عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم ذكرى مد أول كابل أطلسي، كواليس 100 ساعة غيرت تاريخ الاتصالات البشرية - المدينة برس
تحل اليوم ذكرى واحد من أعظم الإنجازات التكنولوجية في التاريخ البشري، والذي اختصر المسافات بين القارات وأسس لمفهوم العولمة الاتصالية؛ ففي مثل هذا اليوم 5 أغسطس من عام 1858، اكتمل بنجاح مد وإرسال أول كابل تلغراف كهربائي عبر المحيط الأطلسي، ليربط لأول مرة في التاريخ بين القارة الأوروبية والأمريكية، وينهي عصر عزلة القارات الذي استمر لقرون.
عصر السفن البطيئة، العالم قبل التلغراف
قبل هذا التاريخ، كانت الرسائل والأخبار بين أوروبا وأمريكا تعتمد كليًا على السفن البخارية التي تقطع المحيط الأطلسي، وكانت أقصر مدة لاستلام رسالة بين لندن ونيويورك تتراوح بين 10 أيام بحسب ظروف الطقس والأمواج.
مع انتشار التلغراف السلكي داخل القارات في أربعينيات القرن التاسع عشر، برزت الفكرة المجنونة بمحاولة مد كابل معزول في قاع المحيط الأطلسي لربط جزيرة فالينتيا في أيرلندا بمدينة هارتس كونتيننت في نيوفاوندلاند بكندا، على مسافة تتجاوز 3000 كيلومتر وتحت أعماق تصل إلى آلاف الأمتار.
مغامرة سيروس فيلد، الإصرار والتحدي العلمي
قاد هذا المشروع الخيالي رجل الأعمال الأمريكي الجريء سيروس غرب فيلد إلى تأسيس شركة التلغراف الأطلسية وجمع التمويل اللازم من مستثمرين بريطانيين وأمريكيين، إلى جانب الحصول على دعم حكومي من الأسطولين الملكي البريطاني والأمريكي.
وواجه المشروع تحديات هندسية وفنية غير مسبوقة لتصنيع كابل ضخم يزن آلاف الأطنان، تتكون نواته من أسلاك نحاسية ملفوفة بعازل من صمغ شجري مطاطي ومغلفة بأسلاك حديدية لحمايتها من الضغط والأسماك.
واجه المشروع بعض الفشل في البداية، إذ في عام 1857، انقطع الكابل بعد مد 500 كيلومتر فقط وغرق في قاع المحيط. وفي صيف 1858، فشلت محاولة أخرى بسبب العواصف العاتية التي كادت تودي بالسفن المشاركة.
لم ييأس فيلد وفريقه؛ وفي يوليو 1858 التقت السفينتان الحربيتان البريطانية أجاممنون والأمريكية نيجارا في منتصف المحيط الأطلسي، وربطتا طرفي الكابل، ثم اتجهت كل سفينة في اتجاه واحدة نحو كندا والأخرى نحو أيرلندا وهما تمدان السلك في القاع بحذر شديد.
وفي 5 أغسطس 1858، وصلت السفينة نيجارا إلى ساحل نيوفاوندلاند، لتكتمل الأجراس وتتصل القارتان رسميًا. وفي 16 أغسطس، أُرسلت أول برقية رسمية تاريخية عبر المحيط من الملكة فيكتوريا ملكة بريطانيا إلى الرئيس الأمريكي جيمس بيوكانان، والتي جاء فيها: تتمنى الملكة أن يثبت التلغراف أنه رابط إضافي بين الأمتين القائم حسابيهما على الصداقة والاهتمام المشترك.
انتكاسة سريعة وثورة لا تتوقف
رغم الاحتفالات العارمة التي شهدتها نيويورك ولندن، فإن هذا الإنجاز تعرض لانتكاسة دراماتيكية؛ إذ تدهورت جودة الإشارة سريعًا وتوقف الكابل تمامًا عن العمل بعد بضعة أسابيع (في سبتمبر 1858) بسبب استخدام جهود كهربائية عالية جدًا أدت لتلف العازل.
ومع ذلك كانت الفكرة قد أثبتت نجاحها العملي. وبعد تطوير التقنيات وصناعة كابلات أكثر متانة، نجح سيروس فيلد عام 1866 في مد كابل دائم ومستقر عبر الأطلسي. واختصرت البرقيات على نقل الأخبار والمعاملات التجارية من أسبوعين إلى بضع دقائق فقط، مما فتح الباب مستقبلًا أمام كابلات الهاتف والألياف الضوئية التي تنقل شبكة الإنترنت العالمية اليوم.








0 تعليق