المنيا.. صكوك الصلاة برخصة من الجيران ! - المدينة برس

فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم المنيا.. صكوك الصلاة برخصة من الجيران ! - المدينة برس

منذ عقود، والمنيا لا تكاد تبرأ من جرح طائفي حتى نجد من يشق جرحا آخر في جسدها، وكأن عروس الصعيد كُتب عليها أن تظل أسيرة لمعادلة بائسة؛ يد الدولة تبني وتقنن الكنائس، ويد التطرف تُهندس لتوريث الإرهاب والتكفير عبر أجيال ويحاول المأفونين دينيًا إرضاعها الغل. 

فما شهدته قرية تل القبلية خلال الأسبوع الماضي، إهدار لحقوق المواطنة التي كفلها الدستور، تصبح معه صلاة الأقباط في بيوت الله رهينة برخصة من الجار، أو بمباركة محرضين يتوارون خلف النساء والأطفال. في همجية طائفية، تجعل من أولئك الصغار المستخدمون قنبلة موقوتة يصنعها المتشددون بعناية لتفخيخ المستقبل.

 

وهكذا تصير الصلاة في بعض كنائس قرى ونجوع المنيا مغامرة غير مأمونة العواقب، سير على حبل مشدود فوق حقل من الألغام الطائفية، فلو كنا نتحدث عن مشاجرة جيران أو توتر يحدث على فترات بمتباعدة، كان الأمر هينًا، لكننا أمام مسلسل هابط ومتكرر، ومتقارب زمنيًا.. 

يطل علينا بين آن وآخر بسبب سياسات الصلح العرفي وتطييب الخواطر والمسكنات الوقتية، وتغذية حلول 'بوس اللحى' والمساعي العرفية الرخوة. التي يخبرنا الواقع بأنها لم تنتج للمجتمع إلا جرائم متلاحقة تمر بردًا وسلامًا على المحرضين، مانحًا حصانة عُرفية للمتطرفين.

 

هذا ما حدث مرارًا، وتكرر الأسبوع الماضي في قرية تل القبلية بمركز أبو قرقاص بالمنيا: نساء وأطفال يقذفون الكنيسة بالحجارة، في مشهد مأساوي حزين، اضطر الأنبا مكاريوس، أسقف المنيا، لتوثيقه عبر منصة "إكس" كصرخة استغاثة حارقة. 

يثبت خلالها بالدليل القاطع أن الأزمة لم تولد في لحظة انفعال. ولكنها أزمة مزمنة نتيجة تجاهل البلاغات المتكررة عن التحرشات المتطرفة؛ التي تؤدي في كل مرة إلى هذه النهاية ضاربة بقرارات الدولة عرض الحائط.

 

فبينما توقع المحافظة، برئاسة اللواء عماد كدواني، قرارات تقنين أوضاع 45 مبنى كنسيًا لتأكيد سيادة التنوير والمواطنة، يخرج من بين العتمة من يقطع التيار الكهربائي، ويحطم سيارة الكاهن، ويحتجز المصلين بالداخل في تحدٍ سافر للدولة وللقوانين ولحقوق المواطنة، معتبرين الآخر الديني لاجئ هم من يملكون منحه رخصة الصلاة او انتزاعها منه حسب هواهم الشخصي.

 

فالأمر في المنيا لا ينتهي، لأن المقدمات الرخوة تنتج نهايات كارثية. والحديث عن الاكتفاء بالقبض على من ظهروا في المقاطع المصورة محض تسكين للألم، بينما الورم الخبيث لا يزال يتمدد في الأحشاء؛ فالقبض على الفاعل المستخدم يترك المحرض الحقيقي حرًا طليقًا يخطط للمواجهة القادمة.
 

هندسة العنف:

الألم مشترك فمن يدفع الثمن ليس فقط الآخر الديني المحاصر في كنيسته والمجبر على ترك الصلاة، لكن أيضًا الصغار والنساء الذين تم الزج بهم لمعركة ليس من الطبيعي أن يكونوا طرفا فيها، فبالتدقيق في المقاطع المصورة تنكشف للمتابع ظاهرة خطيرة تعكس مدى خسة العقل المدبر للفتنة، وهي الهندسة الاجتماعية للعنف، التي  تستخدم الفئات الأشد هشاشة قانونيًا، فتقوم بتصدير النساء والأطفال في مقدمة الأحداث.. 

 

فتقف الأمهات في الخطوط الأمامية لقذف الحجارة والصراخ بهتافات التكفير، وخلفهن أطفال يمتصون الغل ويعيدون إنتاجه بكل ثبات، جريمة في حق الصغار الغرض منها إفلات المحرضين من العقاب والمساءلة القانونية، وتشتيت العدالة خلف متهمين غير مدركين، غرسوا لديهم أفكارًا تكفيرية للآخر الديني، وتركوها تزحف على وجدانهم وتحتل أدمغتهم وقلوبهم.

 

تهزني صورة الأطفال الذين تجرعوا سموم التعصب، تشتعل في رأسي عشرات الأسئلة حول مصائرهم ومستقبلهم، وسلوكهم عندما يصبحون رجالًا يمسكون في أياديهم زمام الأمور، إنها إعادة انتاج للكراهية، وتدوير للإرهاب، ليضمن المحرضون إمدادًا لا ينقطع من المتطرفين الجدد لجيل كامل قادم. في نفس البؤرة الطائفية بالمنيا.

جلسات العار

بعد كل تلك الجرائم، التي لم تقتصر على حصار المصلين وقطع الكهرباء عنهم، وتحطيم سيارة الكاهن، وقذف الكنيسة بالحجارة، لكنها تمتد لتوريث الكراهية والعنف، نجد من يريد فرض جلسة صلح عرفي على الكنيسة، وهو ما رفضه نيافة أنبا باخوميوس، قائلًا: ليأخذ المحرضون عقابهم ثم ننفذ الصلح".. 

فلن يرد أوجاع النفي في الخوف، إلا تطبيق القانون، والتاريخ يشهد أن كل مرة امتثلت الأطراف للصلح العرفي، لم تكن سوى بداية لكارثة جديدة، ولما لا ؟ وقد أفلت المجرم من العقاب، والجرائم مجانية، والكراهية مستوطنة النفوس، والتكفير راسخ في العقول. وخطط التطرف تسير على قدم وساق؟!


فماذا تنتظر الجهات المسؤولة عن إنفاذ القانون، وحفظ هيبة الدولة، حتى تلغي جلسات العار، وتردع المحرضين لتستقيم الأمور في عروس الصعيد؟ أي صلح ذلك الذي يتحدث عنه البعض في غياب الحب؟ فلا صلح بلا حب، ولا حب بلا ميراث من المودة، ولا مودة بلا وعي.. 

لقد ثبت بالبرهان من خبرات العقود الماضية أن العصا الأمنية وحدها -رغم ضرورتها لفرض الهيبة- لا يمكنها غسل الأدمغة التي لوثها هذا الفكر الإرهابي المأفون. فانشروا الوعي حتى يسود الحب وحسنها يمكن للصلح أن يستقيم في استثناءات، فلا صلح في غياب العدالة.

توريث الكراهية

إن كل مرة تعود فيها المنيا مجددًا للأحداث الطائفية، تنشط الذاكرة المجتمعية، التي تصنفها بؤرة تهدد سلام الوطن والعيش المشترك، والتاريخ يخبرنا بمسلسل متصل من الوقائع المؤلمة الناتجة عن التطرف عميق الجذور والأصولية الممتدة منذ السبعينات وحتى الآن، فوفقًا لخريطة الحريات الدينية الصادرة عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، شهدت محافظة المنيا وحدها 50 واقعة عنف وتمييز طائفي بين عامي 2017 و2021 فقط، وهو المعدل الأعلى على الإطلاق في جمهورية مصر العربية. تشمل الاستهداف على الهوية الدينية ومنع ممارسة الشعائر.

 

هذه الأرقام تشير إلى أن الحل الحقيقي الذي لا بديل عنه هو المواجهة الفكرية والثقافية الحقيقية، التي تضع الناس أمام حقائق توضح لهم كيف تم استغلالهم لأغراض سياسية وقبلية، لابد من نزع القرى والنجوع من العزلة وإشراكها في كل ما يخدم قيم المواطنة وقبول الآخر.

لأن لا توفيق أوضاع الكنائس وتقنينها، ولا القانون المنظم لبناء وترميم الكنائس، يمكنه تغيير ما رسخ في العقل الجمعي لبعض سكان القرى، لأنهم ببساطة يرون أن الشرعية العرفية تفوق في هيمنتها شرعية القوانين.

 

ويصلحون ما يفسدونه بأياديهم عند الحاجة بجلسات الصلح العرفي التي تتضمن أحكامًا جائرة وتعد قضاء مواز، يجمع المعتدي والمعتدى عليه تحت خيمة واحدة، ليتصافحا رغمًا عن الجراح، ويُغلق ملف القضية بـ "بوس اللحى" وذبح الخراف، فتصل رسالة واضحة للمتطرفين: “اعتَدِ، دمر، حاصر.. وفي النهاية ستحميك الجلسة العرفية من غياهب السجون”!

فإذا استمر غياب التنمية الفكرية والثقافية، وموت دور المجتمع المدني وقصور المناهج التعليمية عن غرس قبول الآخر، سنكتب نفس المقال غدًا عن قرية أخرى تحت نفس المبررات. حمى الله مصر.. وحمى عقول أبنائها من ظلمات التكفير والكراهية.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق