عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم بلا ماء ولا كهرباء.. غزة تنصهر تحت أشعة الشمس الحارقة - بوابة المدينة برس
تحقيق - ليلى محمد:
نشر في: الخميس 23 يوليه 2026 - 7:33 م | آخر تحديث: الخميس 23 يوليه 2026 - 7:33 م
شهادات حية لـ«الشروق»: خيام النازحين تتحول إلى أفران.. وأهالى القطاع يلاحقون الظل طوال النهار
• محسن: درجات الحرارة داخل الخيام ترتفع 10 درجات عن الحرارة خارجها
• - لافى: نحتاج بشكل عاجل لإدخال كرفانات مجهزة بوسائل تبريد
• وزيرة الصحة الفلسطينية السابقة: القدرة على الاستجابة للإجهاد الحرارى محدودة للغاية
• - الباشا: موجة الحر فى غزة كارثة إنسانية مركبة
فى أوروبا، تُطلق الحكومات الإنذارات المبكرة مع كل موجة حر، وتفتح مراكز التبريد، وتوصى المواطنين بالبقاء فى أماكن مكيفة، والإكثار من شرب المياه، وتجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس، فى محاولة للحد من الخسائر البشرية التى تتسبب فيها درجات الحرارة المرتفعة كل صيف. ورغم هذه الإجراءات، رُصدت أكثر من 1,300 وفاة ارتبطت مباشرة بموجة الحر التى اجتاحت القارة خلال الأسبوع الأخير من الشهر الماضى، فى مؤشر على خطورة الظواهر المناخية حتى فى ظل توافر الإمكانات الصحية والخدمية.
أما فى قطاع غزة، فلا تبدو موجة الحر مجرد ظاهرة مناخية عابرة، بل وجهًا آخر للأزمة الإنسانية التى صنعتها الحرب. فآلاف العائلات تواجه حرارة الصيف داخل خيام مهترئة تحولت إلى ما يشبه الأفران، أو بين أنقاض منازل مدمرة، فى ظل انقطاع الكهرباء، وشح المياه، وانهيار المنظومة الصحية، وغياب أبسط مقومات الحياة.
ومع ارتفاع درجات الحرارة، تتفاقم معاناة السكان نتيجة أزمة المياه الخانقة، واضطرار كثيرين إلى استخدام مياه غير صالحة، بالتزامن مع تراكم النفايات وانهيار شبكات الصرف الصحى، الأمر الذى يهيئ بيئة خصبة لانتشار الأمراض الجلدية والإسهال المائى الحاد، وتكاثر الحشرات والقوارض داخل مخيمات النزوح.
ولا تتوقف تداعيات الحرارة عند تدهور الظروف المعيشية، بل تمتد إلى تهديد مباشر للحياة، مع تسجيل حالات وفاة وإصابات بين الأطفال والنازحين، وتفاقم معاناة المرضى وكبار السن والمصابين بالأمراض المزمنة فى ظل غياب وسائل التبريد ونقص الأدوية والرعاية الصحية. كما يسهم النقص الحاد فى مياه الشرب النظيفة فى ارتفاع معدلات الجفاف، خاصة بين الأطفال، بينما يؤدى الاكتظاظ وانهيار الخدمات الصحية إلى زيادة مخاطر انتشار الأوبئة والأمراض المعدية، لتتحول موجة الحر إلى عامل جديد يضاعف آثار الحرب ويعمق الكارثة الإنسانية فى القطاع.
ويكشف هذا التحقيق الذى أجرته «الشروق»، من خلال شهادات مسئولين وخبراء وسكان من قطاع غزة، كيف تتحول موجات الحر من أزمة موسمية يمكن الحد من آثارها فى دول تمتلك أنظمة إنذار واستجابة وإمكانات للحماية، إلى تهديد وجودى فى قطاع أنهكته الحرب، وأفقدت سكانه القدرة على الاحتماء حتى من حرارة الشمس.
كانت البداية مع شهادة حية للأكاديمى والاعلامى الفلسطينى الدكتور عماد محسن، الذى يقطن فى خيمة بمواصى خان يونس، والذى استهل حديثه قائلا: «الخيمة لعنة؛ فهى لا تقى حر الصيف ولا برد الشتاء، ولا تستر، ولا تصنع سكينة».
وأوضح محسن أن درجات الحرارة ترتفع داخل الخيام شبه المهترئة بمقدار يزيد على 10 درجات مئوية عن درجة الحرارة السائدة خارجها.
وأضاف محسن لـ«الشروق»: «فى ذروة الصيف، تكاد الخيام تشتعل بنا. فلا مكان، ولا مأمن، ولا ظل، ولا مساحة لاستنشاق الهواء فى مخيمات النزوح التى تضيق بقاطنيها».
وتابع: طيلة ساعات النهار، يتنقل سكان الخيام من بقعة ظل إلى أخرى، أينما طاردتهم الشمس، وهم يحاولون الاحتماء منها هنا وهناك، فى ظل ظروف قاسية وبالغة الصعوبة.
أما فيما يخص حال الأطفال وكبار السن داخل أماكن النزوح والمنازل المتضررة، قال محسن إن اللسان يعجز عن وصف حجم الكارثة التى يعيشونها، موضحا أنهم يلهثون من شدة التعرق والعطش والحرارة المرتفعة، فيما تفتك الأمراض بالجميع.
وأشار محسن إلى أن جرعة واحدة من المياه غير الصالحة للشرب قد تؤدى إلى أسبوع كامل من النزلات المعوية، والحاجة إلى المضادات الحيوية ومسكنات الألم على مدار الساعة. لذلك فإن الوضع، فى ظل هذا الارتفاع الكبير فى درجات الحرارة، كارثى بكل المقاييس.
وتروى حنان الصيام، الأم الفلسطينية المقيمة فى منطقة شمال قطاع غزة، معناتهم، قائلة: «أنا من الأشخاص الذين لم يغادروا شمال قطاع غزة خلال موجة النزوح الأولى، عندما وجّه جيش الاحتلال الإسرائيلى السكان إلى التوجه جنوبًا، ولذلك عشت أنا وعائلتى وأولادى أقسى فصول المعاناة فى الشمال.
وأوضحت الصيام لـ «الشروق» أن الحياة داخل الخيام، أو حتى داخل المنازل المتضررة، أصبحت شديدة القسوة. فأغلب منازل غزة تعرضت للقصف، وما تبقى منها أصبح متهالكًا، وقد تنهار جدرانه فى أى لحظة، لذلك يلجأ السكان إلى إغلاق هذه المنازل بشوادر من القماش أو النايلون، وهى تشبه الخيام التى يشاهدها العالم عبر وسائل التواصل الاجتماعى، لكنها تزيد من احتباس الحرارة، سواء داخل الخيمة أو داخل هذه المنازل.
وناشدت الصيام، العالمين العربى والإسلامى، وكل الشعوب التى وقفت إلى جانب الشعب الفلسطينى منذ بداية حرب الإبادة، والتى خرجت فى المظاهرات وأوصلت صوت غزة إلى العالم، أن يستمروا فى دعمهم ومساندتهم.
وقالت الصيام: «نحن نقدر كل الشعوب التى وقفت معنا، كما نقدر للشعب المصرى مواقفه الداعمة، ونثمن جهود الرئيس عبد الفتاح السيسى منذ بداية الحرب، ومساعيه للوصول إلى وقف إطلاق النار، والعمل على إدخال شاحنات المساعدات الإنسانية».
فى الإطار ذاته، بدأ دكتور حسن لافى، الكاتب والأكاديمى الفلسطينى روايته بسرد تفاصيل تجربته الشخصية، عندما تعرض العام الماضى لحالة إغماء بسبب ارتفاع درجات الحرارة، ونُقل إلى المستشفى بعد الاشتباه فى إصابته بجلطة، لكن تبين لاحقًا أنها ضربة شمس نتيجة انعدام أى وسيلة للتبريد. وبقى فى المستشفى ما لا يقل عن عشرة أيام فى العناية الفائقة، مؤكدا أنها كانت من أصعب التجارب التى مر بها خلال فترة الحرب.
وبالانتقال إلى حال أهل القطاع، أكد لافى لـ«الشروق» أن سكان غزة يحتاجون بصورة عاجلة إلى إدخال بيوت وكرفانات مؤهلة ومجهزة بوسائل التبريد، تكون قادرة على حمايتهم من حرارة الشمس، وتوفر لهم مسكنًا آدميًا يقيهم حر الصيف وبرد الشتاء.
كما شدد لافى أن هناك حاجة ماسة إلى إدخال مصادر للكهرباء، مثل الطاقة الشمسية، وإدخال كميات كافية من الوقود، أو مد شبكة كهرباء ولو بصورة مؤقتة، حتى يتمكن المواطن الفلسطينى من تشغيل بعض الأدوات الكهربائية، مثل المراوح أو المكيفات الصحراوية، بما يسهم فى التخفيف من حدة الأزمة.
وأشار إلى أن هناك حاجة إلى ضخ كميات كبيرة من المياه الصالحة للشرب عبر الخطوط القادمة من خارج قطاع غزة، ومنها الخط المصرى الإماراتى الذى يغذى منطقة المواصى، إضافة إلى إدخال المعدات اللازمة لتوسيع عمليات استخراج المياه من الآبار الجوفية.
وأوضح لافى أنه بالفعل بدأت تظهر أمراض مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، أبرزها الطفح الجلدى الذى ينتشر على نطاق واسع بين الأطفال والبالغين، إلى جانب تزايد حالات الأمراض الجلدية، وضربات الشمس، والإجهاد الحرارى، فضلًا عن تفاقم أوضاع المرضى المصابين بالأمراض المزمنة، وخاصة ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب.
وأكد أن الأزمة تزداد تعقيدًا فى ظل شبه انهيار المنظومة الصحية، إذ لا توجد داخل مراكز الإيواء أو مخيمات النزوح الإمكانات اللازمة للتعامل مع هذه الحالات، علمًا بأن الأمر لا يتعلق بيوم أو يومين، وإنما يمتد طوال فصل الصيف.
ويؤكد عدد من المسئولين والخبراء أن ارتفاع درجات الحرارة لم يعد أزمة موسمية، بل بات خطرًا إضافيًا يفاقم آثار الحرب، فى ظل انهيار المنظومة الصحية وشح المياه فى غزة
من جهتها، قالت الدكتورة مى الكيلة وزيرة الصحة الفلسطينية سابقًا لـ «الشروق» إن ارتفاع درجات الحرارة فى غزة لا يمكن النظر إليه باعتباره ظاهرة مناخية فقط، بل هو عامل إضافى يفاقم كارثة إنسانية وصحية غير مسبوقة. فعندما تتزامن موجات الحر مع تدمير المستشفيات والمراكز الصحية، ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، وانقطاع الكهرباء، وشح الوقود اللازم لتشغيل المولدات وأجهزة التبريد، تصبح قدرة القطاع الصحى على الاستجابة للحالات المرتبطة بالإجهاد الحرارى محدودة للغاية.
وتوجهت برسالة إلى المجتمع الدولى، موضحة أن حماية المدنيين حق يكفله القانون الدولى الإنسانى، وأن الأزمة الصحية فى غزة تتطلب تحركًا عاجلًا يتجاوز بيانات القلق، كما أكدت أن هناك حاجة ملحة إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية والطبية بصورة مستدامة، وتأمين الوقود اللازم لتشغيل المستشفيات ومحطات المياه، وإدخال الأدوية والمستلزمات الطبية.
من جهته، أشار الوزير المفوض ومدير إدارة شئون البيئة والأرصاد الجوية بجامعة الدول العربية الدكتور محمود فتح الله إلى أن ما يتعرض له قطاع غزة يمثل واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية وقضايا التدمير والحصار فى التاريخ الحديث، ويشكل وصمة عار فى سجل حقوق الإنسان فى القرن الحادى والعشرين.
بدوره، أكد علوى الباشا، نائب رئيس لجنة الشئون التشريعية والقانونية وحقوق الإنسان فى البرلمان العربى، أن موجة الحر فى غزة ليست ظاهرة مناخية فحسب، بل كارثة إنسانية مركبة، تتفاقم بفعل الحرب والحصار وانهيار الخدمات الأساسية، وعلى المجتمع الدولى أن يتحرك بصورة عاجلة لحماية المدنيين وإنهاء معاناتهم.
كما رأى الدكتور أمجد شموط الرئيس السابق للجنة العربية الدائمة لحقوق الإنسان التابعة لجامعة الدول العربية، أن موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة تُعد من أبرز التحديات التى يواجهها سكان غزة فى المرحلة الراهنة، فى ظل افتقارهم إلى الكهرباء والمياه وكافة الاحتياجات الأساسية واليومية اللازمة للحياة، مشددا على أن الدولة القائمة بالاحتلال يقع على عاتقها مسئولية توفير الاحتياجات الأساسية للسكان المدنيين.
وأشار شموط فى تصريح لـ«الشروق» إلى أن جهود الأمم المتحدة، وإن كانت قائمة، لكنها ما زالت لا ترتقى إلى مستوى التحديات الإنسانية والقانونية التى يواجهها الشعب الفلسطينى فى غزة والضفة الغربية، و هو ما يعكس تقصيرًا واضحًا فى توفير الحماية اللازمة، رغم صدور العديد من القرارات الدولية المنصفة التى لم تجد طريقها إلى التنفيذ.



0 تعليق