استقالة وزيرة الثقافة ترفع الحرج عن الحكومة ولا تنهى الأزمة! - المدينة برس

فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم استقالة وزيرة الثقافة ترفع الحرج عن الحكومة ولا تنهى الأزمة! - المدينة برس

حسنا فعلت حكومة الدكتور مصطفي مدبولي، حين قبلت استقالة الدكتور جيهان زكي من منصب وزير الثقافة بمجرد أن قدمتها، لكن عالم السياسة له قانون خاص غير عالم الإدارة، في عالم السياسة الاستقالات ليست مجرد إجراء إداري ينهي العلاقة التعاقدية بين مسؤول ومؤسسة، بل هي اعتراف ضمني بأن ثمة خللا أصاب العلاقة بين المسؤول والرأي العام. 


صحيح أن حكم القضاء والاستقالة أغلقا الملف الشخصي لوزيرة الثقافة، لكنهما فتحا ملفا أكبر وأعمق وهو الملف العام.
لم يعد السؤال عن خطأ الدكتورة جيهان مهما، وكيف اعتدت على حقوق الملكية الفكرية لمؤلفة أخرى في إنتاج كتاب لها، فالسؤال الأهم: كيف وصلت هذه الأزمة إلى واجهة المشهد العام؟


لا يقاس نجاح منظومة اختيار القيادات في الدولة الحديثة بقدرة المسؤول على أداء مهامه فقط، وإنما أيضا بقدرة المؤسسات على اكتشاف المخاطر المحتملة قبل أن تتحول إلى أزمات عامة، فالمسؤول لا يصل إلى مقعده الرسمي منفردا، وإنما يسبقه ملف كامل من المعلومات والتقييمات والتقديرات والمراجعات، وهناك دائما من يقرأ، ومن يراجع، ومن يستفسر، ومن يوصي، ومن يرفع التوصيات إلى دوائر اتخاذ القرار.


من هنا تكتسب أزمة الدكتور جيهان زكي بعدها السياسي، لأن القضية التي خسرتها أمام القضاء لم تنشأ بعد دخولها الوزارة، بل كانت شائعة ومحل نزاع قضائي ومادة لنقاش صاخب على شبكات التواصل الاجتماعي قبل أن تتولى المنصب الرفيع. وهذا يطرح تساؤلات تتجاوز الشخص إلى المسار الذي أنتهى إلى اختياره.


وأمامنا احتمالان لا ثالث لهما:
الأول أن الجهات المعنية كانت على علم كامل بالقضية وملابساتها القانونية والإعلامية، فإذا صح ذلك، فإن الاختيار لم يكن نتيجة نقص معلومات، وإنما من تقدير غير دقيق للمخاطر، ربما اعتقد البعض أن القضية لن تصل إلى هذه النقطة السوداء، أو أن تداعياتها السيئة محدودة، أو أن الكفاءة المهنية للمرشحة تتجاوز أي مخاطر وترجح وجودها أيا كانت التحفظات!


أما الاحتمال الثاني وهو أن المعلومات لم تُعرض بصورة متكاملة، أو أن تقييم هذه المعلومات كان أقل من وزنها الصحيح كما لو أن اقضية ضدها سهلة ومؤكد أنها ستكسبها!


وفي الحالتين لا يتعلق السؤال بالوزيرة وحدها، بل بالمسار الذي أوصلها إلى المقعد الوزاري، فالأزمات السياسية نادرا ما تكون نتيجة لقرار فردي، وغالبا هي حصيلة سلسلة طويلة من قرارات صغيرة تبدو معقولة في لحظة اتخاذها، والنتائج فقط هي التي تكشف عوارها لاحقا!


واللافت أن بيان الاستقالة حمل دلالة سياسية مهمة، فالحديث عن احترام أحكام القضاء ورفع الحرج عن الحكومة يعني أن الأزمة تجاوزت الشق القانوني إلى الصورة العامة للحكومة. وعندما يصبح بقاء مسؤول ما عبئا أمام الرأي العام، فإن الاستقالة تتحول إلى أداة لاحتواء الضرر وإعادة ضبط المشهد!


غير أن احتواء الضرر يختلف عن تفسير أسبابه، فالاستقالة قد تسحب عنصر التوتر من المشهد، لكنها لا تجيب عن الأسئلة التي ولدت الأزمة، مثل: ما هي معايير الاختيار في المناصب العامة؟ ما الوزن الحقيقي للكفاءة المهنية في مقابل وزن السمعة العامة؟ هل يكفي أن يكون المسئول قادرا على أداء مهمته أم يجب أن يكون بعيدا أيضا عن أي مهاترات تفسد عليه أداء هذه المهمة؟


هذه الأسئلة لا تخص وزارة الثقافة وحدها، ولا تتعلق بهذه الواقعة حصريا، إنها أسئلة تمس فلسفة الإدارة الحكومية بأسرها، فالدولة الحديثة لا تحتاج فقط إلى أصحاب الخبرات، بل تحتاج أيضًا إلى شخصيات قادرة على أداء أدوارها من دون أن تتحول إلى مصدر جدل دائم يستهلك الجهد والطاقة ويصرف الانتباه عن الملفات الأساسية.


وهناك زاوية أخرى قلما تحظى بالانتباه الكافي، فالأزمة، في جانب منها، تكشف التوتر الدائم بين منطق السياسة ومنطق الإدارة، الإدارة تبحث غالبًا عن الكفاءة والخبرة والإنجازات المهنية، بينما تنشغل السياسة بحسابات الثقة العامة والقدوة والصورة الذهنية، وقد يكون المرشح لمنصب ما صاحب سيرة أكاديمية أو مهنية لافتة، لكن وجود ملف خلافي أو نزاع قانوني مرتبط باسمه يفرض أسئلة إضافية عن كلفة اختياره والجدل الذي سيثار حوله وأثره على المؤسسة التي يمثلها!


لهذا يمكن القول إن الاستقالة أغلقت بابًا، لكنها فتحت نافذة واسعة، أغلقت باب الجدل حول استمرار الوزيرة في موقعها، لكنها فتحت نافذة على أسئلة تتعلق بكيفية صناعة النخبة الإدارية، وكيف تُقرأ الملفات، وكيف تُوزن المخاطر، وكيف تصل التوصيات إلى مراكز صناعة القرار؟


أما إجابة هذه الأسئلة، فهي التي ستحدد ما إذا كانت الأزمة مجرد حادثة عابرة في السجل السياسي، أم أنها لحظة مراجعة مؤسسية أعمق من شخص الوزيرة ومن القضية نفسها.


غير أن الأسئلة السياسية على أهميتها ليست سوى نصف الحكاية، فالقضية الأصلية تثير بدورها نقاشا ثقافيا وقانونيا لا يقل أهمية، فإذا كان الجدل السياسي قد انشغل بكيفية الاختيار، فإن جوهر القضية يعيد طرح سؤال قديم ومتجدد: أين تنتهي حدود الاقتباس المشروع، وأين تبدأ منطقة الاعتداء على الملكية الفكرية؟


هنا نغادر عالم السياسة إلى منطقة أكثر تشابكًا، منطقة تتقاطع فيها الثقافة بالقانون، والإبداع بالحقوق، وحرية الاستفادة من المعرفة بواجب إسناد الفضل إلى أصحابه.


من السهل أن تتحول القضايا الثقافية إلى معارك أشخاص، فالأسماء الكبيرة تجذب الأضواء بطبيعتها، والجدل العام يميل إلى الانشغال بمن ربح ومن خسر، أكثر من انشغاله بالأفكار التي كشفتها الأزمة، غير أن قضية جيهان زكي تكتسب أهميتها الحقيقية من زاوية أخرى؛ فهي أعادت إلى الواجهة سؤالًا قديمًا ومتجددًا في الوقت نفسه: ما الفرق بين الاقتباس والاستفادة المشروعة من أعمال الغير، وبين الاعتداء على حقوقهم الفكرية؟


هذا السؤال ليس جديدًا على الثقافة العربية ولا العالمية، فالكتابة بطبيعتها فعل تراكمي، لا يبدأ الكاتب من فراغ، ولا يفكر الباحث خارج ما أنتجه السابقون، كل كتاب هو، بدرجة أو بأخرى، حوار مع كتب أخرى، وكل فكرة جديدة تحمل في أعماقها قبسا من أفكار سبقتها، ولذلك لم تكن المشكلة يومًا في الاستفادة من أعمال الآخرين، بل في الطريقة التي تتم بها هذه الاستفادة.


فالاقتباس ليس عيبًا، بل ضرورة معرفية، الباحث الجاد يستشهد بالمراجع، ويستعين بالنصوص السابقة، ويبني فوقها أفكاره الجديدة، غير أن هذا الحق يقابله واجب أخلاقي وقانوني واضح: أين يبدأ جهد الكاتب وأين ينتهي جهد الآخرين!


ولهذا السبب، لا تنظر قوانين الملكية الفكرية في العالم إلى مجرد وجود نصوص متشابهة، وإنما إلى طبيعة هذا التشابه وحدوده وسياقه، فليست كل عبارة منقولة سرقة، وليست كل فكرة مشتركة اعتداءً على حق، إنما يصبح الأمر إشكاليًا عندما يختلط صوت الكاتب بصوت غيره إلى درجة يصعب معها التمييز بين الأصل والفرع، أو بين الإبداع الشخصي والإنتاج المستعار.


ومن هنا جاءت أهمية القضية الراهنة، فهي لم تحرك نقاشًا قانونيًا فحسب، بل أعادت تذكير الوسط الثقافي بأمر ربما أهملته سرعة النشر وكثافة الإنتاج في السنوات الأخيرة: أن الملكية الفكرية ليست مجرد نصوص قانونية تحفظ الحقوق عند النزاع، بل هي ثقافة احترام تسبق اللجوء إلى المحاكم أساسًا.

والسؤال: كيف نحافظ على انسياب المعرفة وفي الوقت نفسه نصون حقوق أصحابها؟
وفي تلك المسافة الدقيقة بين حرية الاقتباس وحقوق الملكية، تُختبر أخلاق الكتابة قبل أن تُختبر النصوص نفسها!

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق