سد النهضة.. هل يكفي أن نطمئن أم يجب أن نستعد؟ - المدينة برس

فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم سد النهضة.. هل يكفي أن نطمئن أم يجب أن نستعد؟ - المدينة برس

منذ الإعلان عن مشروع سد النهضة الاثيوبي قبل أكثر من عقد، انقسم الخطاب العام بين من يرى أن السد لن يسبب ضررًا يُذكر، ومن يراه تهديدًا وجوديًا لمصر، وبين هذين الطرفين ضاعت مساحة العقل، وهي المساحة التي ينبغي أن يقف فيها العلم، لا العاطفة، والحقائق، لا الأمنيات.


فالقضية ليست دفاعًا عن رأي خبير أو نقدًا لرأي آخر، وإنما هي قضية أمن قومي تتعلق بشريان الحياة الوحيد لدولة يعيش أكثر من مائة مليون من أبنائها على نهر يوفر ما يزيد على 95% من مواردها المائية المتجددة، التي تعاني فقرا مائيا قياسا بالمستويات العالمية. وإذا كانت الجيوش تحمي الحدود، فإن المياه تحمي الوجود نفسه.


ولذلك، فإن السؤال الأول الذي ينبغي أن يطرح ليس: هل سد النهضة الاثيوبي خطر؟ وإنما: ما حجم الخطر؟ وفي أي ظروف يظهر؟ وكيف يمكن الاستعداد له؟


لقد أصبح السد حقيقة قائمة، واكتملت معظم مراحله الرئيسية، ولم يعد الجدل حول منعه ذا جدوى عملية. لكن انتهاء البناء لا يعني انتهاء الأزمة، بل ربما تكون الأزمة الحقيقية قد بدأت مع مرحلة التشغيل السنوي، حيث تصبح إدارة المياه، لا الخرسانة، هي العامل الحاسم.


وهنا يبرز سؤال جوهري: هل توجد حتى الآن قواعد تشغيل ملزمة قانونًا بين مصر والسودان وإثيوبيا؟ والإجابة أن الاتفاق الشامل والملزم الذي ينظم التشغيل، خاصة أثناء سنوات الجفاف والجفاف الممتد، لم يتحقق بعد، وهذه ليست مسألة سياسية فحسب، بل قضية هندسية وهيدرولوجية تمس الأمن المائي مباشرة.


ويثار أيضًا سؤال لا يقل أهمية: هل صحيح أن السد لا يستهلك المياه لأنه مخصص لتوليد الكهرباء؟ علميًا، السد لا يستهلك المياه كما تستهلكها الزراعة، لكنه يتحكم في توقيت مرورها، ويحتجز كميات كبيرة داخل الخزان، ويؤثر في نظام الجريان الطبيعي للنهر، خاصة في سنوات الملء أو انخفاض الإيراد. والفارق بين الاستهلاك والتحكم في التدفق فارق جوهري، لكنه لا يعني انعدام التأثير.


ثم ماذا عن سنوات الجفاف؟
هنا يكمن بيت القصيد. ففي السنوات الرطبة قد يكون أثر السد محدودًا، أما إذا تزامن انخفاض الأمطار في الهضبة الإثيوبية مع انخفاض المخزون في السد العالي، فإن أي قرارات تشغيل أحادية قد تضاعف الضغوط على دول المصب. ولذلك تصر مصر منذ سنوات على وجود آلية واضحة لتقاسم أعباء الجفاف، وهي مطالبة تستند إلى مبادئ القانون الدولي للمجاري المائية.


ومن الأسئلة التي تستحق مناقشة علمية أيضًا: هل تكفي المتوسطات السنوية للحكم على الوضع؟ والإجابة بالنفي؛ لأن إدارة المياه لا تبنى على المتوسط، بل على السيناريو الأسوأ. فالطبيب لا يطمئن مريضه اعتمادًا على متوسط ضغط الدم خلال العام، وإنما يهتم بأعلى قراءة قد تهدد حياته، وكذلك يفعل خبراء المياه.


ويطرح البعض فرضية انهيار السد. والحقيقة العلمية أن إطلاق أحكام قاطعة بانهياره أو باستحالته يحتاج إلى بيانات هندسية دقيقة غير متاحة للرأي العام. لذلك فإن التهويل هنا لا يقل ضررًا عن التهوين. الواجب هو المطالبة بالشفافية، والمتابعة الفنية المستمرة، والاستعداد لجميع الاحتمالات، دون بناء المواقف على الظنون.


لكن حتى إذا تجاوزنا ملف السد نفسه، فهناك تحدٍ أكبر يفرض نفسه، هو التغير المناخي. فالتقارير الدولية تشير إلى أن شرق أفريقيا مرشح لموجات أكثر حدة من الجفاف والفيضانات، وهو ما يجعل إدارة النيل أكثر تعقيدًا في العقود المقبلة. وإذا اجتمع سد ضخم، مع تغير مناخي، مع نمو سكاني متسارع، فإن المعادلة تصبح أكثر حساسية من أي وقت مضى.


ومن هنا، فإن حماية مصر لا تكون فقط بالمفاوضات، وإنما أيضًا بإعادة بناء منظومة المياه كلها.
هل وصلنا إلى أقصى طاقة في تحلية مياه البحر؟ وهل يمكن مضاعفة الاعتماد على إعادة استخدام المياه المعالجة؟ وهل حقق تحديث نظم الري النتائج المأمولة؟ وهل ما زالت زراعات تستهلك كميات ضخمة من المياه دون عائد اقتصادي يتناسب مع هذا الاستهلاك؟ وهل أصبح الوعي المجتمعي بقيمة الماء جزءًا من ثقافتنا اليومية؟


إن كل متر مكعب نوفره اليوم قد يعادل مترًا مكعبًا نعجز عن الحصول عليه غدًا. ولعل من الضروري كذلك إنشاء منظومة وطنية مستقلة للرصد والتحليل تضم خبراء الجامعات، ومراكز البحوث، والهيئات الفنية، بحيث تقدم تقييمات دورية للرأي العام وصانع القرار، بعيدًا عن المبالغات أو التطمينات غير المدعومة بالأرقام.


كما ينبغي التوسع في استخدام الأقمار الصناعية، والذكاء الاصطناعي، والنماذج الرقمية للتنبؤ بالإيراد المائي، وربط ذلك بخطط الزراعة والطاقة والصناعة، حتى تتحول إدارة المياه إلى إدارة استباقية لا رد فعل متأخر.


ويبقى السؤال الذي لا يجوز أن يغيب: هل نملك خطة وطنية معلنة للتعامل مع سيناريو جفاف ممتد لخمس أو سبع سنوات إذا تزامن مع تشغيل السد بأقصى طاقته؟ فإذا كانت الإجابة نعم، فطمأنة الناس تكون بعرض ملامح هذه الخطة. وإذا كانت الإجابة لا، فإن الوقت لم يعد يسمح بالتأجيل.


لقد علمتنا التجارب أن الأمم لا تنهزم فقط حين تفتقر إلى الموارد، وإنما حين تتأخر في إدراك حجم التحديات. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نطمئن بلا استعداد، أو نخاف بلا خطة.


قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾. وإذا كان إعداد القوة في زماننا يشمل السلاح والاقتصاد، فإنه يشمل كذلك حماية كل قطرة ماء، لأنها أساس الحياة، وأصل العمران، وضمان بقاء الدولة.


إن معركة المياه ليست معركة ضد شعب، وإنما معركة من أجل المستقبل؛ مستقبل تُدار فيه الأنهار بالتعاون لا بالهيمنة، وبالقانون لا بفرض الأمر الواقع، وبالعلم لا بالشعارات. ومهما اختلفت تقديرات الخبراء، يبقى اليقين الوحيد أن الأمن المائي لا يحتمل المجازفة، وأن الاستعداد المبكر أقل كلفة من علاج أزمة بعد وقوعها.

وأرى أن هذا الملف يحتاج إلى جزء ثانٍ بعنوان: "سد النهضة بعد اكتماله.. عشرة أسئلة محرجة تنتظر إجابات علمية"، يتناول بالتفصيل سعة التخزين الفعلية، وقواعد التشغيل، وسنوات الجفاف، وسلامة السد، وتأثيره على السد العالي، واحتمالات نقص الكهرباء والزراعة، مع الاستشهاد بتقارير دولية وأبحاث علمية منشورة، حتى يكون النقاش قائمًا على الأدلة لا الانطباعات.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق