتفاقية عام 1995
وقف عمل اللجان متعددة الأطراف المنبثقة عن مؤتمر مدريد للسلام ردا على الرفض الإسرائيلى لمناقشة موضوع نزع السلاح النووى
بيريز عرض التعهد بالانضمام إلى معاهدة منع الانتشار النووى بعد عام من التوصل إلى سلام شامل مع العرب ثم تراجع بعد أيام
واشنطن كانت مستعدة فى عام 2000 للقبول بأى شىء مقابل اتخاذ موقف دولى قوى بشأن البرنامج النووى للعراق وإيران
فى 28 فبراير الماضى شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربا شاملة ضد إيران بدعوى امتلاك الأخيرة برنامج لإنتاج الأسلحة النووية، وردت إيران بغلق مضيق هرمز الحيوى فى الخليج العربى فاشتعلت أسعار الطاقة العالمية، وقصفت إسرائيل والقواعد الأمريكية فى الخليج فدفعت دول الخليج العربى ثمنا كبيرا لهذه الحرب. وإذا كان مبرر هذه الحرب كان البرنامج النووى الإيرانى، فإنها تعيد قضية ضرورة إخلاء منطقة الشرق الأوسط ككل من أسلحة الدمار الشامل، وإجبار إسرائيل على الانضمام إلى معاهدة حظر الانتشار النووى، كجزء من أى ترتيبات تستهدف تحقيق السلام والاستقرار فى المنطقة.
وكانت قضية إخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل إحدى أهم القضايا التى تعامل معها نبيل الأمين العام الجديد للجامعة العربية طوال مسيرته الدبلوماسية، وأغلب الظن أنها ستكون كذلك خلال ولايته على رأس الجامعة العربية خاصة وأن إسرائيل أصبحت الدولة الوحيدة التى تمتلك برنامجا نوويا عسكريا فى المنطقة بعد ما لحق بالبرنامج النووى الإيرانى من أضرار جسيمة فى الحرب الأخيرة، تفكيك العراق وسوريا وليبيا خلال العقدين الماضيين.
ولأن منطقة الشرق الأوسط شهدت صراعات مسلحة واسعة أو محدودة خلال النصف الثانى من القرن العشرين أكثر مما شهدته أى منطقة أخرى من العالم، لذلك لم تكن مفاجأة أن يكون الأمن الإقليمى ومشتريات السلاح وانتشار التكنولوجيا العسكرية الجديدة وبخاصة المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل ملفا مفتوحا ومتوترا باستمرار بين إسرائيل والدول العربية وإيران.
ومنذ عقود أصبحت إسرائيل الدولة الوحيدة فى الشرق الأوسط التى لديها برنامج نووى عسكرى، ولا تخضع لأى قيود باعتبارها غير موقعة على معاهدة منع الانتشار النووى ولا على أى اتفاقية دولية لحظر أسلحة الدمار الشامل.
فى عام 1968 ناقشت لجنة الأمن الدولى ونزع السلاح التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة مسودة معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، فى ختام مفاوضات دولية استمرت أكثر من 3 سنوات. وتشيد سجلات الأمم المتحدة التى تعود إلى عام 1965 بدور رئيس اللجنة إسماعيل فهمى فى بلورة المبادئ الأساسية التى ستسمح فيما بعد بالوصول إلى معاهدة دولية لمنع انتشار الأسلحة النووية بعد هذا التاريخ بثلاث سنوات. ومع ذلك وعندما فتح باب التوقيع على المعاهدة، أوصى فهمى الحكومة المصرية بالتوقيع على الاتفاقية كبادرة حسن نية، مع الامتناع عن التصديق عليها حتى تنضم إليها إسرائيل، بهدف ضمان التزام كل دول المنطقة بمنع الانتشار النووى، وحينما رفضت إسرائيل التوقيع على الاتفاقية، ظلت مصر موقعة عليها لكن بدون تصديق لسنين طويلة.
قرار مصرى إيرانى
فى عام 1974 قدمت مصر وإيران مشروع قرار مشترك إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة يقترح إعلان منطقة الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية. وحظى هذا الاقتراح بتأييد إقليمى ودولى واسع، باستثناء إسرائيل، التى ظلت خارج أى إجراءات تستهدف منع انتشار الأسلحة النووية.
وفى حين ظلت مصر على مدى عقود تالية تقدم هذا الاقتراح إلى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وربطت تصديقها على الاتفاقية بانضمام إسرائيل إليها، اختارت إيران ومنذ الإطاحة بنظام حكم الشاه وقيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية تحت حكم الملالى عام 1979 السير فى اتجاه معاكس، وسعت إلى تطوير برنامج نووى كان ومازال مثيرا للجدل والقلق معا.
واستمر امتناع مصر عن التصديق على معاهدة منع الانتشار النووى، قبل انضمام إسرائيل إليها حتى 26 فبراير 1981، عندما قررت الحكومة التصديق عليها بهدف إطلاق برنامج نووى مصرى لتوليد الكهرباء، وهو ما ألحق ضررا بالغا بالأمن القومى لمصر، خاصة وأن المشروع النووى تجمد فى أعقاب حادث انفجار مفاعل تشيرنوبل النووى فى الاتحاد السوفيتى السابق عام 1986.
وفى كتاب «فى قلب الأحداث» يقول نبيل فهمى «خلال اجتماعات لجنة الأمن الإقليمى والحد من التسلح المنبثقة عن مؤتمر مدريد للسلام، كانت نقطة الخلاف الجوهرية بين الوفدين المصرى والإسرائيلى، هى رفض الأخير لأى مناقشة جادة لموضوع نزع السلاح النووي، وحتى فى الوقت الذى كانت لجنة الأمن الإقليمى والحد من التسلح تعد مسودة بيان يتكون من عدة نقاط يدعو إلى قيام سلام شامل فى المنطقة، وهو بيان رفضه الإسرائيليون لأنه تضمن نزع الأسلحة النووية. وقررنا كرد فعل لتعنت إسرائيل عدم السماح باستمرار عمل اللجان متعددة الأطراف الأخرى والتى تتعلق بموضوعات الاقتصاد والمياه واللاجئين والبيئة ـ والتى كانت مهمة جدا لإسرائيل».
بالتزامن مع فشل عمل لجنة الأمن الإقليمى والحد من التسلح فى الشرق الأوسط اقترب موعد مؤتمر مراجعة وتمديد معاهدة منع الانتشار النووى فى عام 1995 والذى يعقد كل خمس سنوات، حيث وجدت مصر هذا المؤتمر فرصة لمخاطبة المجتمع الدولى للضغط على اسرائيل للانضمام إلى معاهدة عدم الانتشار النووى كدولة غير نووية أسوة بجيرانها العرب.
يقول فهمى: «نجحنا بالفعل فى خلق زخم سياسى للاهتمام بمنطقة الشرق الأوسط والانتشار النووى فيها خلال المؤتمر، لكننا واجهنا أيضا ظرفا صعبا ومحرجا ألا وهو رغبة الغالبية العظمى من الدول الكبرى فى تمديد المعاهدة إلى الأبد وليس لمدة 25 عاما أخرى فقط، فى حين ترفض إسرائيل الانضمام إليها، وهو ما يعنى استمرار إسرائيل كطرف له وضع استثنائى خارج منظومة عدم الانتشار النووية الدولية للأبد».
وكانت الولايات المتحدة والعديد من الدول الأخرى ترغب فى ضمان حصول قرار تمديد المعاهدة على أكبر قدر ممكن من التأييد الدولى. وكان من أبرز التعديلات المقترحة تمديد سريان المعاهدة لمدد متعددة كل منها 25 عاما، أو إقرار المد اللانهائى للمعاهدة. كلا الاقتراحين كان مصدر قلق بالنسبة لمصر، فى ظل غياب أى التزام من جانب إسرائيل بالتخلى عن ترسانتها النووية.
فى الوقت نفسه، دخلنا محادثات مباشرة مع الإسرائيليين، وبعد عدة جولات اقترحت عليهم منح مصر تعهدا بالانضمام إلى معاهدة منع الانتشار النووى بعد عام من التوصل إلى اتفاق سلام شامل مع الدول العربية، ولم يرد الإسرائيليون على الاقتراح فى البداية.
عرض بيريز
قبل أسابيع من مؤتمر المراجعة حضر نبيل فهمى غداء عمل دعا إليه شيمون بيريز وزير خارجية إسرائيل فى فندق ريجنسى مانهاتن بنيويورك، وبحضور «أورى سافير» و«آفى جيل» مستشارى الوزير الإسرائيلى، وعمرو موسى وزير الخارجية. وفاجأ بيريز الحضور بإعلان موافقته على تعهد إسرائيل بالانضمام إلى معاهدة منع الانتشار النووى بعد عام من التوصل إلى اتفاق سلام شامل مع العرب، مضيفا أنه إذا كان هذا الأمر مقبولا بالنسبة لنا، فإن سافير سيحضر إلى القاهرة خلال أسبوع لإنهاء الاتفاق، بعد إقراره فى إسرائيل.
يقول نبيل فهمى «والتفت موسى نحوى وسألنى عن رأيى باللغة العربية. وقد كنت أبلغته بتطورات المفاوضات المصرية الإسرائيلية بالتفصيل من قبل، وكان متابعا لها عن قرب. لذلك فوجئ عندما وجد ردى سلبيا، ومع شعوره بالحيرة انتقل موسى إلى الحديث مع بيريز عن موضوعات أخرى، قبل أن يعلن موافقته على الاقتراح، لكنه لم ينس أن يؤكد أنه ينتظر حضور سافير إلى القاهرة ومعه خطاب مكتوب يؤكد هذا الاتفاق خلال الأسبوع التالى.. وأثناء مغادرتنا المكان سألنى موسى، لماذا رفضت اقتراحا سبق أن قدمته شخصيا للجانب الإسرائيلى. وضحك عندما قلت له لآن بيريز لا يمتلك السلطة اللازمة لكى يقبل الاقتراح، وأضفت أنه لن يرسل سافير إلى القاهرة، وهو ما سيسبب سوء تفاهم خطير عندما لا تتحقق التوقعات المرتفعة، خاصة ونحن سنبلغ الرئيس مبارك بنتائج هذا الاجتماع خلال ساعات كما جرت العادة.
وبالفعل لم يأت سافير إلى القاهرة ولم يقدم أى تفسير لعدم المجىء. وبغضب مبرر طلب موسى كتابة مسودة رسالة قوية منه إلى بيريز، تحدد بدقة ما سبق الاتفاق عليه بشأن الملف النووى. وعندما حذر فهمى، وزير الخارجية من أن النظام السياسى فى إسرائيل اعتاد تسريب المراسلات والأخبار المهمة للإعلام فى إطار الصراعات بين السياسيين، وبالتالى فإنه إذا تمت كتابة هذه التفاهمات فى ورقة رسمية وإرسالها إلى إسرائيل ثم تم تسريبها ستثير جدلا حاميا هناك، فقال موسى «إنهم لم يفوا بتعهداتهم، من فضلك اكتب المسودة».
أحد مؤتمرات مراجعة معاهدة حظر الانتشار النووى التى فشلت فى فتح ملف إسرائيل بسبب واشنطن
وأثار الخطاب الذى أرسله موسى إلى بيريز عاصفة فى إسرائيل رغم أن اللغة الإلزامية التى تحدث بها بيريز عن الموضوع النووى لم يتم تسريبها نصا. وبعد إرسال الخطاب بفترة قصيرة تقابل فهمى موسى مع بيريز فى المنتدى الاقتصادى العالمى فى منتجع دافوس السويسرى، فصرخ فى وجه فهمى وسأله عن سبب إرسال الخطاب، وضحك موسى بقوة عندما قال فهمى لبيريز «إن توقيع المرسل يعكس إنه مرسل من موسى وليس منى، وإنما سبب توجيه الخطاب هو أنك لم تف بالتزاماتك»، وطوال تلك الليلة ظل موسى وبيريز يتجادلان بحدة حول موضوعات الشرق الأوسط ككل فى جو غاضب ومتوتر.
عقد مؤتمر مراجعة وتمديد معاهدة منع الانتشار النووى فى نيويورك خلال الفترة من 17 أبريل إلى 12 مايو 1995، ورغم أن مصر كانت تدعم حظر الانتشار النووى ونزع الأسلحة بشكل عام، فإنها لا يمكن أن تدعم تمديد المعاهدة إلى مالا نهاية قبل أن تنضم إليها إسرائيل. واعتقد أننا أخطأنا فى عدم التحمس لفكرة مد المعاهدة لمدة 25 عاما تتجدد تلقائيا، عندما طرحت فى المراحل التمهيدية الأولى من الإعداد للمؤتمر، لأن البديل الذى تم اعتماده وهو المد اللانهائى كان الأسوأ بالنسبة لنا.
وكانت دول عدم الانحياز ضد التمديد اللانهائى للمعاهدة، كما كانت مترددة فى دعم اقتراح تمديدها لمدة 25 عاما، وكسرت جنوب إفريقيا فى بداية حكم الزعيم نيلسون مانديلا، إجماع دول عدم الانحياز، بموافقتها على الاقتراح الأمريكى بتمديد المعاهدة إلى مالا نهاية.
وبمرور الوقت كسب اقتراح التمديد اللانهائى للمعاهدة المزيد من الأرض، مع وجود بعض التحفظات الفنية حتى من جانب بعض الدول المتقدمة، وببطء بدا أن تمرير هذا الاقتراح بات حتميا. ومع تطور الموقف، قدمت الدول العربية مسودة قرار حول مخاطر الانتشار النووى وإنشاء منطقة خالية من السلاح النووى فى الشرق الأوسط، يدعو لانضمام إسرائيل إلى معاهدة منع الانتشار النووى، وذلك من أجل إظهار اهتمام العالم بالمنطقة بمناسبة مؤتمر تمديد المعاهدة، ولتأكيد رفض منح أى دولة استثناء لا نهائى من الالتزام بهذه المعاهدة. وقد أثار التحرك العربى غضب الولايات المتحدة بشدة. وأصبح الملف موضوعا لمحادثات أمريكية مصرية متصلة طوال أسابيع المؤتمر، فضلا عن اتصالات بين عاصمتى البلدين.
آل جور ومبارك
فى أول الأمر لم يعرف أى من أعضاء الوفد المصرى الموجود فى نيويورك متى بدأ نائب الرئيس الأمريكى آل جور محاولة الاتصال بالرئيس مبارك، الذى لم يكن مغرما بنائب الرئيس الأمريكى، كما كان ينزعج من اتصال أى مسئول أجنبى به غير رئيس الدولة. ورفض مبارك الرد على اتصال آل جور الهاتفى، فلجأ الأخير إلى الاتصال بأسامة الباز كبير مستشارى الرئيس مبارك، وتحدث معه عن مخاوف أمريكا من التحرك العربى فى مؤتمر مراجعة معاهدة منع الانتشار النووى، وأجرى الباز اتصالا هاتفيا بنبيل العربى رئيس الوفد لينقل إليه الرسالة الأمريكية، لكنه لم يرد على الاتصال من القاهرة.
وبعد ذلك بأيام قليلة، كتب الرئيس كلينتون رسالة إلى مبارك يشكو فيها من نشاط الوفد المصرى فى نيويورك، ويطالبه بتخلى مصر عن المطالبة بإصدار قرار بشأن الشرق الأوسط، والسماح بتمرير تمديد معاهدة منع الانتشار النووى، دون ربط ذلك بأى قرار خاص بموضوعات الشرق الأوسط.
يقول نبيل فهمى «أبلغنى الدبلوماسى الأمريكى رفيع المستوى روبرت إينهورن والعضو البارز فى الوفد الأمريكى للمؤتمر بإرسال هذا الخطاب، ثم فوجئ عندما قلت له إنه أسعدنى بإبلاغى بهذا الأمر، وكنت أعرف أن مبارك يستاء من مثل هذه الشكاوى، وغالبا ما يتبنى مواقف معاكسة تماما لما يطلبه الأمريكيون فى سياق النقد الشخصى والحاد للمواقف المصرية أو وفودها. وفى غمرة هذه الأحداث اتصل بى عمرو موسى ليناقش معى تطورات المفاوضات، وتحدث بشكل عابر عن رسالة كلينتون ومحاولات آل جور الاتصال بمبارك التى علمنا بها من الجانب الأمريكى. وكان وزير الخارجية يطلع الرئيس مبارك على تفاصيل المفاوضات، وفى النهاية قال موسى إن مبارك يؤكد ضرورة التمسك بالموقف المصرى فى المؤتمر وعدم التردد فى رفض الضغوط الأمريكية».
ومع اقتراب الجلسات الختامية للمؤتمر قالت مادلين أولبرايت وزيرة خارجية الولايات المتحدة، إن بلادها لا يمكن أن تقبل الإشارة إلى إسرائيل فى قرار مواز لقرار الموافقة على تمديد الاتفاقية. ومن جانبنا قلنا إن مصر لا يمكنها تقديم مسودة قرار بشأن الشرق الأوسط لا يشير إلى إسرائيل بالاسم، باعتبارها الدولة الوحيدة فى المنطقة التى لديها برنامج نووى كبير، ولم توقع على معاهدة منع الانتشار النووى. واقترحت أولبرايت طرح مسودة القرار المصرى للتصويت، على أن تمتنع الولايات المتحدة عن التصويت، مقابل تمرير تمديد المعاهدة بدون تصويت، لكننا قلنا إنه يجب معاملة كل القرارات بنفس الطريقة، فإما تمر كلها عبر التصويت أو تمر بدون تصويت.
وبعد سلسلة مناقشات حامية والوصول إلى طريق مسدود تقريبا، اقترح نبيل فهمى إمكانية تمرير مسودة القرار الخاص بالشرق الأوسط دون الإشارة إلى إسرائيل مباشرة، إذا تم تقديم المسودة برعاية الدول الثلاث المودع لديها المعاهدة وهى روسيا وبريطانيا والولايات المتحدة وليس برعاية الدول العربية باعتبار أن هذا الأمر سيمنح موضوع السلاح النووى فى الشرق الأوسط أهمية دولية وليس إقليمية فحسب.
فى البداية تعاملت أولبرايت بغضب ودهشة مع اقتراح فهمى. كما كانت متأكدة من أن بريطانيا وروسيا سترفضان الاقتراح، لكنها فوجئت بأن الدولتين وافقتا عليه. وعاد الأمريكيون إلى الوفد المصرى وطلبوا إدخال بعض التعديلات على نص القرار، بعد أن وافقت الدول الثلاث على رعايته، كما وافقت الدول الثلاث على تمرير كل القرارات بدون تصويت، وكان هذا أمرا جيدا بالنسبة لنا.
وتواصلت جهود مصر بعد ذلك من أجل إلزام كل دول المنطقة بمنع الانتشار النووى، وتم عقد مؤتمر مراجعة معاهدة منع الانتشار النووى فى عام 2000 دون أن يكون قد تحقق أى تقدم نحو تطبيق القرار الخاص بالشرق الأوسط والذى صدر فى مؤتمر 1995. وكانت مصر غاضبة وأصرت على ضرورة الإشارة إلى إسرائيل بالاسم، فى وثيقة مراجعة عام 2000. وكان الموقف المصرى موجها إلى الولايات المتحدة أكثر منه موجها إلى إسرائيل، لآن الأولى لم تكن من الأساس جادة فى الالتزام بالحل الوسط الذى تم التوصل إليه فى مؤتمر المراجعة عام 1995. وكان تركيز الولايات المتحدة فى عام 2000 منصبا على العراق وإيران، لذلك كانت مستعدة للقبول بأى شىء بما فى ذلك الإشارة لإسرائيل مقابل اتخاذ موقف قوى بشأن البرنامج النووى لكل من العراق وإيران.
ورغم أن إيران انضمت إلى مصر عام 1974 لتقديم مشروع قرار مشترك إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة يقترح إعلان منطقة الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية، فإن أنشطتها النووية خلال السنوات العشر الماضية على الأقل أصبحت مصدر قلق كبير لدول العالم بشكل عام وجيرانها من دول الخليج العربى بشكل خاص.
حوار عربى إيرانى
عندما عاد نبيل فهمى إلى الدبلومسية المصرية كوزير للخارجية خلال عامى 2013 و2014 استأنف محاولته الحذرة والمحسوبة بدقة لتشجيع إقامة حوار عربى إيرانى يفتح الباب أمام معالجة المخاوف العربية من السياسات الإقليمية لطهران وملفها النووى الذى كانت تحاصره الكثير من الشكوك.
يقول فهمى فى الكتاب «خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة عام ٢٠١٣، قال للأمير سعود الفيصل وزير خارجية السعودية الراحل إنه من الأفضل التواصل مباشرة مع الإيرانيين والدخول فى مناقشات جادة معهم، حيث كان واضحًا لى فى أواخر ٢٠١٣ أن المفاوضات الجارية بين القوى الغربية وإيران بشأن البرنامج النووى للأخيرة أصبحت جادة. وشرحت للأمير سعود أن الدول الخمس دائمة العضوية فى مجلس الأمن الدولى وألمانيا ستتوصل إلى اتفاق قريبًا مع إيران؛ ولذلك من المهم بالنسبة لمصر، والأفضل بالنسبة للسعودية الجار المباشر صاحب المخاوف الكبيرة المشروعة، بدء التواصل مع إيران بشأن المصالح العربية وليس مجرد الاستماع إلى التقارير الأجنبية بشأن المفاوضات التى تجريها القوى الغربية مع طهران».
رد الأمير سعود بأنه على إيران أن تصدر أولًا إعلانًا بالالتزام بعلاقات حسن الجوار، لكننى حذرت من أن التوجهات السياسية الأكثر تقدمية فى إيران يمكن أن تصدر مثل هذا البيان بسهولة، دون أن يكون ذلك مؤشرًا على التزام جاد من جانب التيارات الأشد تطرفًا صاحبة النفوذ الأقوى فى نظام الحكم. وطلبت منه تقديم خطوات وإجراءات محددة مطلوب من إيران اتخاذها لتكون دليلًا قاطعًا على جديتها فى التهدئة، فقال إن السعودية وإيران وقعتا بروتوكولًا للتعاون الأمنى لكن الأخيرة لا تحترمه. وأضاف أن التزام إيران بهذا البروتوكول يمكن أن يكون بداية جيدة لقياس مدى الجدية فى العمل على تحسين العلاقات بين الجانبين. وللأسف لم تسفر محاولاتى عن نتائج ملموسة فى تلك الأيام.
وظلت العلاقات العربية الإيرانية فاترة فى الأعوام الخمس التالية على ذلك، بما فى ذلك مع مصر، مع تنامى النفوذ الإيرانى الإقليمى بما يثير مخاوف العرب.
وانسحبت الولايات المتحدة فى عهد الرئيس السابق دونالد ترامب من الاتفاق النووى مع إيران الذى كانت وقعته مع الدول دائمة العضوية الأخرى فى مجلس الأمن وألمانيا، وجمدت المساعدات والأموال المفترض أن يتم الافراج عنها بموجب بهذا الاتفاق.



0 تعليق