عمرو منير دهب يكتب: بَسِّطْ وعَقِّدْ.. الفصل السابع والعشرون من كتاب "افعل ولا تفعل الشيء نفسه" - بوابة المدينة

اعلام 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم عمرو منير دهب يكتب: بَسِّطْ وعَقِّدْ.. الفصل السابع والعشرون من كتاب "افعل ولا تفعل الشيء نفسه" - بوابة المدينة

كل متناقضَين يملك أحدُهما إغراءً بتفضيله على الآخر، وذلك إمّا بصفة عامة أو في أضواء مبادئ أخلاقية ضمن ثقافة في أماكن بعينها أو أزمنة محددة أو حتى ممتدة. 

مع متناقضَينا هذين يبدو التبسيط هو المنتصر بصفة عامة، فالناس بقدر ما يستهويهم الغموض يفضّلون التبسيط لكشف ما وراء الطلاسم الغامضة التي استهوتهم، أو لعلهم – للدقة – يحتاجون إلى التبسيط لتفسير الغامض نفسه الذي استهواهم. وعندما لا يغدو أمام سدنة الفكرة الغامضة مناص من التعقيد – بسبب طبيعة الفكرة/المبدأ أو لأيِّ من الغايات – فإن الناس يلجؤون إلى اختراع نُسخهم الخاصة المفسّرة لتبسيط الفكرة المعقدة التي أغوتهم ومن ثم الاطمئنان إلى اعتناقها؛ أمّا عندما يكون التبسيط مستحيلاً أو شبه مستحيل – مثلما هو الحال أحياناً مع بعض النظريات العلمية بالغة التعقيد أو الأفكار الغيبية المطلقة – يغدو الاعتقاد/الإيمان المجرّد في ذاته هو السلاح التبسيطي الخارق الذي يتّخذه الناس لاتّباع المفهوم الذي لا يستطيعون تفسير كل أو مجمل ألغازه لكنه يروقهم لسبب أو آخر.

للتعقيد في المقابل جاذبيته، بل إن التعقيد يمتلك جاذبيته في حضرة/غضون التبسيط نفسه، فلولا الجاذبية الخارقة للأفكار والمفاهيم المعقدة لما تهافت الناس إلى طلب تفسيرها/تبسيطها لتسويغ اتّباعها أو على الأقل إبداء الإعجاب بها أو حتى معارضتها في شيء من الإعجاب المتواري/المخاتل أو من أجل التباهي مجرداً بالمعرفة.

مع تجربتي الذاتية في الكتابة، وفي الحياة بصفة عامة، لا أستطيع – ولا أحب ابتداءً – دفع تهمة التعقيد في التناول والعرض على مختلف الأصعدة. الواقع أنني لم أولد وفي فمي ملعقة من الثقة فيما أنا عليه إزاء أساليب العرض – ومن قبل التلقّي – التي أقول إن من الصعب المجادلة في كونها تبدو معقّدة أحياناً أو عموماً بالنظر إلى ما تنتظره الغالبية الساحقة من القرّاء والمتلقّين من مادّة سهلة تتسنّى المتعة والإفادة منها بأقل ما يمكن من المطبّات الفكرية والحواجز الفنية المعرقلة. 

لم أطمئن إلى طريقة تناولي وعرضي التي تبدو – أو هي بالفعل - معقّدة إلّا بعد أن فشلتْ نواياي جميعاً في الخروج منها إلى ما هو أشدّ بساطة؛ وأقول "نواياي" لأن تلك النوايا لم تنجح في أن تتحوّل إلى أي قدر من المحاولة العملية الجادة، فبدتْ أفكاري بذلك كما لو أنها لا تقبل في الاستدعاء والعرض سوى تلك الطريقة/الطرق التي لا تخلو من التعقيد قياساً إلى ما من شأنه أن يجذب القطاعات العريضة من القرّاء والمتلقّين ممّا هو موسوم بالبساطة والسهولة.  

ولعل أفكاري ذاتها لم تمانع وإنما أنا الذي مانع تغيير طرق عرضه على المتلقين، وذلك بتخيّل إمكانية الفصل بين الأفكار وصاحبها على اعتبار أن كليهما كائن مستقلّ بذاته. أقول هذا لأنه كان من الممكن أن أعرض كل ما كتبت بأسلوب أشدّ مباشرة وسهولة، لكن ذلك لم يرقني على كل حال. وبصرف النظر عمّن امتنع عن التبسيط – أفكاري ذاتها أم أنا – فإن الفكرة التي تُعرض بأسلوب سهل/بسيط ليست في الغالب هي نفسها التي تُعرض بأسلوب أشدّ تعقيداً حتى إذا كان المنطلق واحداً أو متطابقاً تماماً لدى الكاتب نفسه. 

يبدو التبسيط/التسهيل كما لو كان اختصاراً للفكرة المعقدة يحذف من أصلها فينال من جوهرها أكثر من كونه عملية فرد/بسط تُظهر ما تنطوي عليه الثنايا المعقدة للفكرة؛ فمِن الأفكار ما لا يمنح ذاته إلّا معقّداً بحيث تكمن قيمته في تعقيده الذي يتضمّن مستويات متعددة للمتعة والفائدة؛ وهنا يبدو التعقيد منتصراً على البساطة التي تطرح مستوى واحداً أو بضعة مستويات محدودة لما هو مفيد وممتع مقابل مستويات التعقيد العديدة للفائدة والمتعة بشرط الصبر على مقتضيات فضّها واكتشافها.

الفلسفة من أبرز الأمثلة على العلوم المعقّدة؛ والعلم أساساً يقوم على الأفكار المعقّدة بحيث لا يتجلّى التبسيط في العلوم إلا عند الحاجة إلى شرحها للطلّاب أو العامة، وإن تكن الفلسفة - على سبيل المثال – من الأبرز دلالة على التعقيد لأن طبيعة مادتها المقدّمة للجماهير معقدة في عرضها لا طريقة صنعها فحسب. إلى ذلك، تجنح العديد من أشكال الفن إلى التعقيد سواءٌ فيما يلزم لإبداعها من المهارات والأدوات أو حتى في مادتها الأخيرة المعروضة على الناس. 

بأخذ ما سبق في الاعتبار، لا يبدو التعقيد أو التبسيط غاية في ذاته بقدر ما تبدو المتعة والفائدة ممّا هو معقّد أو مبسّط هي الغاية. ولكن ذلك لا ينفي أن تكون عملية التبسيط أو التعقيد هدفاً لذاتها أحياناً؛ ففي مناهج التعليم يغدو التبسيط/الشرح ضرورة، وفي بعض ألوان الفنون تكمن الغاية الجمالية في منتج فني يتطلّب إبداعه مهارات وأساليب معقدة، وقد يقتضي استقباله كذلك ذائقة فنية تستوعب التعقيد.

عقِّدْ وبسِّطْ إذن دون حرج، فالمهم أن تكون مدركاً للهدف الذي تعقّد وتبسّط من أجله، وأن تتحمّل نتائج تعقيدك وتبسيطك إذا جاء أيٌّ منها مفاجئاً فخيّب طموحاتك التي عقّدت أو بسّطت لأجلها. الأهم أن تدرك أن التعقيد والتبسيط ليسا قدَراً يصيبك أحدهما فلا يغدو بإمكانك أن تنجو منه إلى الآخر إذا لم يكن قد راقك ما أصابك، تماماً مثلما أنه لا مشكلة في أن تظل على قدَرك الذي أصابك وأن تستكشف ضمنه مواطن الجمال والفائدة إذا أحسست أنه لا مناص لك من البقاء حيث أنت من التعقيد أو التبسيط في استقبال وإبداع أيٍّ من أشكال الحياة حولك.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق