د. حسام بدراوي يكتب: حين تحاكم الكاميرا الزمن.. فلسفة الڤار وأزمة العدالة الرجعية - بوابة المدينة برس

الشروق نيوز 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم د. حسام بدراوي يكتب: حين تحاكم الكاميرا الزمن.. فلسفة الڤار وأزمة العدالة الرجعية - بوابة المدينة برس


نشر في: الأربعاء 8 يوليه 2026 - 9:52 م | آخر تحديث: الأربعاء 8 يوليه 2026 - 9:52 م

صفَّر الحكم، اهتزت المدرجات المصرية بفرحة عابرة للقارات. هدفٌ جميل، وُلد من خمس لمسات متتالية بدأت من عمق الملعب، ومرّت بسلسلة تمريرات نظيفة، حتى استقرت الكرة في الشباك. لحظة اكتملت فيها كل شروط الفرح الكروي.

ثم توقف كل شيء. عاد الحكم إلى الشاشة، وبعد دقائق من التدقيق، ألغى الهدف. السبب؟ مخالفة "مزعومة"، لا في لحظة التسجيل، بل قبلها بخمس لعبات، في منطقة أخرى من الملعب، لم يعترض عليها حكم الساحة ساعتها، ولا حتى اللاعب الذي وقعت عليه المخالفة المفترضة.

هنا يتوقف الحدث الرياضي، ويبدأ السؤال الفلسفي.

أولًا: من يملك حدود الزمن؟

القاعدة تقول إن "الفار" يحق له الرجوع إلى بداية الهجمة المتصلة. لكن من يحدد أين تبدأ "الهجمة" وأين ينتهي "الاتصال"؟ هذا الحد ليس مبدأً أخلاقيًا ثابتًا، بل قرارًا إجرائيًا توافقت عليه لجان التحكيم.

والفارق بين الاثنين جوهري: المبدأ الأخلاقي ينبع من فكرة العدالة ذاتها، أما القرار الإجرائي فهو اتفاقٌ بشري قابل للتمدد أو الانكماش وفق الحاجة.

فإذا جاز الرجوع خمس لعبات، فلماذا لا عشرًا؟ ولماذا لا إلى أول الشوط، أو - كما تسخر الجماهير - إلى "أمس"؟ حين تنعدم الحدود الفلسفية للرجوع، يتحول "حق المراجعة" إلى سلطةٍ بلا سقف، تُستدعى حين تُريد، وتُصرف النظر عنها حين لا تريد.

ثانيًا: عين الإنسان في مقابل عين الآلة

حكم الملعب رأى اللحظة بجسده، حاضرًا في سياقها الحي، بإيقاع اللعبة وسرعتها وضغط اللحظة. لم يشر إلى مخالفة، ولم يعترض عليه أحد من اللاعبين أنفسهم، وهم أقرب الشهود وأكثرهم مصلحة في الاعتراض. أما حكم الغرفة، فيرى المشهد من مسافة، مجمّدًا، مكبَّرًا، مقطوعًا من سياقه الزمني الحي.

هذا هو السؤال الأفلاطوني القديم بثوبٍ جديد: هل الحقيقة تكمن في الشيء كما وقع، أم في الصورة التي اخترنا أن نعيد بها إنتاجه؟ حين نمنح "الصورة المؤجلة" سلطة أعلى من "الشهادة الحية"، فإننا لا نقترب من الحقيقة أكثر، بل نستبدل حقيقة بأخرى، ونتوهم أن التكبير يساوي اليقين.

ثالثًا: نسبية الزاوية

الكاميرا لا تكذب، لكنها لا تقول كل شيء أيضًا. فهي تختار زاوية واحدة من عدد لا نهائي من الزوايا الممكنة، وكل زاوية تحمل تأويلها الخاص. ما يبدو "دهسًا واضحًا" من زاوية، قد يبدو التحامًا عابرًا من زاوية أخرى. حين نمنح هذه الصورة الجزئية صفة "الحياد التقني المطلق"، فإننا نرتكب خطأً معرفيًا: نخلط بين أداة القياس وحياد القياس نفسه.

وهنا تتكرر مأزق أعمق يتجاوز الملعب: كل عصرٍ يظن أن أداته الجديدة - المجهر، أو الكاميرا، أو اليوم الذكاء الاصطناعي - قد حسمت أخيرًا مسألة الحقيقة. وفي كل مرة، نكتشف أن الأداة لم تُلغِ التأويل البشري، بل نقلته فحسب من العين المجردة إلى يد من يوجّه العدسة.

رابعًا: ازدواجية المعيار

الأخطر في هذا النموذج من الحوادث ليس وجود التقنية، بل تفاوت اللجوء إليها. حين تُفحص لعبةٌ بعدسة مكبرة لإلغاء هدف، بينما تُترك لعبة أخرى، مماثلة أو أوضح، دون مراجعة، فإن التقنية تتحول من أداة عدالة إلى قناع لتحيّز. الحياد المفترض في الآلة لا يحمي من تحيّز الإنسان الذي يقرر متى يستدعيها ومتى يتجاهلها.

خامسًا: حين تُخرج التقنية بريئًا من السجن.

ثمة نموذج آخر لهذه المعضلة، أشد جدية بما لا يقاس، يمنحنا مرآة نفهم من خلالها حدود "حق العودة إلى الوراء". في المحاكم الأمريكية، خرج عشرات المتهمين من السجون بعد أن أمضوا عشرين أو ثلاثين عامًا خلف القضبان، حين أثبت تحليل الـDNA - وهو تقنية لم تكن متاحة وقت المحاكمة الأصلية - أن الحكم الذي بدا قاطعًا في حينه كان خاطئًا.

على السطح، يبدو النموذجان متطابقين: أداة معرفية جديدة تعيد فتح حكمٍ استقر، وتنقضه بأثر رجعي. لكن التأمل الدقيق يكشف فروقًا جوهرية تضيء المسألة كلها:

اتجاه العدالة معكوس: في قضايا الـDNA، المراجعة تصحح ظلمًا وقع على بريء، وتعيد له ما سُلب منه. أما في "الفار"، فالمراجعة غالبًا تسحب لحظة فرح مكتملة وتستبدلها بحرمان. هناك التقنية أداة تحرير، وهنا أداة إلغاء.

الإجراء منضبط لا أحادي: إعادة النظر في حكمٍ جنائي ليست تلقائية ولا مفتوحة الزمن بلا معيار - بل تُطلب رسميًا، وتُعرض على قاضٍ، وتخضع لمعايير إثبات صارمة، وللطرف المتضرر حق دفاع حقيقي. أما "العودة إلى البار"، فقرار فوري أحادي، بلا محاكمة مضادة، تصدر خلال دقائق لا سنوات من المداولة.

الزمن عبء لا يُعوَّض: في الحالتين، مرور الزمن نفسه جزء من المأساة أو الفرح: عشرون عامًا من عمر إنسان لا تعود، تمامًا كما أن لحظة هدفٍ جماهيري لا تتكرر بنفس نكهتها ولو أعيد احتسابها لاحقًا. التصحيح ممكن، لكن استرجاع الزمن المهدور مستحيل.

وهنا يتكشف السؤال الأعمق الذي يجمع النموذجين: هل الحقيقة شيء نكتشفه لاحقًا فنُلزَم بتصحيح الماضي على ضوئه، أم أن للحكم الذي وقع في لحظته الحية قداسة إجرائية لا يجوز نقضها إلا بشروط استثنائية صارمة؟ المجتمعات المتحضرة اختارت للجنايات معيارًا مشددًا جدًا للنقض، لأن الثمن حرية إنسان لا تعوَّض. بينما اخترعت لكرة القدم معيارًا فضفاضًا، بلا حدود زمنية واضحة ولا محاكمة مضادة، رغم أن الثمن - في مقياسه الخاص - لا يُعوَّض أيضًا: لحظة جماعية لا تتكرر.

المفارقة الحقيقية إذن ليست في وجود المراجعة، بل في غياب فلسفة واضحة تحكم شروطها: من يملك حق طلبها، وما الحد الزمني والمكاني لرجوعها، وأي معيار إثبات يبرر نقض ما استقر. حين تغيب هذه الفلسفة، تتحول أداة العدالة - سواء كانت كاميرا أو مخبرًا جنائيًا - إلى سلطة بلا سقف، تُستدعى حين يُراد، وتُصرف النظر عنها حين لا يُراد.

خارج الملعب

هذه ليست أزمة كرة قدم فحسب. إنها استعارة لعصرٍ بأكمله، عصرٍ نستبدل فيه تدريجيًا "عدالة اللحظة الحية" - بحدسها وسياقها وشهودها - بـ"عدالة الأرشيف": مراجعة لا نهائية، بلا حدود زمنية واضحة، تستطيع دائمًا أن تعود إلى الوراء لتنقض ما استقر، وتُعيد كتابة اللحظة من زاوية اختارتها هي، لا من اكتمال الحدث نفسه.

في القضاء، في السياسة، في الذاكرة الجمعية للأمم، نرى الظاهرة ذاتها: من يملك حق "العودة إلى الشريط"، ومن يقرر أين يبدأ التسجيل وأين ينتهي، يملك في الحقيقة سلطة أكبر من الحدث ذاته.

فالسؤال الذي يستحق أن يُطرح ليس "هل أخطأ الحكم؟"، بل: من يحرس حدود سلطة من يحكم على الحقيقة، حين تكون الحقيقة نفسها قابلة لإعادة القص من زاوية اختارها أحدهم؟

ملعب مرسيدس بنز في أتلانتا شهد مساء هذا اليوم مباراة كرة قدم، لكنه، دون أن يقصد، طرح علينا سؤالًا في فلسفة العدالة، لن تُغلق ملفاته بصافرة نهاية المباراة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق