قراء ثورة يوليو! - المدينة برس

فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم قراء ثورة يوليو! - المدينة برس

في خمسينيات القرن الماضي، وتزامنًا مع ثورة 23 يوليو 1952، التي تحل ذكراها الرابعة والسبعون اليوم، كان عدد سكان مصر يزيد قليلًا على العشرين مليونًا، وتدرج في الزيادة حتى وصل إلى 26 مليونًا بحلول العام 1960.


وبعيدًا عن السياسة وأجواء الثورة وما قبلها ثم ما بعدها، فإن هذه الحقبة الزمنية تكاد تجسد المرحلة الذهبية في تاريخ دولة التلاوة المصرية بامتياز. خلال هذه السنوات برزت وتوهجت أسماء الجيل الأعظم من القراء مثل: الشيخ مصطفى إسماعيل (تم اعتماده إذاعيًا 1944)، والشيخ محمود خليل الحصري (العام نفسه)، والشيخ عبد الباسط عبد الصمد (1951)، والشيخ محمد صديق المنشاوي (1953) والشيخ محمود علي البنا (1948) والشيخ كامل يوسف البهتيمي (1953).


كانت هذه الأسماء البارزة لاحقة لجيل آخر من المؤسسين العظام بدءًا من: الشيخ محمد رفعت والشيخ علي محمود والشيخ محمد الصيفي والشيخ عبد الفتاح الشعشاعي والشيخ عبد العظيم زاهر والشيخ طه الفشني وآخرين ممن أسسوا الدعائم وقعدوا القواعد.  

 

كثيرون يعتبرون المنشاوي آخر القراء العظام التحاقًا بالإذاعة المصرية، وأن الأمور آلت تدريجيًا من بعده إلى الأسوأ، فلم يلتحق بالإذاعة منذ ذلك العام (1953) إلى اليوم قارئ في موهبته أو موهبة أقرانه في هذه الفترة وما قبلها، حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه الآن من أدعياء وأشباه!


ونحن في عام 2026، لا يزال المصريون، ممن يفهمون في فن التلاوة ويملكون آذانًا واعية، أسرى قراء الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات، ولا يكادون يسمعون سواهم، حتى الأجيال الناشئة لا تزال تتداول عبر المنصات الرقمية تلاوات هؤلاء الأكابر، وتأبى أسماعهم التجاوب مع الأجيال المتأخرة من القراء باستثناءات محدودة جدًا، وتلك الاستثناءات خرجت من عباءة القراء المتقدمين في الأساس، واستلهمت منها إكسير الوجود.


رقميًا هذه مفارقة غريبة تتحدى العقل والمنطق؛ إذ كيف كان هذا مستوى قراء مصر عندما كان عدد سكانها محدودًا، وعندما  تضاعف أكثر من خمس مرات تراجع مستوى القارئ المصري على هذا النحو رغم كل عمليات التنفس الصناعي المبذولة من أجل إعادته إلى الحياة.


بعيدًا عن البكاء على اللبن المسكوب، وتفسير الماء بالماء، وتكرار كلام سبق أن ذكرناه.. فإنه لا سبيل لإعادة دولة التلاوة إلى رشدها المفقود، وتحديدًا حقبة الخمسينيات وما قبلها، وما بعدها بسنوات قليلة، دون الاعتراف -ابتداء- بأعراض المرض وتشخيص أسبابه تشخيصًا دقيقًا، دون التفاف أو مكر أو تماكر أو تحايل. 

 

الاعتراف بالمرض يمثل الخطوة الأولى والجادة لتصويب المسار وتحديد خطة الإصلاح، وبدون ذلك يصبح الأمر أشبه بطبيب يجبر كسرًا دون تقويمه وإعادة الشيء إلى أصله، أو طلاء جدار تستوطنه الشروخ!


أما الخطوة الثانية فتتمثل في إصلاح الذائقة المصرية التي استوطنها فساد كبير حتى أصبحت لا تميز رديئًا من طيب، بل تميل إلى الردئ أكثر وتدفع عن وجوده بضراوة حمقاء وجهل متدفق، وهذا لن يحدث دون إبعاد قراء الواسطة والمحسوبية عن المشهد العام، فلا يتم تكليفهم بتلاوات مباشرة، ولا يتم تصديرهم للجمهور وفرضهم عليه في البرامج المختلفة باعتبارهم أعلامًا قرآنية وكراوين سماوية!


وتتجسد الخطوة الثالثة في إصلاح لجان الاختبارات والتحكيم بالجهات بالمختلفة من الإذاعة والتليفزيون وصولًا إلى المسابقات المعنية ذات الصلة. يكفى أن تعلم أن الملك فاروق هو من أحضر الشيخ مصطفى إسماعيل من الغربية وقدمه للإذاعة، وأن الإذاعة هي التي ذهبت إلى الشيخ محمد المنشاوي في الصعيد ولم تنتظره حتى يأتي إليها في القاهرة.. 

وأن لجان الاختبار في هذا الوقت لم تكن تتنازل أبدًا في حق كتاب الله مهما كانت الإغواءات والإغراءات والإكراميات. كانت النوايا يومئذ صادقة مخلصة لوجه الله، وكان أصحابها يؤمنون أنهم يضطلعون بمهمة عظيمة الشأن.


أما لجان آخر الزمان فهي التي مررت خلال العقود الثلاثة الأخيرة قراء لا يصلحون للقراءة على المقابر، ومنحتهم صكوك الغفران، وأسبغت عليهم ما لا يستحقون، في الوقت الذي حجبت فيه آخرين ممن لا يملكون كارت توصية ولا قربانًا. التفاصيل في هذا الشأن كثيرة مزعجة ومريرة.. ولكن سوف نذكرها عما قريب، فلكل حادث حديث!

منصات التحكيم في المسابقات المختلفة لا يصح أن يعتليها مَن لا يتقنون حفظًا ولا تلاوة، ومَن يمزقون كلام الله في الشوادر والسرادقات كل ممزق، ويفتقدون إلى الحد الأدنى من مقومات قارئ القرآن الكريم. وأخيرًا لا بد من إعادة النظر في الوضع الحالي لنقابة محفظي وقراء القرآن الكريم وقانونها المؤسِس وإصلاح ما بهما من عوار، وهو كثير جدًا ومعيب جدًا.

هذه شهادة لوجه الله، لا نبتغي من ورائها جزاءً ولا شكورًا، وإن غضضتم الطرف عنها وتجاهلتموها، فستذكرون ما أقول لكم، وأفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق