عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم عبدالملك المخلافي يكتب: ثورة 23 يوليو… كيف كتبت مصر صفحة خالدة في ذاكرة اليمنيين؟ - بوابة المدينة برس
نشر في: الأربعاء 29 يوليه 2026 - 11:17 م | آخر تحديث: الأربعاء 29 يوليه 2026 - 11:18 م
* نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية اليمني الأسبق
ليست كل الثورات تبقى داخل حدود أوطانها، فبعضها يعبر الجغرافيا ليعيد تشكيل تاريخ شعوبٍ وأممٍ أخرى. ومن بين تلك الثورات، تبرز ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952 بوصفها واحدة من الثورات العظيمة التي تجاوز أثرها حدود مصر، لتترك بصمتها العميقة في تاريخ اليمن الحديث، حتى أصبح من العسير على أي مؤرخ منصف أن يروي قصة اليمن المعاصر دون أن يتوقف طويلاً عند الدور الذي قامت به مصر، وثورة 23 يوليو بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر، في تحريره من الإمامة والاستعمار، وفي وضع اللبنات الأولى لدولته الحديثة.
ولذلك، فإن اليمنيين لا ينظرون إلى ذكرى ثورة يوليو بوصفها مناسبة وطنية مصرية فحسب، بل يستحضرونها باعتبارها محطة مفصلية في تاريخهم هم أيضاً. فهي الثورة التي مدت يدها إلى اليمن قبل أن تطأ أقدام جنودها أرضه، وحملت إليه رسالة التحرر قبل أن تحمل إليه السلاح، وفتحت أرضها أمام الأحرار من أبنائه، ووضعت الخطط لانعتاقه منذ الأشهر الأولى للثورة، كما فتحت أمام أبنائه أبواب العلم قبل أن تشارك في الدفاع عن جمهوريتهم.
لقد كانت ثورة يوليو، منذ أيامها الأولى، أكثر من تغيير في نظام الحكم في مصر؛ كانت مشروعاً عربياً شاملاً يؤمن بأن حرية الأمة لا تتجزأ، وأن نهضة مصر لا يمكن أن تنفصل عن نهضة محيطها العربي. وكان الزعيم جمال عبد الناصر يدرك أن اليمن ليس بلداً بعيداً عن مصر، بل عمقاً استراتيجياً لأمنها القومي، وأن البحر الأحمر لا يكون آمناً إذا بقي اليمن أسيراً للعزلة أو خاضعاً لمشروعات معادية لطموحات الأمة العربية.
في ذلك الوقت، كان شمال اليمن يرزح تحت حكم الإمامة، وهو نظام أغلق أبواب البلاد في وجه العصر، وقيد التعليم، وأبقى المجتمع بعيداً عن حركة النهضة التي شهدها العالم. ومع ذلك، لم تنتظر مصر اندلاع الثورة اليمنية حتى تبدأ دورها؛ فقد استقبلت الطلاب اليمنيين في جامعاتها، وأوفدت المعلمين والخبراء، وفتحت إذاعتها وصحافتها ومنابرها الثقافية أمام القضية اليمنية، إيماناً منها بأن بناء الإنسان يسبق بناء الدولة، وأن تحرير العقول هو الطريق إلى تحرير الأوطان.
وحين اندلعت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962، لم تتردد مصر في الوقوف إلى جانبها. ولم يكن ذلك تدخلاً في شأن داخلي، كما حاول البعض تصويره، بل كان انحيازاً واضحاً إلى حق شعب عربي في الانتقال من حكم الإمامة إلى النظام الجمهوري، ومن العزلة إلى الانفتاح، ومن سلطة السلالة إلى دولة المواطنة، تلبيةً لطلب الشعب اليمني وقيادته الجديدة بمساعدته على الانعتاق.
ودفعت مصر ثمناً باهظاً لهذا الموقف. فقد امتزجت دماء آلاف الجنود المصريين بدماء إخوانهم اليمنيين على جبال اليمن وسهوله، في واحدة من أصدق صور الأخوة العربية وأصدق معاني الانتماء القومي. ولم يكن الجندي المصري يقاتل دفاعاً عن أرض يريد ضمها، أو ثروة يسعى إليها، أو نفوذ يطمح إليه، وإنما كان يؤدي دوراً نبيلاً، ويدافع عن مبادئ ثورة 23 يوليو وعن الفكرة التي آمن بها الزعيم جمال عبد الناصر، وهي أن حرية اليمن جزء من كرامة الأمة العربية، وأن سقوط الجمهورية الوليدة كان سيعني انتصار مشروع يريد إعادة التاريخ إلى الوراء.
وفي الوقت ذاته، كانت مصر تمد يدها إلى جنوب اليمن، حيث كانت عدن ترزح تحت الاستعمار البريطاني. فاحتضنت قوى التحرر الوطني اليمنية، وقدمت الدعم السياسي والإعلامي والعسكري لثورة الرابع عشر من أكتوبر، من خلال “العملية صلاح الدين” التي أطلقتها مصر لتحرير الجنوب حتى تحقق الاستقلال في الثلاثين من نوفمبر 1967. وهكذا صنعت ثورة يوليو إنجازاً ثورياً وإنسانياً وتحريرياً نادراً؛ إذ أسهمت في تحرير شمال اليمن من الإمامة، كما أسهمت في تحرير جنوبه من الاستعمار، لتصبح مصر الدولة الوحيدة التي ارتبط اسمها بتحرير شطري اليمن معاً.
غير أن عظمة الدور المصري لا تكمن في الانتصارات العسكرية وحدها، بل فيما تركه من أثر حضاري عميق. فقبل وبعد أن هدأت أصوات البنادق، بقي صوت المعلم المصري في المدارس، والطبيب المصري في المستشفيات، والمهندس والقاضي والقانوني والخبير المصري في مؤسسات الدولة. وتخرج آلاف اليمنيين في الجامعات المصرية، وتشكل وعي أجيال كاملة على الكتاب المصري، والمناهج المصرية، والثقافة المصرية، حتى غدت القاهرة بالنسبة لليمنيين عاصمة للعلم والثقافة والتنوير، كما كانت عاصمة للتحرر.
ولذلك، فإن أثر المعلم المصري في اليمن لم يكن أقل من أثر الجندي المصري. فالجندي حمى الجمهورية، أما المعلم فبنى الجمهورية. والطبيب لم يعالج المرضى فحسب، بل أسهم في بناء منظومة صحية حديثة، كما شارك الخبراء المصريون في تأسيس مؤسسات الإدارة والقضاء والإعلام والتعليم. لقد جاءت مصر إلى اليمن حاملة السلاح حين اقتضى الواجب، وحاملة الكتاب لبناء المستقبل، وهذه الثنائية هي التي صنعت مكانتها الفريدة في وجدان اليمنيين.
ومن هنا، تبدو الأحكام التي تختزل التجربة المصرية في اليمن في كلفة الحرب وحدها، أحكاماً قاصرة عن فهم التاريخ. فالحروب لا تُقاس بعدد سنواتها ولا بحجم تضحياتها فقط، وإنما تُقاس بنتائجها الاستراتيجية. ولو كانت مصر قد هُزمت، كما يردد خصوم ثورة يوليو، لعادت الإمامة إلى صنعاء، ولما استقرت الجمهورية، ولما وجد الجنوب طريقه إلى الاستقلال، ولما تحققت الوحدة اليمنية. أما الذي حدث، فهو أن مشروع الإمامة سقط، والاستعمار البريطاني رحل، وبقيت الجمهورية، وتوحد اليمن، وقام اليمن الجديد الذي ساهمت مصر في ولادته. وذلك هو الانتصار بمعناه التاريخي العميق.
وقد أثبتت السنوات اللاحقة سلامة رؤية الزعيم جمال عبد الناصر عندما ربط أمن مصر بأمن اليمن. فباب المندب لم يكن مجرد مضيق بحري، بل كان ولا يزال البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، والشريان الذي تتصل عبره قناة السويس بالعالم. وعندما جاءت حرب أكتوبر 1973، برهنت الأحداث أن أمن هذا المضيق جزء لا يتجزأ من معركة مصر، وأن ما أدركه عبد الناصر في ستينيات القرن الماضي لم يكن رؤية عاطفية، بل قراءة استراتيجية سبقت زمانها.
واليوم، بينما يخوض اليمنيون معركتهم ضد المشروع الحوثي الساعي إلى إعادة الإمامة بثوب جديد، يعودون إلى تلك المرحلة من تاريخهم بوعي مختلف. فما كان يُقرأ بوصفه تاريخاً، أصبح يُفهم بوصفه درساً حياً. لقد أعادت محاولة إعادة الحكم السلالي إلى اليمن الاعتبار الكامل للدور الذي قامت به مصر الناصرية، وجعلت اليمنيين يدركون، أكثر من أي وقت مضى، أن مصر لم تكن تدافع عن ثورة سبتمبر وحدها، بل كانت تدافع عن مستقبل اليمن، وعن هوية الدولة الوطنية، وعن أمن المنطقة بأسرها.
ولهذا، فإن مكانة الزعيم جمال عبد الناصر في الوجدان اليمني ليست نتاج خطاب سياسي أو حنين عاطفي، وإنما ثمرة موقف تاريخي بقيت آثاره حية في حياة اليمنيين. فقد رحل الرجال، وتعاقبت الحكومات، وتغيرت السياسات، لكن ما زرعته مصر في اليمن من تعليم وثقافة ومؤسسات، وما قدمته من تضحيات دفاعاً عن الجمهورية، ظل باقياً في ذاكرة الشعب.
وفي كل عام تحل فيه ذكرى ثورة الثالث والعشرين من يوليو، لا يستحضر اليمنيون حدثاً وقع في مصر فحسب، بل يستحضرون صفحة مضيئة من تاريخهم هم أيضاً. فهي الثورة التي ساعدت اليمن على أن يخرج من عصور الإمامة، وأسهمت في تحرير جنوبه من الاستعمار، وفتحت أمام أبنائه أبواب العلم، وشاركت في بناء دولته الحديثة.
ولهذا ستبقى ثورة 23 يوليو، وسيبقى الزعيم جمال عبد الناصر، حاضرين في الضمير اليمني، لأن الشعوب قد تختلف في السياسة، لكنها لا تنسى من وقف معها في لحظات صناعة تاريخها. وقد يكتب المؤرخون تاريخ الدول، أما اليمنيون فقد كتبوا ثورة يوليو في سجل الوفاء، وكتبوا مصر وشعبها وجيشها العظيم في صفحات ذاكرتهم الوطنية، حيث تبقى الأوطان العظيمة بما أعطت، لا بما أخذت.


0 تعليق