زهرة الأمل تبزغ حين تُسمَع الكلمة الصادقة - المدينة برس

فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم زهرة الأمل تبزغ حين تُسمَع الكلمة الصادقة - المدينة برس

ليس ثمة شعورٌ يملأ فؤاد الكاتب بالسكينة والأمل، أعمق ولا أبهى من أن يرى نبض قلمه يتجسد في أرض الواقع، وأن يتيقن من أن السطور، التي ولدت يومًا من رحم الهَمّ المسؤول، تتحول إلى رأيٍ يُسمَع، وفكرٍ يُتدَبَّر، وإجراءٍ يُنفَّذ في دواوين صناعة القرار. 

 

إنها لحظةٌ تتضاءل أمامها فرحة النشر الأولى، وتتوارى نشوة القراءة الواسعة ورنين الثناء العابر؛ ذلك لأنها لحظةٌ تعيد للإنسان يقينه الفطري بأن الكلمة الصادقة لا تذهب سدى في مهب الرياح، وأن العقل الذي يجلس في سدة الحكم -وإن بدا بعيدًا تختطفه أمواج التحديات والمسؤوليات- ليس مغلقًا أمام الحجة الرشيدة، بل يسمع الصوت النزيه، وينصت ويتفحص النصائح والتوصيات بإمعانٍ يبعث في النفوس أملًا جديدًا.


إن الكتابة في الشأن العام ليست مجرد ممارسة أكاديمية باردة، ولا هي استعراضٌ للبيان والتنميق اللفظي، بل هي شهادة أمانة يحملها المقال ليضعها بين يدي الوطن. وعندما يجد المفكر أن ما استنسخه من رؤى وتأملات لم يمت على هامش الصحف، وتجمد في بلاط الحكومات، بل تحوّل إلى شرارة تُستضيء بها المؤسسات، تشع في قلبه جوهرة الأمل التي تضيء ظلمات الإحباط والتوجس.
حين يتحول المقال إلى قرار.


منذ  حوالى عام في مقالٍ نُشر بصحيفة المصري اليوم في 28 أغسطس 2025، تحت عنوان "ظاهرة القائم بأعمال: مزايا ومساوئ ومخاطر التعميم"، حيث تم التحذير من أن اتساع نظام القائم بالأعمال في الجهاز الإداري المصري ليس حلًا بريئًا، بل خطر بنيوي يهدد سلامة القرار ويكرّس الجمود والأيادي المرتعشة، ويهرب من المنافسة الشفافة، ويصيب الكوادر الشابة بالإحباط، ويعقّد آليات الرقابة والمحاسبة. 

وكانت الدعوة واضحة: أن يكون هذا النظام استثناءً محكومًا  بإطار زمني صارم، لا قاعدةً تُدار بها المناصب الكبرى لسنوات عديدة.
 

وفي الأسبوع الماضي، أصدرت الأمانة العامة لرئاسة مجلس الوزراء المصري كتابًا دوريًا بتوجيهات من رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، يقضي بإيقاف أي تعيينات بالوظائف القيادية بنظام القائم بالأعمال أو بشكل مؤقت، إلا في أضيق الحدود وللضرورة القصوى فقط مع اعتماد "المنصة الوطنية للتأهيل والتعيين بالوظائف القيادية والإشرافية" كمسار وحيد وحصري للتعيين.

 

القرار جاء استنادًا إلى توجيهات السيد رئيس الجمهورية بتطوير الجهاز الإداري من خلال منظومة متكاملة لاختيار القيادات، وهو ما يعني عمليًا غلق الباب أمام القائم بالأعمال الدائم الذي حذّر منه المقال قبل عام.


لم يكن الأمر توقعًا عشوائيًا، بل قراءة متأنية لمرض إداري متكرر كان يُعاد إنتاجه في وزارة تلو الأخرى، حتى بلغ الامر حد تكليف محافظ البنك المركزي المطلوب منه رسم سياسات نقدية قصيرة الاجل وطويلة الاجل بصفته قائم بأعمال!  

 

وكما تم حديثا تكليف وزير التعليم العالي بمهام وزير الثقافة، لحين تعيين وزير جديد، مثالًا حيًا على الظاهرة نفسها والتي طالب المقال بتقييدها. ولذلك حين يُصدر مجلس الوزراء كتابًا دوريًا يحمل قرارات تقيد الظاهرة وتذكر  نفس المنطق، وربما نفس المصطلحات، فإن ذلك ليس مجرد  تطابق بلهو دليل على أن الصوت الناصح  إن صبر، يجد من يستمع إليه في نهاية المطاف.


من الورقة إلى الخريطة: حلفٌ وُلد من رحم الفكرة

الأمل لا يقف عند حدود الإصلاح الإداري الداخلي، بل يمتد إلى الجغرافيا الأوسع للمنطقة. في مقالين متتاليين نُشرا في المصري اليوم خلال إبريل 2026، تحت عنوانَي "الخليج في مرمى النيران" و"الخليج بعد العاصفة"، طُرحت رؤية جريئة: 

أن يكون الرد على مشروع إسرائيل الكبرى وعلى هشاشة المظلة الأمنية الأمريكية، ببناء كتلة إقليمية متماسكة ترتكز على أربعة أعمدة استراتيجية هي دول الخليج، ومصر، وتركيا، وباكستان، مستندة إلى ديموغرافيا تتجاوز 600  مليون نسمة، وثقل مصر التاريخي والحضاري، وصناعات تركيا الدفاعية، ودرع باكستان النووي.


وفي 7 أغسطس 2026، وفي قصر الصفا بمكة المكرمة، وقّع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس وزراء باكستان محمد شهباز شريف، اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي تنص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا على الجميع، على غرار المادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو. 

 

الاتفاقية، بحسب البيان الرسمي، تهدف إلى تعزيز الردع الجماعي، وتطوير التعاون الدفاعي والعسكري والصناعي بين الدول الثلاث، وإرساء علاقات دفاعية أكثر مؤسسية واستدامة. لم يكن التكتل المُقترح في المقال يضم السعودية وتركيا وباكستان فقط، بل أضاف إليه مصر وربما العراق وأن يكون الباب مفتوحا في المستقبل لدخول ايران نفسها على أن تكون تلك هي الجزرة التي تدفع الدولة الفارسية على تحسين علاقتها بدول الجوار. 

 

لكن نواة الفكرة، وهي التحالف الثلاثي السني الكبير الذي يجمع الثقل الديموغرافي والعسكري والدفاعي، وُلدت اليوم على الأرض، وتركت الباب مفتوحًا أمام انضمام دول إقليمية أخرى مستقبلًا، وهو تحديدًا ما تمنّاه صاحب الرؤية عندما كتب أن "المهم هو الانطلاق، فالتاريخ لا ينتظر المترددين"..


ثمة فرق جوهري بين من يكتب لينفّس عن رأي عابر، ومن يكتب لأنه يؤمن، كما آمن إدوارد سعيد، بأن "الظواهر السياسية والاجتماعية القائمة لم تكن يومًا قدرًا محتومًا. الكتابة الجادة هي نوع من المقاومة الهادئة ضد الاستسلام للواقع"، وهي أيضًا نوع من الثقة في أن صاحب القرار حين تصله الحجة الرشيدة، لا يتجاهلها بالضرورة. 

 

وما حدث هذا الأسبوع، بين قرار إداري يقيّد ظاهرة القائم بالأعمال، وتحالف دفاعي يعيد رسم موازين المنطقة، ليس دليلًا على أن كاتبًا غيّر مسار السياسات بمفرده، بل هو دليل أعمق وأكثر تفاؤلًا: أن الأفكار الصائبة، حين تُطرح بصدق ووضوح، تجد طريقها للتراكم في وعي صناع القرار، حتى لو تأخر ظهورها، وحتى لو جاءت من مصادر متعددة تتقاطع عند نفس الحقيقة.


إن هذه اللحظة تستحق أن تُقرأ بعين المتفائل لا بعين المتشكك؛ فالقيادات التي تفتح نافذة للاستماع إلى النصح المخلص، ولو جزئيًا، تمنح الوطن فرصة أثمن من أي قرار بمفرده: فرصة أن يشعر كل صاحب رأي مسؤول بأن صوته له وزن، وأن التعليق النزيه ليس صرخة في وادٍ، بل بذرة قد تنبت يومًا قرارًا أو معاهدة. 

والدعوة اليوم إلى القيادات، في مصر وفي الخليج وفي كل مكان، أن تستمر في مد الجسر بين الفكر والفعل، وأن تفتح الأبواب أكثر لكل من يكتب بلا مصلحة إلا مصلحة الوطن، فالطريق الطويل نحو الإصلاح لا يُعبَّد إلا بحجارة الصدق المتراكمة، حجرًا بعد حجر، ومقالًا بعد مقال وفكرة صادقة بعد أخرى.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق