عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم اللواء عادل عزب يكتب: وأنا أيضًا تعلمت من المبادرة - بوابة المدينة برس
نشر في: الإثنين 20 يوليه 2026 - 7:19 م | آخر تحديث: الإثنين 20 يوليه 2026 - 7:19 م
● هذه شهادة رجل أمن عاش مبادرة وقف العنف من داخل جهاز أمن الدولة.. أسطرها فى هذه الكلمات المختصرة:
● أعاد ما كتبه الدكتور ناجح إبراهيم (أحد القيادات التاريخية للجماعة الإسلامية فى مصر) ونشرته الشروق مؤخرًا عن الدروس التى خرج بها من مبادرة وقف العنف إلى ذاكرتى واحدة من أهم التجارب التى عشتها طوال سنوات عملى داخل جهاز أمن الدولة.
ولم يكن ذلك لأن شهادته كشفت لى ما لم أكن أعرفه، وإنما لأنها أعادت إلى الذاكرة تجربة عشت تفاصيلها من موقع آخر، وجعلتنى أستعيد ما خرجت به أنا أيضًا من دروس.
● فإذا كانت شهادة الدكتور ناجح إبراهيم قد روت ما تعلمه من داخل الجماعة الإسلامية، فإن هذه السطور ليست ردًا، ولا تعليقًا عليها، وإنما شهادة موازية من رجل أمن عاش التجربة نفسها من داخل جهاز أمن الدولة.
● فالأحداث الكبرى لا يملك روايتها طرف واحد، ولا تكتمل الحقيقة بصوت واحد، وإنما تكتمل عندما تتلاقى شهادات الذين صنعوا الحدث أو عايشوه، كلٌ من موقعه، وكلٌ بما رآه، وكلٌ بما أملاه عليه ضميره.
● ولأن التجارب الكبرى لا تترك وراءها أحداثًا فقط، وإنما تترك وراءها دروسًا أيضًا.
● فقد وجدت أن ما كتبه الدكتور ناجح دفعنى إلى مراجعة تجربتى أنا الأخرى. لم أراجع ملفات، فقد أُغلقت منذ سنوات، وإنما راجعت ما بقى منها فى الذاكرة، وفى الضمير.
وحين فعلت، اكتشفت أننى خرجت من تلك السنوات بدروس ربما اختلفت فى زاوية النظر، لكنها التقت جميعًا فى غاية واحدة.
● لم تكن هذه الدروس خواطر عابرة، ولا استنتاجات نظرية خرجت بها بعد سنوات، وإنما كانت خلاصة تجربة عشتها لحظة بلحظة، ورأيت فيها كيف يمكن لقرار واحد أن يغيّر مسار مواجهة كاملة، وكيف تستطيع فكرة صحيحة أن تفتح بابًا ظل السلاح سنوات طويلة عاجزًا عن فتحه.
ومن هنا بدأت أراجع ما تعلمته من تلك التجربة، لا بوصفها محطة فى تاريخ عملى، وإنما باعتبارها واحدة من أهم الدروس التى علمتنى كيف تُدار معارك الفكر، قبل أن تُحسم معارك السلاح.
● تعلمت أن المعركة مع السلاح ليست بداية المواجهة، وإنما نهايتها.
● فالرصاصة لا تبدأ رحلتها من فوهة بندقية، وإنما تبدأ من فكرة، ومن عقل فقد اتزانه، ومن فهم مغلوط للدين، ومن تأويل أقنع صاحبه بأن المجتمع خصم، وأن الدولة عدو، وأن العنف وسيلة مشروعة لتحقيق ما يظنه إصلاحًا.
● وتعلمت أن للأفكار أجنحة، كما تُنسب إلى ابن رشد المقولة الشهيرة، ولا يستطيع أحد أن يمنعها من التحليق. فالأفكار تُناقش، وتُفنَّد، وتُواجَه بالفكرة، مهما اختلفنا معها.
● وتعلمت أن الفكر الذى يبرر العنف ليست له أجنحة، وإنما له زناد. فإذا ضُغط على هذا الزناد، تنطلق طلقة خرطوش تتناثر شظاياها فى كل اتجاه، فتصيب كل من يقع فى مرماها دون تمييز.
● وتعلمت أن مواجهة الفكر الذى يبرر العنف لا تبدأ بتبادل إطلاق الرصاص، وإنما تبدأ عندما ترفع جميع الأطراف أصابعها عن الزناد. ففى تلك اللحظة لا ينتصر طرف على آخر، وإنما ينتصر العقل على العنف، وتنتصر إرادة الحياة على منطق الدم.
● ومن هنا تعلمت أن الأمن قد يستطيع أن ينتصر فى المعركة، لكنه لا يستطيع أن يهزم الفكرة التى أنجبت العنف بالعنف. فقد يمنع الجريمة اليوم، لكنه لا يمنع تكرارها غدًا، إذا بقيت تلك الفكرة حية فى العقول.
● وتعلمت أن المعركة الفكرية، فى حقيقتها، أخطر من المعركة الأمنية.
● فالأمن يواجه النتيجة، أما الفكر فيعالج السبب.
● والدولة تستطيع أن تطارد من يحمل السلاح، لكنها لا تستطيع أن تطارد فكرة تسللت إلى عقل شاب، إلا إذا وجد من يصححها، ويهدم الأساس الذى قامت عليه.
● ولهذا لم تكن مبادرة وقف العنف مجرد اتفاق أنهى مواجهة، وإنما كانت انتصارًا للفكرة الصحيحة على الفكرة المنحرفة، وانتصارًا للعقل على الانفعال، وللمراجعة على المكابرة.
● وتعلمت أن الدولة القوية ليست هى الدولة التى تعرف كيف تستخدم القوة فقط.
● وإنما هى الدولة التى تعرف متى تستخدمها، ولماذا تستخدمها، ومتى تفتح باب العودة..
● فالقوة ليست غاية فى ذاتها، وإنما وسيلة لحماية المجتمع.
● ولابد أن يعود من ضل الطريق إلى وطنه بإرادته، لا بإكراهه، وبقناعته، لا بخوفه.
● ولهذا لم تكن مبادرة وقف العنف، فى تقديرى، مجرد نجاح أمنى، بل كانت انتصارًا للعقل المصرى.
● وأعظم الانتصارات ليست أن تُسكت صوت الرصاص، وإنما أن يتغير العقل الذى كان يبرره.
● وتعلمت أن التنظيمات ليست سواء.
● ورغم ما شهدته تلك المرحلة من دماء وآلام، فإن الجماعة الإسلامية كانت، فى نهاية المطاف، تنظيمًا نشأ داخل البيئة المصرية، وإن خرج من رحم المدرسة الفكرية التى أسستها جماعة الإخوان المسلمين.
● ورغم أنها خرجت من رحم تلك المدرسة الفكرية، فإنها سرعان ما أصبحت تنظيمًا مستقلًا فى بنيته وقيادته وآليات اتخاذ قراره، وظلت أزمتها الأساسية أزمة فكر يمكن مراجعته، وتأويل يمكن تصحيحه، واجتهاد يمكن إعادة النظر فيه.
● وتعلمت أن الفكرة، مهما اشتد انغلاقها، ليست عصية على المراجعة إذا امتلك أصحابها شجاعة الاعتراف بالخطأ، وإذا وجدت دولة واثقة من نفسها، تفرق بين من أغلق على نفسه باب المراجعة، ومن يبحث عن طريق للعودة.
● ولهذا وجدت المراجعات طريقها إلى النجاح، رغم ما أحاط بها من معوقات، ورغم المحاولات غير المباشرة التى استهدفت إجهاضها أو التشكيك فى جدواها؛ لأنها كانت تمثل تهديدًا لأحد أهم مرتكزات مخطط تنظيم الإخوان، الذى ظل يعتمد على وجود أجنحة للعنف تعمل خارج إطاره التنظيمى المباشر، باعتبارها إحدى أهم أدواته فى استمرار الصدام مع الدولة، وإدامة حالة الاستقطاب، وتغذية خطابه التعبوى.
● ولم تكن تلك المراجعات انتصارًا لجهاز أمن للدولة وحدها، ولا للجماعة الإسلامية وحدها، وإنما كانت انتصارًا لمصر، التى استعادت أبناءها قبل أن تخسر المزيد منهم وهذا أول الدرس .. لا آخره.. غير أن هذا كان أول ما تعلمته من المبادرة، لا آخره.
● فما كشفته لى عن طبيعة الفكر، لم يكن أقل أهمية مما كشفته لى عن الفارق بين الجماعة الإسلامية فى مصر، وبين التنظيم الدولى لجماعة الإخوان، باعتباره تنظيمًا عابرًا للقارات وربما ذلك حديث لاحق إن شاء الله.



0 تعليق