ماذا حدث للأغنية المصرية؟.. مدحت العدل: العجز على جميع المستويات.. أشرف عبد الرحمن: الذكاء الاصطناعي وراء الانهيار.. ومصطفى حمدي: للمهرجانات تأثير سلبي - المدينة برس

فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم ماذا حدث للأغنية المصرية؟.. مدحت العدل: العجز على جميع المستويات.. أشرف عبد الرحمن: الذكاء الاصطناعي وراء الانهيار.. ومصطفى حمدي: للمهرجانات تأثير سلبي - المدينة برس

شهد الوسط الغنائي المصري في السنوات الأخيرة حالة ملحوظة من التخبط الفني والجدل المتزايد، متأثر بموجة عارمة من الانتقادات التي وجهها النقاد والجمهور على حد سواء لمستوى الشعر الغنائي، وتجلت الأزمة في حالة  من الضعف المضموني والجمالي التي سيطرت على كتابات العديد من الشعراء، جراء تفشي ظاهرة "الاستسهال" والبحث عن تصدر "الترند" والنجاح السريع، دون التفات إلى تقديم قيمة فنية ذات معنى حقيقي أو مضامين عميقة تثري الوجدان، وهو ما أسفر بدوره عن انتشار حالة حادة من الفقر الفني في المعاني والأفكار المطروحة عبر الساحة الغنائية.

تجسدت هذه الأزمة بوضوح مع إطلاق عدد من أبرز نجوم الغناء في مصر والوطن العربي لألبوماتهم الغنائية الجديدة خلال الأسابيع القليلة الماضية؛ وهي الأعمال التي كان الشارع والجمهور ينتظرونها على أحر من الجمر، غير أن المفاجأة تمثلت في اتسام كلمات تلك الأغنيات بتكرار نفس الموضوعات المستهلكة، وبمصطلحات تتسم بالسطحية الشديدة، مما أثار موجة عارمة من الجدل والتباين بين صفوف المعجبين والنقاد الموسيقيين.

وتزداد علامات الاستفهام تعقيدًا بالنظر إلى أن هؤلاء المطربين الكبار تمتلك أسماؤهم ومكانتهم القدرة على انتقاء أفضل النصوص وأجود النتاجات الشعرية الغنائية من شتى بقاع الوطن العربي ومن مختلف المدارس والاتجاهات، مما يفتح الباب واسع أمام تساؤلات جوهرية تفرض نفسها على الساحة، فهل تعكس هذه الركاكة المنسوب الحقيقي والمستوى الفني الفعلي للكلمة والغناء في مصر حاليًا، أم أن اللجوء إلى هذه النصوص السطحية بات خيار إنتاجي وفني متعمد لمواكبة موجات السوشيال ميديا و"ركوب الترند" على حساب الجودة والقيمة الفنية؟

وتحدثت "موقع مولانا" مع عدد من الشعراء ونقاد الموسيقي لكشف أبعاد هذه الأزمة فى الأغنية المصرية بالسنوات الأخيرة

مدحت العدل: الساحة مليئة بالمواهب.. والأزمة تكمن في انخفاض معايير الاختيار وتدني ثقافة بعض المطربين

نفى السيناريست والشاعر مدحت العدل وجود أي نقص أو عجز في أعداد الشعراء الموهوبين القادرين على صياغة كلمات راقية، مؤكدًا أن المشكلة الأساسية والسبب الجوهري لتراجع حضور الكلمة الشعرية ذات القيمة يكمن في هبوط المعايير الفنية واختلاف ذائقة الاختيار لدى قطاع عريض من المطربين في الوقت الراهن.

وأوضح العدل أن الساحة الفنية لا تزال تمتلك شعراء يمتلكون موهبة استثنائية، ويسطرون نصوصا غنائية على درجة عالية من الجودة والجمالية الفنية، غير أن التدني الملحوظ في المستوى الثقافي لعدد كبير من المغنين الجدد أصبح عائقا رئيسيا في تحديد نوعية الأغاني المطروحة، إذ بات الفنان يختار تلقائيًا ما يتناسب فقط مع حدود معرفته وثقافته ورؤيته السطحية للأشياء، وهو ما ينعكس سلبًا على المنتج الغنائي النهائي.

وعقد العدل مقارنة بين الحاضر والماضي، مستشهدًا برواد الفن وأساطين الغناء العربي، وفي مقدمتهم كوكب الشرق أم كلثوم والعندليب عبد الحليم حافظ، مشيرًا إلى أن رموز العصر الذهبي كانوا يتسلحون بخلفية ثقافية واسعة مكنتهم من انتقاء النصوص الشعرية بدقة، بل وكانوا يشاركون بوعي في مناقشة أدق التفاصيل اللغوية وتقديم المقترحات والتعديلات على الكلمات قبل الدخول إلى استوديوهات التسجيل، وهو ما أثمر عن ولادة أعمال غنائية خالدة عابرة للأجيال ولا تزال تعيش في وجدان المستمعين حتى يومنا هذا.

وأشار العدل إلى أن غالبية المطربين المتواجدين على الساحة الآن يفتقرون إلى تلك الخلفية الثقافية التي تتيح لهم القدرة على التمييز الفني الواعي بين النص الراقي البليغ والنص العادي أو الهابط، مما أدى إلى تغير معايير الجودة بين الأمس واليوم، وشدد على أن أصل المشكلة لا يتوقف عند حدود الشعراء، بل يكمن لدى الجهة التي تنتقي الكلمات وتملك سلطة القرار النهائي في تقديمها للجمهور.

وأكد العدل أن بعض الشعراء الكبار قد يضطرون أمام متطلبات السوق الملحة ورغبات المطربين التجارية إلى كتابة نصوص تتماشى مع السائد، وذلك رغبة منهم في ضمان الاستمرارية والتواجد في الساحة الفنية، وهو ما قد يدفعهم إلى الابتعاد عن المستوى الذي يستطيعون تقديمه إذا توفرت لهم الظروف المناسبة.

مدحت العدل 
مدحت العدل 

أشرف عبد الرحمن: انتشار أغانى المهرجانات واستخدام الـ AI سبب "سطحية" الشعر الغنائي

بينما أكد الدكتور أشرف عبد الرحمن، أستاذ النقد الموسيقي بأكاديمية الفنون، أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال إصدار حكم مطلق أو تعميم قاطع يقضي بأن الشعر الغنائي في الوقت الراهن يمر بحالة من الضعف المطلق، موضحًا أنه حرص مؤخرا على الاستماع لأحد الألبومات الغنائية الحديثة التي أثارت حالة واسعة، مؤكدا أن الألبوم تضمن بالفعل أكثر من أغنية نالت إعجابه واستحسانه على المستوى الفني. 

وأرجع أستاذ النقد سبب حالة الفقر الفني التي بات يستشعرها المتابع للمشهد الموسيقي، وانتشار الكلمات السطحية إلى تشكل نمط جديد من الذوق العام لدى الشارع، وبناء على هذا التحول، يسعى العديد من الشعراء لمسايرة الأذواق السائدة حاليًا، لا سيما مع الانتشار الكثيف لأغاني المهرجانات خلال السنوات الأخيرة؛ إذ يتوهم الشعراء أن هذا هو المنتج الفني الذي يبحث عنه المستمع تحت شعار أن "الجمهور يريد ذلك"، معتقدين خطأ أنهم يقدمون لونا غنائيا شعبيا، بينما هو في حقيقته لا يمت للغناء الشعبي بأي صلة.

وأضاف عبد الرحمن أن كثيرا من كتاب الأغنية باتوا يعتقدون أن اعتماد هذه الكلمات السطحية يقربهم أكثر من وجدان الشارع، باعتبار أن الأغنية تعتمد على كلمات سهلة ومباشرة وقريبة من منطق الأعمال التي تتصدر منصات التواصل الاجتماعي وتتحول إلى "ترند".

وكشف الناقد عن أبعاد أخرى لتفاقم الأزمة، مشيرًا إلى لجوء بعض الكتاب في الفترة الأخيرة إلى الاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي لكتابة النصوص الغنائية في بعض الأعمال؛ حيث يكتفي الكاتب بتوجيه أوامر للبرنامج يطلب فيها "تأليف أغنية شعبية"، لتقوم تلك البرامج بالصياغة فوريًا، ورغم وصفه لهذه الظاهرة بالمؤسفة في عالم التأليف، إلا أنه شدد على صعوبة الجزم بشكل قاطع وحاسم بشأن ما إذا كان النص الغنائي مصنوعًا بواسطة برامج الـ AI، لذلك لا يمكن توجيه أصابع الاتهام لأي طرف. 

وأكد عبد الرحمن أن المستوى الإبداعي العام لدى الشعراء شهد تراجعا ملموسا مقارنة بالمراحل السابقة، موضحا أن الأسماء التي تكتب لكبار نجوم الساحة الغنائية في مصر والوطن العربي، أمثال عمرو دياب وتامر حسني وغيرهما، هي ذات الأسماء التي تتكرر سنويا دون تجديد يذكر أو ضخ دماء جديدة في شرايين الكتابة الغنائية منذ عدة سنوات.

وفيما يتصل بالتوجه السائد نحو إنتاج أغنيات سريعة تتناسب مع أجواء الصيف والرقص في الحفلات والمهرجانات الغنائية، أوضح أستاذ النقد الموسيقي أن هذا النمط لا يتعلق إطلاقًا بجودة الكلمات أو مضمونها، بل يرتبط بالدرجة الأولى باللحن والإيقاع المستخدم، وهي ما تعرف بالـ "موسيقى الإيقاعية" التي تمتلك جذورا طويلة وممتدة في التاريخ الموسيقي لمصر والوطن العربي وليست بالظاهرة المستحدثة، غير أن الأغنية الإيقاعية أصبحت هي الأكثر جذبًا وشعبية في الوقت الراهن، بعدما تراجع نمط الأغنية الطربية أو الأغنية ذات الموضوعات الفكرية والإنسانية العميقة ولم تعد مرغوبة بالشكل السابق، ليحل محلها السائد والمسيطر والمتمثل في الأغنية الخفيفة التي يراها البعض سطحية، وهو ما يعود بالأساس إلى تعاقب الأجيال واختلاف أذواقهم واهتماماتهم الفنية.

وشدد الناقد على أن هذه "المحنة" التي تمر بها الكلمة في الأغنية المصرية ليست وليدة الساعة أو ظاهرة نبتت هذا العام، بل هي نتاج تراكمات طويلة ونشاط متواصل لمنحنى هابط شهدنا فيه ضعفًا تدريجيا في المعاني، وشحًا في الأفكار، وغلبة للسطحية الشديدة.

وحول المسألة التصنيفية، أكد عبد الرحمن أن أغاني المهرجانات لا يمكن تصنيفها كأغانى شعبية، فالغناء الشعبي له مواصفات علمية ومقاييس فنية محددة لا تتوفر في المهرجانات، وأشار إلى أن آخر المطربين الذين يمكن القول بثقة إنهم يقدمون أغنية شعبية بملامحها الحقيقية هو الفنان "حكيم"، في حين أن المهرجانات تمثل لونا صوتيا وثقافيا مختلفا تمامًا، رغم الانزلاق الإعلامي المتكرر بالإشارة إليها على أنها غناء شعبي، ولفت الناقد إلى أن الأغنية الشعبية باتت تكاد تكون مندثرة في مشهدنا الحالي مع غياب المطرب الشعبي بمفهومه الفني الدقيق، مبينا أن أقرب الأصوات المتواجدة حاليًا لتقديم اللون الشعبي هما رضا البحراوي وأحمد شيبة، وذلك بفضل تمسكهما بتقديم المواويل الشعبية. 

وعن فرص وجود حلول عملية لإعادة الشعر الغنائي إلى مساره الصحيح، عبر عبد الرحمن عن استبعاده الشديد لإمكانية إصلاح الأوضاع الحالية في المدى القريب، مستندًا في ذلك إلى أن ثقافة الاستماع قد تغيرت، حيث لم يعد أحد من المستمعين يركز في تفاصيل الكلمات أو مضامينها، ناهيك عن أن معظم الشباب يتجهون نحو الاستماع إلى الأغاني الغربية، بعدما أصبحت الأغنية المصرية غير قادرة على جذبهم أو ملء شغفهم الموسيقي، لا سيما مع اتساع قاعدة الملتحقين بمدارس اللغات وتشكيل ثقافتهم وفكرهم وفق أنماط غربية. 

وأكد أستاذ النقد أن التغيرات التي طرأت على جدار الشعر الغنائي قد وقعت بالفعل وصارت واقعًا، مشبها الوضع بما حدث تاريخيًا للموشحات والأدوار الغنائية القديمة التي اندثرت ولم تنجح محاولات إعادتها للواجهة مرة أخرى، مشيرًا إلى أنه رغم الهجوم الشديد والاعتراضات التي واجهت "الطقاطيق" الخفيفة التي قدمها الموسيقار سيد درويش في عصره، إلا أنها نجحت نجاح باهر وشكلت نقطة تحول، مما يؤكد أن كل جيل يملك مقتضياته وفنونه وأساليبه الخاصة. 

وأوضح عبد الرحمن أن المطلوب حاليًا ليس الرجوع بالموسيقى إلى الخلف للبحث عن العمق المفقود، بل إن الأمل يكمن في الارتقاء بالألوان والأشكال الغنائية المعاصرة عبر تقديم الشعراء لكلمات جيدة بأسلوبهم الحديث دون الانفصال عن روح عصرهم.

 أشرف عبد الرحمن 
 أشرف عبد الرحمن 

مصطفى حمدي: القاموس التقليدي استهلك.. ولا يتحمل الشعراء المسؤولية وحدهم

من جانبه، اختلف الناقد الموسيقي مصطفى حمدي مع فكرة وجود تراجع حقيقي في مستوى الكلمة الشعرية، مؤكدًا أن القضية أكثر تعقيدًا من مجرد الحديث عن ضعف النصوص الغنائية، مؤكدًا إن المشكلة لا تتمثل في ضعف الكلمات، وإنما في أن القاموس الغنائي التقليدي استُهلك على مدار سنوات طويلة، الأمر الذي دفع عددًا من الشعراء إلى البحث عن مفردات جديدة، بعضها تأثر بموجة أغاني المهرجانات، واتجه إلى استخدام كلمات أكثر مباشرة وجرأة، على حساب الصورة الشعرية التي اعتادها الجمهور في فترات سابقة.

وأضاف أن هذا التحول لا يعني بالضرورة أن الكلمات أصبحت سيئة أو متشابهة، مشيرًا إلى أن الساحة الغنائية لا تزال تضم عددًا كبيرًا من الشعراء الذين يمتلكون مفردات مختلفة وأساليب متنوعة في الكتابة، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في اتجاه عدد من المطربين إلى اختيار النوع نفسه من الأغنيات، والاعتماد على القاموس ذاته، رغبةً في تحقيق الانتشار ومواكبة ما يفرضه سوق الغناء.

وأوضح أن تأثير المهرجانات على سوق الأغنية دفع كثيرًا من المطربين إلى السير في الاتجاه نفسه، وهو ما جعل الجمهور يشعر بوجود تشابه في الأعمال المطروحة، رغم أن الشعراء أنفسهم قادرون على تقديم نصوص أكثر تنوعًا واختلافًا.

وأكد حمدي أن مسؤولية المشهد لا تقع على عاتق الشعراء وحدهم، بل يتحمل المطربون جانبًا كبيرًا منها، باعتبارهم أصحاب القرار النهائي في اختيار الأغنيات التي تطرح للجمهور، مشددًا على أن جودة النصوص لا تزال موجودة، لكنها تحتاج إلى من يمنحها الفرصة للوصول إلى المستمع.

 مصطفى حمدي 
مصطفى حمدي

وأشار الناقد الموسيقي إلى أنه لا يمكن حصر الأمر في أسماء بعينها، موضحًا أن معظم المطربين يمرون بالمراحل نفسها في اختياراتهم الفنية، فتأتي بعض الأغنيات أحيانًا باختيارات بسيطة أو ساذجة، بينما تنجح أعمال أخرى في تقديم مستوى أفضل، وهو ما يجعل القضية مرتبطة بطبيعة الاختيارات أكثر من ارتباطها بتراجع مستوى الكلمة الشعرية نفسها.

 

نقلا عن العدد الورقي

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق