رياضة علمت فتيات غزة ألا يغمضن أعينهن في مواجهة الخوف.. مجلة "972+" تحكي كيف تحولت صالة ملاكمة بسيطة إلى ساحة لمقاومة الإبادة الإسرائيلية (صور) - المدينة برس

فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم رياضة علمت فتيات غزة ألا يغمضن أعينهن في مواجهة الخوف.. مجلة "972+" تحكي كيف تحولت صالة ملاكمة بسيطة إلى ساحة لمقاومة الإبادة الإسرائيلية (صور) - المدينة برس

في قلب مخيم صغير بوسط حي الرمال، شريان غزة الذي حولته الإبادة الإسرائيلية إلى كتل من الركام، تتشكل حكاية مختلفة عن فتيات غزة؛ فتيات الشهيد والجريح والأسير. فبين الأنقاض، تحولت خيمة بسيطة إلى صالة ملاكمة لفتيات يقاومن الانهيار بالقبضات، ويحملن في قلوبهن إصرارا عنيدا على ألا يغمضن أعينهن في مواجهة الخوف.

وبين أصداء القصف وذاكرة الفقد، لا تبدو الملاكمة بالنسبة لفتيات غزة مجرد رياضة، بل طقسا يوميا تتجاوز فيه اللكمات حدود المنافسة لتتحول إلى صرخة في وجه الخوف، وإعلان صاخب بأن للحياة مساحة صغيرة يمكن انتزاعها من بين الركام. هكذا تروي مجلة "972+" الإسرائيلية، ذات التوجهات اليسارية، حكاية فتيات وجدن في الملاكمة وسيلة لمقاومة الخوف والتشبث بالحياة وسط أهوال الحرب التي يعيشها القطاع المحاصر.

تقول مجلة "972+": يقع النادي داخل خيمة، وهو خال من الحصائر أو العشب الصناعي، نتيجة الحصار الإسرائيلي الخانق على البضائع والمساعدات، وتتدرب الفتيات على الملاكمة بمعدات ووسائل حماية قليلة جدا. وتستخدم خيمة مجاورة كمساحة للتدريب والإحماء.

تمارس فتيات غزة الرياضة داخل صالة صغيرة بأدوات حماية بسيطة
تمارس فتيات غزة الرياضة داخل صالة صغيرة بأدوات حماية بسيطة

تحكي الفتاة الفلسطينية لانا العشي، ذات الـ16 عاما، قصة عشقها للملاكمة قائلة: الملاكمة بالنسبة لي هي طوق نجاة حقيقي، فهي المكان الوحيد الذي أستطيع فيه تفريغ كل الغضب والحزن المكبوت في قلبي.

صالة صغيرة بأدوات بسيطة

تعود صالة الملاكمة إلى أسامة أيوب، أحد الرياضيين في قطاع غزة والبالغ من العمر 40 عاما، والذي شيد تلك الصالة من مواد معاد تدويرها. 

يقول أيوب لمجلة "972+": على الرغم من التحديات الهائلة والنقص الحاد في الموارد، كنت مصرا على ألا تختفي الرياضة من حياة فتيات غزة الصغيرات. أنشأت خيمة الملاكمة هذه للفتيات كمبادرة بسيطة ولكنها ذات مغزى لتوفير مساحة آمنة للتدريب، ومساعدة الرياضيات الشابات الفلسطينيات على استعادة الأمل والثقة والشعور بالحياة الطبيعية من خلال ممارسة الرياضة.

الفتاة الفلسطينية لانا العشي ترى في ممارسة الملاكمة وسيلة لتفريغ كل الغضب والحزن المكبوت في قلبها
الفتاة الفلسطينية لانا العشي ترى في ممارسة الملاكمة وسيلة لتفريغ كل الغضب والحزن المكبوت في قلبها

قبل حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة في 7 أكتوبر 2023، كان أيوب يدير ناديا للملاكمة مجهزا بالكامل؛ لكن النادي دمر مثلما انهار منزله أيضا جراء العدوان الإسرائيلي.

واليوم، يقدم أيوب دورات تدريبية مجانية لحوالي 50 فتاة فلسطينية في غزة وخان يونس، تتراوح أعمارهن بين 8 و19 عاما. وتحظى الفتيات بتشجيع حار من المتفرجين الذين غالبا ما يتجمعون لمشاهدة المباريات، وبعضهم يجلس على مدرجات مؤقتة أقامها أيوب حول الخيمة.

روح تقهر الإبادة الجماعية

تقول العشي: كنت أتدرب في نادي أيوب قبل الإبادة الجماعية الإسرائيلية. وعندما تحول النادي إلى ركام، شعرت بالقلق، وبأنني لن أستطيع ممارسة الملاكمة مجددا. ثم أخبرني أيوب عن مركز التدريب المؤقت الذي أنشأه في المخيم. 

وأضافت: شعرت بروح جديدة تنبض في داخلي. لم تعد الملاكمة مجرد هواية، بل هي الوسيلة الأساسية التي أحافظ بها على تماسكي النفسي.

فقدت العديد من الفتيات الفلسطينيات أحباءهن ومنازلهن خلال الحرب، وحرمن من سنوات طفولتهن تحت وطأة النزوح والخوف. 

وفي هذا السياق، تقول جودي النمر، ذات الـ14 عاما إن عائلتها اضطرت إلى النزوح مرات عدة خلال الحرب: "لولا هذه الخيمة المؤقتة التي نتدرب فيها، لكانت حالتنا النفسية في حالة انهيار تام"، في إشارة إلى الدور الذي باتت تؤديه الرياضة كملاذ نفسي ومساحة للتخفيف من آثار الحرب القاسية.

مواجهة الخوف بعيون مفتوحة 

وتنقل مجلة "972+" عن النمر قولها: إن غياب المدارس يقضي على مستقبلنا ويتركنا في فراغ قاتل تغمرنا فيه الأفكار والخوف من المجهول؛ وعندما أرتدي القفازات داخل الخيمة، أشعر أنني لست ضعيفة، وأنني أستعيد قوتي وثقتي بنفسي، اللتين حاولت هذه الظروف القاسية تحطيمهما.

جودي النمر البالغة من العمر 14 عاما تؤمن بأن ممارسة الرياضة تخفف من آثار الحرب
جودي النمر البالغة من العمر 14 عاما تؤمن بأن ممارسة الرياضة تخفف من آثار الحرب

لا تزال فتيات غزة يتدربن على وقع أصوات المسيرات والنسف والقصف جراء الخروقات الإسرائيلية المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار الذي من المفترض أنه دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025.

تقول العشي: القصف الإسرائيلي لا يتوقف، لكن الخوف لم يعد سببا للتراجع، بل دافعا للمواجهة. ففي تلك اللحظات المرعبة، نتبادل النظرات مع المدرب ومع زميلاتنا الفتيات، وبدلا من الفرار نواصل اللكم بعزيمة أكبر؛ فقد علمتنا هذه الرياضة ألا ننكسر أمام الخوف، وأن نواجه الخوف بعيون مفتوحة، وألا نسمح له بهزيمتنا، وأن نقف في وجهه بثبات، وألا نطأطئ رؤوسنا أمامه.

طموح يعانق السحاب

وعلى الرغم من أن تدريب الفتيات لا يزال محصورا في تلك الصالة الرياضية الصغيرة، إلا أن طموحاتهن تكاد تعانق السحاب، حيث يحلمن بالمشاركة في بطولات الملاكمة الدولية كممثلات لفلسطين، بحسب مجلة "972+".

تقول العشي: "طموحي، وحلمي، وحلم جميع الفتيات هنا هو الحصول على فرصة للمشاركة في منافسات دولية. أريد أن أرفع علم فلسطين عاليا، وأن أثبت للعالم أننا شعب يحب الحياة ويستحق الفرح.

أسس أسامة أيوب صالة الملاكمة بمواد معاد تدويرها
أسس أسامة أيوب صالة الملاكمة بمواد معاد تدويرها

وبين جودي النمر ولانا العشي، وغيرهما من فتيات غزة، تتجاوز الملاكمة حدود الرياضة لتصبح رسالة يومية بعدم الاستسلام لعواصف الخوف، والتمسك بالحياة والأرض، مؤمنات بأن "داخل تلك الخيمة الصغيرة، تتشكل حكايات صمود ترفض الانكسار، وقناعة راسخة بأن القوة الحقيقية لا تكمن في الهروب من العاصفة، بل في القدرة على الثبات ومواجهتها حتى النهاية.