عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم شبكات رقمية تصطاد الشباب والقاصرين بحلم الوصول إلى أوروبا
لم تعد محاولات الهجرة غير النظامية نحو شمال المملكة تقتصر على تحركات ميدانية عفوية، بعدما كشفت معطيات أمنية عن انتقال جزء مهم من عمليات الاستقطاب والتعبئة إلى الفضاء الرقمي، حيث تنشط حسابات وصفحات تعمل على صناعة موجات من الأمل الوهمي لدى الراغبين في العبور إلى الضفة الأخرى.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن شبكات تنشط من داخل المغرب وخارجه تعتمد على مواقع التواصل الاجتماعي لاستقطاب الشباب والقاصرين، عبر تقديم روايات مضللة عن واقع الهجرة، والترويج لفكرة أن الوصول إلى سبتة أو مليلية المحتلتين يمثل طريقا سهلا نحو الاستقرار والعمل والاستفادة من مختلف أشكال الدعم.
الأخطر في هذه الحملة الرقمية أن بعض المضامين لا تكتفي بالترويج للهجرة، وإنما تتحول إلى ما يشبه «دليلا ميدانيا» للراغبين في العبور، من خلال تداول معلومات حول المسالك والمناطق المحيطة بالحدود، وحالة البحر، والظروف الجوية، ومواعيد التحركات، فضلا عن طرق تفادي المراقبة الأمنية.
وبحسب المعطيات الأمنية، فقد ظهرت خلال الفترة الأخيرة دعوات لتجميع أعداد كبيرة من الأشخاص بمدينة الفنيدق، مع تداول يوم 15 شتنبر المقبل كموعد محتمل لتحرك جماعي جديد باتجاه سبتة المحتلة، سواء عبر السباحة أو محاولة تجاوز السياج الحدودي.
ولا تتوقف بعض هذه الدعوات عند حدود الهجرة، بل تتضمن تحريضا مباشرا على مواجهة القوات العمومية، والدخول في أعمال عنف وتخريب بهدف إرباك التدخلات الأمنية وفتح ممرات نحو الحدود.
وهنا تبرز خطورة جديدة للظاهرة، إذ لم تعد شبكات التواصل مجرد وسيلة لنقل الأخبار، وإنما أصبحت في بعض الحالات أداة للتنسيق والحشد وصناعة القرار لدى أشخاص لا تربطهم بالضرورة معرفة سابقة، قبل أن يجدوا أنفسهم وسط تجمعات كبيرة تتحول بسرعة إلى أوضاع يصعب التحكم فيها.
وتؤكد العمليات الأمنية التي باشرتها المصالح المختصة خلال فترات سابقة أن مواجهة هذه الظاهرة أصبحت تشمل أيضا الجانب الرقمي، حيث تم توقيف عشرات الأشخاص للاشتباه في تورطهم في إعداد ونشر مضامين زائفة تستهدف تعبئة المرشحين للهجرة الجماعية.
كما رصدت الأجهزة المختصة حسابات وصفحات تدار من خارج المغرب، وتعمل على نشر رسائل تستهدف ضرب الثقة في المعطيات الرسمية، والترويج لمزاعم حول فتح الحدود أو التساهل مع محاولات العبور، فضلا عن تقديم وعود بمساعدات مالية وسكن وفرص عمل بمجرد الوصول إلى أوروبا.
غير أن الجانب الأكثر إثارة للقلق يرتبط بالقاصرين، الذين يجد بعضهم نفسه أمام خطاب رقمي مصمم لاستغلال طموحه وهشاشته، من خلال تصوير الهجرة باعتبارها طريقا سريعا نحو مستقبل مضمون، بينما تكشف الوقائع أن بعض هذه الرحلات انتهت بالغرق أو الاستغلال من طرف شبكات إجرامية.
وتواجه مدينة الفنيدق، بحكم موقعها الجغرافي، الجزء الأكبر من تداعيات هذه التحركات، إذ تفرض أي دعوة إلى هجرة جماعية حالة من التأهب الأمني، تستدعي تعبئة وحدات بشرية ووسائل لوجستية ومراقبة مستمرة للمناطق الحساسة.
وتعمل السلطات المختصة، وفق المعطيات المتاحة، على اعتماد سياسة استباقية تقوم على تفكيك التجمعات قبل تحولها إلى محاولات اقتحام، بالتوازي مع تعقب الأشخاص المشتبه في تنظيم عمليات الهجرة أو تسهيلها، ورصد الجهات التي تقف وراء المحتويات التحريضية.
وتكشف الأحداث السابقة أن بعض محاولات العبور الجماعي لم تخل من أعمال شغب، أسفرت عن إصابة أفراد من القوات العمومية وإلحاق أضرار بمركبات وممتلكات عمومية وخاصة، وهو ما جعل البعد الأمني للظاهرة أكثر تعقيدا.
كما أفضت التحقيقات القضائية المرتبطة بأعمال العنف والتخريب إلى إحالة عدد من المتهمين على العدالة، في إطار المساطر القانونية المعمول بها، مع ضمان حقوق الدفاع وشروط المحاكمة العادلة.
وبينما تتواصل الإجراءات الأمنية بالشمال، تعود قضية الهجرة غير النظامية إلى واجهة النقاش من زاوية مختلفة، من يقف خلف موجات التعبئة الرقمية، ومن يستفيد من تحويل أحلام الشباب إلى عمليات جماعية محفوفة بالمخاطر؟
فالظاهرة لم تعد مجرد محاولات فردية للبحث عن حياة أفضل، وإنما أصبحت في بعض جوانبها سوقا تستفيد منها شبكات الاتجار بالبشر، التي توظف الإشاعة والمعلومة المضللة والتأثير النفسي لاستقطاب ضحايا جدد.
وفي المقابل، فإن المعالجة الأمنية وحدها لا تستطيع إنهاء الظاهرة بشكل نهائي، ما يجعل مواجهة أسبابها الاقتصادية والاجتماعية، ورفع الوعي الرقمي، وتجفيف منابع التضليل، وتعزيز التعاون بين الدول المعنية، عناصر أساسية للحد من تمدد هذه الشبكات.
ويبقى الرهان الأكبر هو ألا تتحول منصات التواصل إلى فضاء مفتوح لتسويق الوهم واستغلال القاصرين والشباب، في وقت تتطلب فيه معالجة ملف الهجرة مقاربة شاملة تجمع بين الأمن والوقاية والتنمية وحماية الإنسان.



0 تعليق