عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم الكوتش هو البطل، عندما غيّر المخرج نتيجة الفيلم - المدينة برس
في كرة القدم، قد يمتلك الفريق أفضل اللاعبين، لكن المباراة يحسمها أحيانًا رجل يقف خارج الخطوط، تغيير المدرب قد يقلب موسمًا كاملًا، ويحول فريقًا مهددًا بالهبوط إلى بطل للدوري.
والسينما تعرف هذه القاعدة جيدًا، فهناك أفلام دخلت التاريخ، لكن قليلين يعرفون أنها بدأت مع مخرج، وانتهت على يد مخرج آخر، أفلام تغيّر فيها "الكوتش"، بينما بقي اللاعبون أنفسهم، لتصبح النتيجة في النهاية واحدة من كلاسيكيات السينما المصرية.
فيلم "الناصر صلاح الدين"
أشهر هذه الحكايات كانت فيلم "الناصر صلاح الدين"، الجميع ينسب الفيلم إلى يوسف شاهين، لكن الحقيقة أن صاحب الحلم كان المخرج عز الدين ذو الفقار، منذ نجاح "رد قلبي" كان يحلم بتقديم فيلم عن القائد صلاح الدين الأيوبي، وكتب الفكرة، وشارك في إعداد السيناريو، وأقنع المنتجة آسيا داغر بالمشروع، حتى أصبح بالنسبة إليه مشروع العمر.
لكن المرض كان أقوى من أحلامه، اشتدت حالته الصحية قبل بدء التصوير، وأصبح استمرار العمل مستحيلًا، فكان القرار بسحب الفيلم منه، والمفارقة أن عز الدين نفسه هو من اختار من سيكمل المهمة، إذ رشح يوسف شاهين قائلًا إنه المخرج الوحيد القادر على إخراج هذا العمل الضخم.
دخل شاهين المباراة، لكنه لم يكتف باستكمال ما تركه سلفه، بل أعاد كتابة أجزاء من السيناريو، وجعل صلاح الدين هو محور الأحداث بعد أن كان حضوره أقل في النسخة الأولى، وأعاد أحمد مظهر إلى البطولة بعدما كاد ينسحب نهائيًا وينتقل إلى رشدي أباظة، ليخرج الفيلم إلى النور عام 1963، ويصبح واحدًا من أعظم الأفلام التاريخية في السينما العربية، ويحتل المركز الحادي عشر في قائمة أفضل مئة فيلم مصري.
جميلة بوحيرد
ولم تكن هذه أول مباراة يرثها شاهين من عز الدين ذو الفقار، قبلها كان عز هو المرشح لإخراج فيلم "جميلة" عن المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد، لكن ظروف مرضه أيضًا فتحت الباب أمام يوسف شاهين، الذي قدم الفيلم عام 1958، ليصبح أول عمل سينمائي عربي يحكي قصة جميلة بوحيرد، وأحد أهم الأفلام السياسية في تاريخ السينما المصرية.
وهناك روايات عن الدافع لترك عز الدين ذو الفقار العمل ليوسف شاهين ليس المرض ولكنه خلاف شديد مع المنتجة والبطلة الفنانة ماجدة.
وكان عز الدين ذو الفقار، مُخرج فيلم «جميلة» الشهير، دخل في مشادة مع الفنانة الشابة ماجدة بطلة الفيلم، وسخر منها كونها تتعامل معهم وقتها باعتبارها الفنانة الكبيرة فاتن حمامة، على حد قوله، وهاجمته ماجدة وقتها بأنه «مخرج فاشل»، وطلبت منه أن يلزم حدوده.
وأضافت ماجدة في تصريحات صحفية: قرأت خبرا عن قبض السلطات الفرنسية على جميلة بوحيرد، فتابعتها، وجمعت كل المواد المنشورة عنها، واتفقت مع الأديب يوسف السباعي على كتابة قصة استنادا إلى الوقائع الحقيقية، وبعدما انتهى منها، توجهت إلى نجيب محفوظ وعلي الزرقاني وعبد الرحمن الشرقاوي لكتابة السيناريو والحوار، ثم اتفقت مع عز الدين ذو الفقار على الإخراج، ورفضت تعديلاته بتغيير رؤية الفيلم بربط جميلة وأحداث الجزائر بما يحدث في مصر، وأثناء المناقشة قالت له: "أتيت بكبار الكتاب في مصر لكتابة السيناريو والحوار، كيف تعترض على ما كتبوه، وتدخل فيه ما يضعفه ولا يتناسب مع إيقاعه، جميلة قصة حقيقية، لا أسمح بتحريفها".
انسحب ذو الفقار من الفيلم، محاولا الضغط على ماجدة، خاصة أنها أسّست الديكورات على ثلاثة أفدنة باستديو مصر مقابل مئة ألف جنيه. لم ترضخ لقراره، واتفقت مع يوسف شاهين "أرجوك أريد فيلما ناجحا يشاهده الناس، لا أكون أنا جمهوره الوحيد". وبعد خلافات عديدة مع شاهين على طريقة التصوير والأداء، انتهى تصوير الفيلم، وعرض في سينما راديو (1958)، قالت ماجدة: "كتب عنه الفيلسوف سارتر وصديقته سيمون دو بوفوار في 'لوفيغارو'، وتسبب في ضجة عالمية وضغط على الرأي العالمي، وكتب نزار قباني قصيدة شعر بعد مشاهدة الفيلم، 'الاسم جميلة بوحريد رقم الزنزانة تسعون...". اختير "جميلة" ضمن أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية.
الهروب والبريء
وفي التسعينيات تكرر السيناريو مع فيلم "الهروب"، المشروع بدأ في الأساس مع محمد خان، الذي تحمس للفكرة، لكن خلافات إنتاجية وتعطل التنفيذ أبعداه عن الفيلم، لينتقل إلى عاطف الطيب.
وهنا لم يكن التغيير مجرد اسم على التتر، بل تغيرت روح الفيلم بالكامل، أعاد عاطف الطيب، بالتعاون مع بشير الديك، كتابة أجزاء كبيرة من السيناريو، وأضاف لمساته الواقعية، وصنع مع أحمد زكي واحدًا من أهم أفلام التسعينيات، حتى أصبح "الهروب" علامة فارقة في السينما المصرية.
واللافت أن عاطف الطيب نفسه كان قد دخل المباراة من قبل بديلًا لمحمد خان أيضًا في فيلم "البريء"، السيناريو الذي كتبه وحيد حامد عُرض أولًا على خان لكنه اعتذر بسبب تحفظات إنتاجية ورؤيته لطبيعة الفيلم فانتقلت المهمة إلى الطيب، الذي قدم فيلمًا لا يزال حتى اليوم أحد أكثر الأعمال السياسية تأثيرًا وجرأة في تاريخ السينما المصرية.
أيام السادات
أما فيلم "أيام السادات"، فشهد أكثر من تغيير على مقعد المدير الفني، المشروع بدأ مع المخرج علي بدرخان، لكن اختلاف الرؤية السياسية بينه وبين أحمد زكي، منتج الفيلم وبطله، أدى إلى توقف المشروع، بعدها جاء محمد خان ليتولى المهمة.
ولم تكن الرحلة سهلة، إذ نشبت بينه وبين أحمد زكي خلافات حادة أثناء التصوير وصلت إلى توقف العمل لأشهر، قبل أن يعود الفيلم للحياة ويخرج إلى الجمهور عام 2001، محققًا نجاحًا جماهيريًا كبيرًا.
المفارقة أن الجماهير تتذكر دائمًا اسم المخرج، لكنها كثيرًا ما تنسى أو لا تعرف من وضع الخطة الأولى، أو من بدأ المشروع قبل أن يغادره، ففي كرة القدم كما في السينما، قد يرحل المدرب الأول قبل صافرة النهاية، لكن بصمته تظل حاضرة في كل تمريرة، بينما يحصد المدرب الجديد التصفيق عند رفع الكأس، ففي السينما، كما في كرة القدم، قد يتغير "الكوتش"، لكن التاريخ لا يتذكر إلا الفريق الذي انتصر.








0 تعليق