عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم من كوريا إلى البرازيل.. خريطة القلق الإنسانى فى مهرجان لوكارنو الـ79 - بوابة المدينة برس
خالد محمود
نشر في: السبت 1 أغسطس 2026 - 7:25 م | آخر تحديث: السبت 1 أغسطس 2026 - 7:25 م
•قائمة الفهد الذهبى تضم «حب جديد شجاع» و«الأميرة والحمار» و«لا مكان أضع فيه عينى» و«أنت لا تنتمى إلى هنا»
فى كل صيف، تتحول مدينة لوكارنو السويسرية الهادئة إلى عاصمة لسينما مختلفة، سينما لا تبحث عن النجوم بقدر ما تبحث عن الإنسان، ولا تنشغل بإيرادات شباك التذاكر بقدر انشغالها بالأسئلة الكبرى التى تؤرق العالم. وفى دورته الـ79، التى تقام خلال الفترة من 5 إلى 15 أغسطس الحالى، يبدو مهرجان لوكارنو السينمائى الدولى وكأنه يقدم خريطة سينمائية للقلق الإنسانى المعاصر.
من كوريا الجنوبية إلى البرازيل، ومن رومانيا إلى الهند، تجمع أفلام المسابقة الدولية التى تنافس على الفهد الذهبى هذا العام هواجس مشتركة، رغم اختلاف الثقافات واللغات والجغرافيا. فالعالم الذى تصوره هذه الأفلام يبدو عالما يعيش حالة من عدم اليقين، حيث تتداخل أسئلة الهوية والانتماء والذاكرة والعزلة والخوف من المستقبل.
يأتى الفيلم الكورى «Nowhere To Lay My Eyes» «لا مكان أضع فيه عينى» للمخرج هونج سانج سو ليواصل رحلته فى تأمل العلاقات الإنسانية الهشة، تلك العلاقات التى أصبحت أكثر تعقيدًا فى عالم سريع التغير. وكعادته، لا يقدم سانج سو إجابات جاهزة، بل يترك شخصياته تتخبط فى بحثها عن المعنى والطمأنينة.
الفيلم يعد أحد أكثر أفلام الدورة ترقبًا، فوجود هونج سانج سو فى أى مهرجان يعد حدثًا بحد ذاته، وغالبًا ما تخرج أفلامه بجوائز أو بإجماع نقدى كبير.
ومن أمريكا اللاتينية، يحمل الفيلم البرازيلى «The Riverbank» «ضفة النهر» إخراج ماثيوس فارياس وإينوك كارفاليو، رؤية مختلفة للإنسان وعلاقته بالمكان. فالنهر هنا ليس مجرد موقع جغرافى، بل استعارة للذاكرة وللتغير المستمر، وللشعور بأن الإنسان يعيش دائمًا على ضفة بين ماض يبتعد ومستقبل لا يزال غامضًا.
الفيلم يمثل موجة السينما اللاتينية الجديدة، ويتوقع أن يكون أحد اكتشافات الدورة.
أما الفيلم الرومانى «You Don›t Belong Here»«أنت لا تنتمى إلى هنا» إخراج فلورين شيربان، فيذهب مباشرة إلى واحدة من أكثر قضايا العصر إلحاحًا: سؤال الانتماء. من يملك الحق فى أن يشعر بأنه ينتمى إلى مكان ما؟ وهل يمكن للإنسان أن يصبح غريبا داخل وطنه أو داخل حياته نفسها؟ وهى أسئلة تبدو اليوم أكثر راهنية فى ظل موجات الهجرة والنزوح والتحولات الاجتماعية الكبرى.
وفى قصة الفيلم يُصاب طبيب بصدمة كبيرة عندما يعلم أن الشرطة تشتبه فى تورط ابنه المراهق، الذى ربّاه بمفرده، فى جريمة قتل رجل غجرى مسنّ. يكتشف الطبيب أن ابنه يعيش حياة أخرى ليلًا، حيث يجوب المدينة بدراجته الهوائية ويخرّب السيارات برفقة عصابة من الملثمين.
عُرض فيلم شيربان الروائى الأول «لو أردتُ أن أُصفر، لَصفرتُ» لأول مرة فى المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائى الدولى عام ٢٠١٠، وفاز بجائزة الدب الفضى.
الحضور الهندى الوحيد فى فى المنافسة على الفهد الذهبى بالمهرجان يأتى عبر فيلم رحمت «Rehmat» للمخرج جورفيندر سينج، الذى يواصل انشغاله بالبحث الروحى والهوية الثقافية والأسئلة الوجودية، وفى زمن يتسارع فيه كل شىء، يبدو الفيلم كدعوة للتأمل فى جذور الإنسان وعلاقته بذاته وبمحيطه.
العمل مقتبس من قصص قصيرة للكاتبة البنجابية النسوية أجيت كور، ينسج الفيلم، الذى تبلغ مدته 157 دقيقة، ثلاث قصص مترابطة تدور أحداثها فى البنجاب المعاصرة: شابة تخفى غريبا جريحا عن الشرطة، وعائلة تكافح مع اختفاء سابق، ورجل مسن غامض يعود من إنجلترا مدعيا أنه الله.
الفيلم يعزز الحضور المتزايد للسينما الهندية المستقلة على الساحة الدولية.
ولا تغيب أوروبا عن هذه الخريطة الإنسانية؛ فالفيلم الفرنسى من هنا «D›ici là» إخراج سارة ليونور، يتناول بلغة سينمائية شاعرية فكرة الانتظار وما تتركه من أثر على حياة البشر.
بينما يقدم فيلم «حب جديد شجاع «Brave New Love» إخراج ماريا باك من السويد / الدنمارك/ اليونان، قراءة جديدة للحب فى عالم تتغير فيه القيم وأنماط العلاقات بشكل غير مسبوق.
يروى الفيلم، قصة كيت، وهى معالجة نفسية متزوجة تعمل بالتنويم الإيحائى، وتحاول التوفيق بين كونها قدوة لابنتها وبين عيش علاقة غرامية سرية وعاطفية خارج إطار الزواج.
وهناك الفيلم الكندى «عنف جسد الآخر» Violence du corps de l›autre إخراج دينيس كوتيه أحد أبرز صناع السينما المستقلة فى كندا، المعروف بقدرته على كسر التوقعات وتقديم أعمال تتحدى المشاهد وتدفعه إلى التفكير.
الفيلم بطولة لاريسا كوريفو، فيليب ريبوت، كزافييه بيرجيرون، غابرييل لازور، بيريت روبيتاى.
ومن تشيلى فيلم «الأميرة والحمار» من إخراج كريستوبال ليون وجواكين كوسينا، بطولة أنطونيا جيسن، وأندرو بارجستيد، وفرانسيسكو ميلو، وفيه ديانا أميرة مملكة خيالية، وكما هو الحال فى العديد من الحكايات، توفيت والدتها عند ولادتها. والدها، الملك آرثر، الذى فُجع برحيلها، منع الحب فى جميع أنحاء المملكة.
لكن فى الخامسة عشرة من عمرها، تقع ديانا فى الحب وتبدأ علاقة غرامية سرية مع لالو، شاب من مملكة مجاورة. عندما يكتشف الملك علاقتهما، يثور غضبًا ويطرد الخاطب فورًا. تشعر ديانا باليأس والحيرة، ولا تعرف ماذا تفعل حتى تفرك السوار الذى أهداها إياه لالو. هذه الهدية السحرية تُمكّنها من السفر عبر عوالم وأزمنة موازية بحثًا عن أحلامها وحبها الضائع ويعود المخرج السويسرى البرتغالى باسيل دا كونيا إلى لوكارنو بفيلم جديد يتناول قضايا الهوية والهامش الاجتماعى، وهى الموضوعات التى ميزت أعماله السابقة.
والفيلم الألمانى الأوكرانى «نادرا ما أستيقظ وأنا أحلم» I Rarely Wake Up Dreaming إخراج إيزابيل شتيفر، فيلم يلامس تأثير الحروب والاضطرابات على الذاكرة الفردية، ويعكس جانبًا من القلق الأوروبى الراهن فى ظل التحولات السياسية والإنسانية التى يشهدها العالم.
فيما يفتتح عروض «ساحة جراندى» الفيلم الفرنسى (العيون الخضراء) من إخراج فانى لياتارد وجيريمى ترويل بطولة دوا بوتاربوخ مزوكى، وسيد العلمى، وأناماريا فارتولومى، وأركادى راديف، وعمر الجباعى.
وتدور أحداثه حول شايا، البالغة من العمر 11 عامًا، تعيش مع عائلتها فى منطقة لاند، على شاطئ البحر. عندما يعلمون أنهم سيُطردون من منزلهم، يدخل شقيقها الأكبر نور فى سبات عميق وغامض. ستفعل شايا كل ما فى وسعها لإيقاظه، حتى أنها ستغوص فى أحلامه للعثور عليه.
وفى نفس القسم هناك الفيلم الفرنسى الامريكى «فى حضن الله» للمخرج بيتر برونر، بطولة كاليب لاندرى جونز، وإنديا مارى كروس، ونيك ستال، ومينا سوفارى، وهو مستوحى من أحداث حقيقية، ويروى قصة قس شاب يمر بشتاء قارس فى بلدة صغيرة بتكساس، حيث تواجه مهمته فى مساعدة المشردين مقاومة من رعيته، كاشفًا عن تحيزات متأصلة. وفيلم وايلد آت هارت، من إخراج ديفيد لينش، هو فيلم طريق سريالى ذو طابع قوطى جنوبى. الفيلم مقتبس من رواية بارى جيفورد، ويروى قصة الحبيبين سايلور (نيكولاس كيج) ولولا (لورا ديرن) اللذين يواجهان مصيرا مأساويا، وهما يهربان من قتلة مأجورين استأجرتهم والدة لولا المتسلطة. وقد فاز الفيلم بجائزة السعفة الذهبية فى مهرجان كان السينمائى. وفيلم «أنا آخر»، أحدث أفلام الكاتب والمخرج الألمانى فيليكس رانداو، المعروف بفيلمه «الرجل الجليدى».
يشارك فى بطولة الفيلم كلايس بانج وفاليرى باتشنر. تدور أحداث الفيلم فى خريف عام ١٩٥٢، حيث يروى قصة الصحفية المخلصة هيدا وزوجها وينفريد، وهما ينصبان كمينًا لفيليكس كيرستن، المعالج السابق لهينريش هيملر، قائد قوات الأمن الخاصة النازية، على متن قطار متوجه إلى أوسلو.
وفيلم الدعوة هو فيلم كوميدى درامى أمريكى، من إخراج أوليفيا وايلد، وهو مقتبس من الفيلم الإسبانى «الناس فى الطابق العلوى» (2020) ويشارك فى بطولته وايلد إلى جانب سيث روجن وبينيلوبى كروز وإدوارد نورتون.
المثير فى اختيارات لوكارنو هذا العام أن معظم الأفلام، رغم اختلاف موضوعاتها، تشترك فى الإحساس نفسه: شعور الإنسان بأنه يقف على أرض متحركة، وأن العالم الذى عرفه يتغير بسرعة أكبر من قدرته على الفهم أو التكيف.
وهنا تكمن أهمية مهرجان لوكارنو. فهو لا يقدم السينما بوصفها وسيلة للترفيه فقط، بل باعتبارها أداة لفهم العالم. ولهذا ظل المهرجان، على مدار عقود، واحدًا من أهم المنصات التى تلتقط مبكرًا التحولات الفكرية والاجتماعية والسياسية التى ستصبح لاحقًا جزءًا من الخطاب الثقافى العالمى.
فى دورة 2026، لا تبدو أفلام المسابقة الدولية مجرد أعمال تتنافس على جائزة «الفهد الذهبى»، بل تبدو أشبه برسائل قادمة من أنحاء مختلفة من العالم، تقول جميعها شيئًا واحدًا: إن الإنسان المعاصر، رغم كل التقدم التكنولوجى، لا يزال يبحث عن المكان الذى ينتمى إليه، وعن معنى وجوده، وعن طريقة للتصالح مع عالم يزداد اضطرابًا يومًا بعد يوم.
ومن هنا، يصبح مهرجان لوكارنو أكثر من مهرجان سينمائى؛ إنه مرآة للعالم، وخريطة للقلق الإنسانى فى زمن لا يتوقف عن طرح الأسئلة.



0 تعليق