عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم «لغز السيد س» لوليد علاء الدين.. رحلة لاكتشاف أسرار الخيال والكتابة الإبداعية - بوابة المدينة برس
شيماء شناوي
نشر في: الجمعة 10 يوليه 2026 - 6:49 م | آخر تحديث: الجمعة 10 يوليه 2026 - 6:49 م
هل يمكن تعليم الكتابة؟ سؤال قديم يعود إلى الواجهة مع كل كتاب جديد يتناول الإبداع، لكن الشاعر والروائي وليد علاء الدين لا يجيب عنه بالطريقة المعتادة؛ فمنذ الصفحات الأولى لكتابه «لغز السيد س.. فن اقتناص الخيال في الكتابة» الصادر عن دار الشروق، يدرك القارئ أنه لا يقرأ دليلًا تقنيًا يشرح كيفية بناء الشخصيات أو رسم الحبكة، ولا كتابًا يجمع نصائح جاهزة للكتّاب المبتدئين، وإنما عملًا يسعى إلى إعادة التفكير في مفهوم الكتابة نفسه، وفي العلاقة بين الإنسان وخياله، وبين الفكرة والكلمة، وبين الحواس والذاكرة والنص.
يختار الكاتب أن يبدأ بحكاية تبدو أقرب إلى الأدب وقصص ألف ليلة وليلة الخيالية منها إلى التنظير، فنلتقي بـ«الأسعد بن المحظوظ»، الراوي الذي ينتمي إلى بلدة يتواصل أهلها بالإشارات وحدها، بعدما أصبح الصمت قانونًا للحياة، حتى إنهم يعمدون إلى تعطيل السمع والنطق حفاظًا على هذا النظام المغلق.
تبدو الحكاية غرائبية في ظاهرها، لكنها لا تلبث أن تتحول مع السرد إلى استعارة واسعة عن الإنسان الذي يمتلك الأفكار ولا يجد وسيلة لإيصالها إلى الآخرين، ومن هنا تصبح الكتابة وسيلة لكسر العزلة، وجسرًا يصل بين عالم داخلي مكتظ بالخيال، وعالم خارجي لا يعرف شيئًا عما يدور في ذهن صاحبه.
يمنح وليد علاء الدين بهذا المدخل السردي الكتاب خصوصيته؛ إذ يخلق عالمًا روائيًا صغيرًا يجعل القارئ يعيش الفكرة قبل أن يناقشها مبتعدًا عن التعريفات المباشرة للخيال أو الإبداع؛ ولذلك يبدو «السيد س» في العنوان، والشخصيات التي تظهر تباعًا في الفصول، أدوات للتفكير أكثر من كونها شخصيات مستقلة، إذ تتحول كل حكاية إلى تجربة ذهنية تشرح فكرة معقدة بطريقة بسيطة.
ينتقل وليد علاء الدين بعد ذلك إلى سؤال فلسفي قديم: أيهما جاء أولًا، الدجاجة أم البيضة؟ لكنه لا يهتم بالإجابة العلمية بقدر اهتمامه بطريقة التفكير التي يفتحها السؤال.
فكما أن الجدل حول الدجاجة والبيضة لا ينتهي، فإن العلاقة بين الخيال والكتابة ليست علاقة سبب ونتيجة بسيطة. فالخيال يولد الكتابة، لكن الكتابة بدورها تعيد تشكيل الخيال وتمنحه حياة جديدة. وهكذا تصبح العملية الإبداعية دائرة مستمرة، لا بداية حاسمة لها ولا نهاية.
وربما أكثر ما يلفت الانتباه خلال صفحات الكتاب حرص وليد علاء الدين على الجمع بين الأدب والعلم. فهو لا يكتفي بالحديث عن الخيال باعتباره قدرة غامضة أو هبة سماوية، بل يستعين بالفلسفة وعلم النفس وعلم الأعصاب ليقدم تفسيرًا أكثر اتساعًا.
فالخيال، في نظره، ليس عضوًا داخل الجسد، وإنما وظيفة عقلية تتشكل باستمرار من الصور والأصوات والروائح والذكريات التي تلتقطها الحواس، وأن كل ما يراه الإنسان أو يسمعه أو يلمسه يظل مخزونًا في الذاكرة، ثم يعود لاحقًا في صور جديدة يعيد العقل تركيبها بطرق غير متوقعة.
ويستعين صاحب «كيميا» و«الغميضة» و«لغز السيد س» بأفكار الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، الذي يرى أن الخيال ليس مجرد استدعاء للصور، بل قدرة على تشويهها وإعادة بنائها، ومن هنا يؤكد أن الخيال الحقيقي لا يكرر الواقع، وإنما يعيد إنتاجه بصورة مختلفة، وهو ما يفسر اختلاف الكتاب في تناول الموضوع الواحد، رغم أنهم ينطلقون من العالم نفسه.
ولعل الفصل الذي يقدم فيه وليد علاء الدين شخصية الباحث عن عمل هو الأكثر قدرة على تجسيد هذه الفكرة، حيث نجد الرجل يعرض عليه العمل منسقًا للزهور، رغم أنه لا يعرف شيئًا عنها؛ لكن بمجرد أن تصبح الزهور جزءًا من اهتمامه، تبدأ ذاكرته في استدعاء عشرات الصور والمواقف المرتبطة بها؛ أسماء كان قد سمعها، وحدائق رآها، ومشاهد من أفلام، ورحلات مدرسية، وحتى مواقف طريفة من طفولته.
يكتشف فجأة أن المعرفة لم تكن غائبة، وإنما كانت كامنة في الذاكرة، تنتظر فقط ما يوقظها.
هذه الحكاية تكشف واحدة من أهم أفكار الكتاب، وهي أن الخيال لا يصنع من الفراغ، بل من تراكم الخبرات الإنسانية، وأن الكاتب لا يخلق عالم مؤلفاته من العدم، وإنما يعيد ترتيب ما اختزنته حواسه عبر سنوات طويلة. وكلما اتسعت خبراته وقراءاته وتجربته مع الحياة، أصبح خياله أكثر ثراء وقدرة على الابتكار.
ومن هنا يصل الشاعر والفنان التشكيلي وليد علاء الدين إلى مفهوم «اقتناص الخيال» موضحًا أن الخيال في رأيه لا ينتظر صاحبه، بل يمر سريعًا، وقد يختفي إذا لم ينتبه إليه؛ ولذلك يحتاج الكاتب إلى يقظة دائمة، وإلى استعداد لتسجيل الأفكار والملاحظات، لأن أبسط التفاصيل قد تتحول لاحقًا إلى قصة أو رواية أو مشهد أدبي.
كما يؤكد صاحب ديوان «أيها الموت العظيم» أن العالم مليء بالمواد الخام للكتابة، لكن الفارق بين شخص وآخر هو القدرة على ملاحظة هذه المواد وتحويلها إلى نص.
ولا يقل حديثه عن اللغة أهمية عن حديثه عن الخيال، فهو يحذر من الانشغال الزائد بالأسلوب قبل امتلاك الفكرة، ويرى أن كثيرًا من المبتدئين يؤجلون الكتابة خوفًا من عدم امتلاك لغة أدبية كافية، بينما الحقيقة في نظره، أن اللغة تنمو بالممارسة، وأن النص القوي لا يعتمد على الزخرفة اللفظية بقدر اعتماده على وضوح الفكرة وصدق التجربة.
كما يتوقف الكتاب طويلًا عند العلاقة بين القراءة والكتابة، مؤكدًا أن الكاتب لا يستطيع أن يطور أدواته من دون قراءة واسعة ومتنوعة، شريطة أن تكون تلك القراءة «قراءة واعية»؛ تحاول فهم كيفية بناء النصوص، واكتشاف أسرارها، والتأمل في اختيارات أصحابها؛ فالقراءة هنا ليست وسيلة لجمع المعلومات، وإنما تدريب عملي على التفكير الإبداعي.
ويتناول الكتاب من بين الأفكار التي يناقشها أيضًا مفهوم «الموهبة»، فهو يتحفظ على استخدام الكلمة باعتبارها تفسيرًا جاهزًا للنجاح الأدبي، ويفضل الحديث عن «الملكة» التي يمكن تنميتها بالتدريب والعمل المستمر.
ولذلك يدعو القارئ إلى التخلص من وهم انتظار الإلهام، لأن الكتابة في النهاية فعل يومي يحتاج إلى المثابرة والانضباط أكثر مما يحتاج إلى لحظة استثنائية.
وما يحسب للكتاب كذلك أنه لا يفرض قواعد صارمة، بل يطرح الأسئلة ويفتح أبواب التفكير، فوليد علاء الدين يناقش المتعة، واللغة، والأسلوب، والمشروع الأدبي، والتخطيط للرواية، والفرق بين المعرفة والمعلومة، وأهمية الدهشة، ودور القارئ في اكتمال النص، لكنه يفعل ذلك من خلال حكايات وأمثلة ومواقف، تجعل القارئ يشعر أنه يتحاور مع الكاتب، لا أنه يتلقى محاضرة أكاديمية.
في النهاية، ينجح «لغز السيد س.. فن اقتناص الخيال في الكتابة» في أن يكون أكثر من كتاب عن الكتابة، إنه كتاب عن طريقة النظر إلى العالم، وعن العلاقة بين الإنسان وذاكرته وحواسه وخياله، وعن الكيفية التي تتحول بها التجارب اليومية إلى مادة أدبية، وهو كتاب يذكّر قارئه بأن الكتابة لا تبدأ عند القلم، بل تبدأ قبل ذلك بكثير؛ عند لحظة الانتباه الأولى، حين يرى الإنسان العالم بعين مختلفة، ويقرر ألا يترك ما يمر به يضيع، بل يحوله إلى حكاية تستحق أن تُروى.



0 تعليق