نبيل نعوم يكتب: ثمن الزمن - بوابة المدينة برس

الشروق نيوز 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم نبيل نعوم يكتب: ثمن الزمن - بوابة المدينة برس


نشر في: الجمعة 3 يوليه 2026 - 6:30 م | آخر تحديث: الجمعة 3 يوليه 2026 - 6:30 م

 

قد يُقاس الزمن بالمال فالوقت له قيمة اقتصادية، وهو باهظ الثمن وأغلى شىء لأنه يمكن تحويله إلى مال، أو فرص، لكن هذا فى مجال التجارة، أما فى الحقيقة فالوقت أو الزمن الحاضر، أو اللحظة فمن الصعب شراؤها بالمال فإضافة لحظة واحدة حين يأتى حين المغادرة، فلا يمكن شراؤها ولا بمال العالم كله. على ذلك فالثراء البالغ غير قادر فى الحقيقة على شراء الزمن نفسه. فأغنى شخص فى العالم لا يستطيع شراء دقيقة إضافية من عمره، أو استعادة لحظة مضت. المال يمكنه تغيير ما نفعله بالوقت، لكنه لا يغير مرور الوقت ذاته. من الممكن شراء وقت الآخرين للقيام ببعض المهام، كما أيضا من الممكن إهدار وقت الآخرين بالانغماس فى التفاهات أو الاستماع إلى ثرثرة الذات المنتفخة.


والآن كيف وصلنا إلى مرحلة أصحاب المليار والتريليون دولار، وماذا فى استطاعة هؤلاء القلة من الاستفادة بما يكنزون من ثروات قاموا على جمعها غالبا بإضافة المزيد من الفقر لمعظم الباقى من سكان هذا الكوكب؟


وأخيرًا صرحت منظمة أوكسفام، أن أصحاب المليارات فى الاقتصادات الكبرى فى العالم حققوا 2.2 تريليون دولار العام الماضى وهو مبلغ يكفى لانتشال جميع فقراء العالم من براثن الفقر. وتمثل منظمة أوكسفام العالمية الملايين من الأشخاص ممن يشاركون المبدأ القائم على أساس أن العالم غنى بالموارد، وأن الفقر ليس أمرًا حتميًا.


وإن كان من الصعب استيعاب حجم المليار، فما بالك بالتريليون، لذا يجدر بنا التوقف لحظةً لنُدرك مدى ضخامة هذا المبلغ إن كان بالدولار. نتحدث هنا عن 12 صفرًا؛ مليون مليون دولار. وفى التقييم الأخير لثروة التريليونير ايلون ماسك أنه لو أنفق مليون دولار يوميًا، لاستغرق الأمر أكثر من 3000 عام. بمعنى آخر: إذا كانت ثروتك تريليون دولار، فإن مليون دولار تُمثل 0.0001%، أو جزءًا من عشرة آلاف من واحد بالمئة، من صافى ثروتك. وإن كان متوسط ​​صافى الثروة فى الولايات المتحدة حوالى 192,700 دولار؛ أى حوالى 16،000شهريا، وهو المبلغ الذى لا يحصل عليه الملايين من الأمريكان وربما البلايين من سكان الأرض؛ فمليون دولار تُساوى بالنسبة لملياردير ما يُساوى 19 سنتًا بالنسبة لمواطن أمريكى متوسط ​​الثروة. بالنسبة لتريليونير، تبدو 100 مليون دولار وكأنها 19.27 دولار فقط، أى ما يُعادل تقريبًا سعر بيتزا كبيرة.


وفى الغالب هؤلاء الأثرياء أو شديدو الثراء علاقتهم بالمال النقدى محدودة فثرواتهم تقطن البنوك وتُقاس بعدد الأسهم والسندات ومهارة تداولهم للأوراق المالية فى البورصات العالمية.


والسؤال هنا عن مخاطر مثل هذا الثراء فإلى جانب احتفاظ معظم هؤلاء الأثرياء بأموالهم لنفسهم ولأفراد عائلتهم، مع المساهمة الضعيفة فى المشروعات الإنسانية التى تخدم البشرية، وتهربهم أحيانا من الضرائب، وتدخلهم أحيانا لتقويض الديمقراطية والتعاطف مع اليمين المتطرف. وحسب عالمة الاقتصاد والفيلسوفة البلجيكية الهولندية إنجريد روبينز «Ingrid Robeyns»، وهى مؤلفة الكتاب المهم «الحدودية: القضية ضد الثروة المفرطة»، يُعد أغنى رجل فى العالم، مثالًا صارخًا على هذه المخاطر. فقد قدّم أكبر تبرع فى التاريخ لحملة رئاسية، حيث أنفق حوالى 290 مليون دولار على الحملة الرئاسية لعام 2024. ثم استغلّ نفوذه وسلطته لإنشاء «وزارة كفاءة الحكومة (Doge)»، مُحدثًا فوضى عارمة فى الخدمة المدنية الأمريكية. كما قام بتفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، وهى الوكالة التى موّلت وأدارت طيفًا واسعًا من البرامج الإنسانية والتنموية، بما فى ذلك التدخلات السريعة لمنع المجاعات. وقدّر العلماء أنه نتيجة لإغلاق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، سيفقد أكثر من 14 مليون شخص حياتهم بحلول نهاية عام 2030، من بينهم 4.5 مليون طفل دون سن الخامسة. يُشير التركيز المفرط للثروة إلى سلطة مُفرطة. وقد تستخدم هذه السلطة، عبر منصات التواصل الاجتماعية، لتضخيم المشاعر العنصرية وكراهية الأجانب، بما يُسهل انتشار الخوف والخطاب العنيف، مثيرا بذلك مخاوف غير منطقية تدفع الناخبين نحو اليمين المتطرف.


والآن بالحديث عن الزمن دون مقارنته بالمال، يُعد الزمن من أبرز الموضوعات فى الأدب وفى الشعر خاصة، ونجد ذلك مثلًا فى رباعيات الشاعر الإنجليزى ت. س. اليوت ( 1888-1965) الحائز على جائزة نوبل فى الأدب عام 1948، ومن ترجمة توفيق صالح الرائعة، حيث يقول:
الزمان الحاضر والزمان الماضى
حاضران كلاهما، ربما، فى الزمان المقبل.
والزمان المقبل يحتويه الزمان الماضى.
إن كان الزمان كله حاضرًا أبدًا
كان الزمان كله مستحيل الافتداء.
والشعر العربى القديم كما المعاصر يتناول موضوع الزمن من الدهر والأيام بوصفه ذاكرة، وانتظارًا، واغترابًا، وفقدًا، وأملًا، وتحوّلًا، ومُعبرًا أيضًا عن مشاعر الحب والشوق واللهفة والفقد، وكمادة للتجربة النفسية والوجودية والفلسفية. فمثلًا نجد فى رباعيات الخيام من ترجمة أحمد رامى التى غنتها كوكب الشرق أم كلثوم:
لا تشغل البال بماضى الزمان
ولا بآتى العيش قبل الأوان
وأغنم من الحاضر لذاته
فليس فى طبع الليالى الأمان
أو فى أغنية رق الحبيب التى ألفها وغنتها أيضا سيدة الغناء أم كلثوم:
من كتر شوقى سبقت عمرى
وشفت بكرة والوقت بدرى
وإيه يفيد الزمن
من اللى عاش فى الخيال
واللى فى قلبه شجن انعم عليه بالوصال
ويكتب الفيلسوف صلاح جاهين:
أجيبلك إيه وأنا جاى؟ هات لى مخدة أحط عليها راسى أنام. هات لى قلب يزعل بس ويصفى قوام. هات لى ساعة راحة بال، وحبة فرح ولو بريال.
والمثل الشائع يلخص الموضوع كالعادة:
الوقت من ذهب إن لم تدركه ذهب.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق