الأوطان تهزم من الداخل أيضا! - المدينة برس

فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم الأوطان تهزم من الداخل أيضا! - المدينة برس

ليس أخطر ما يهدد الأوطان والمؤسسات هو الفساد المالي أو الإداري وحده، فكل أمة عرفت في تاريخها فاسدين ومفسدين، لكنها كانت قادرة على مقاومتهم ما دام ميزان الحق والباطل مستقيمًا في وجدان الناس. 

أما الخطر الحقيقي فيبدأ عندما يظهر الإنسان الذي يبيع قناعاته، ويُلوّن الحقائق، ويجعل الحقيقة تتغير بتغير الأشخاص والمصالح؛ فيصف الشيء نفسه بأنه صواب إذا صدر عن صديق، وخطأ إذا صدر عن خصم، ويمدح المبدأ اليوم ثم ينقلب عليه غدًا إذا تعارض مع مصلحة عابرة. من هنا تبدأ الأزمة الحقيقية؛ أزمة الضمير.


إن انهيار الأمم لا يبدأ من خزائن المال، بل يبدأ من انهيار المعايير. عندما تربي الأسرة أبناءها على أن المصلحة أهم من المبدأ، وأن النجاح هو الوصول إلى الغاية مهما كانت الوسيلة، فإنها تزرع بذور الانتهازية منذ الصغر. 

وعندما تخرّج المدرسة طالبًا يحفظ الإجابات وينجح في الامتحان لكنه لا يعرف معنى الأمانة والصدق واحترام الحق، فإنها تكون قد أنتجت عقلًا متعلمًا لكنه بلا بوصلة أخلاقية. 

وعندما تنشغل الجامعة بمنح الشهادات والألقاب أكثر من انشغالها ببناء الضمير والمسؤولية، فإنها تخرج أجيالًا تمتلك المعرفة لكنها تفتقد الحكمة. 

ثم تأتي بعض المنابر الإعلامية فتزين الباطل حتى يبدو حقًا، وتشوه الحق حتى يبدو باطلًا، وتمنح الانتهازية أسماء براقة مثل المرونة والشطارة والذكاء الاجتماعي. وهنا لا تتغير الألوان فقط، بل تتغير القيم نفسها.


لقد حذر القرآن الكريم من هذا المرض الأخلاقي حين قال: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾. فالحق لا يتغير بتغير الأشخاص، والعدل لا يخضع للهوى، والمبادئ لا ينبغي أن تكون موسمية أو انتقائية. 

وقال رسول الله ﷺ: «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد». فهذا الحديث يرسم بدقة بداية انهيار المجتمعات؛ حين تصبح المعايير مزدوجة، ويختلف الحكم باختلاف الأشخاص والنفوذ والمصالح.

ولو تأملنا واقعنا لوجدنا أن كثيرًا من مظاهر هذه الأزمة أصبحت واضحة. فكم من كفاءة حقيقية تراجعت أمام أهل الولاء والمجاملة! وكم من صاحب رأي صادق تعرض للتهميش بينما ارتفع شأن من يجيد التلون وتبديل المواقف! وكم من قيم أصيلة مثل الاستقامة والإتقان والصدق جرى تقديمها أحيانًا باعتبارها سذاجة، في حين جرى تسويق الوصولية والانتهازية على أنها ذكاء وفطنة.

 

لقد وصلنا إلى هذا الحال عبر تراكمات طويلة؛ ضعف في التربية الأخلاقية، وتراجع دور المدرسة في بناء الشخصية، وتحول التعليم في كثير من الأحيان إلى سباق درجات وشهادات، وخلل في بعض الخطابات الإعلامية والثقافية التي أعادت تعريف النجاح بعيدًا عن القيم. فصار بعض الشباب يحلم بالثراء السريع دون جهد، وبالشهرة دون إنجاز، وبالمكانة دون استحقاق.

 

وقد أدرك أسلافنا خطورة هذا الأمر، فقال الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تنظروا إلى صلاة الرجل وصيامه، ولكن انظروا إلى صدقه إذا حدث، وأمانته إذا اؤتمن، وورعه إذا أشفى.. وقال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الحق لا يُعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله.. 

وقال الأديب الكبير عبد الله بن المقفع: إذا فسد أهل العلم فسد الناس. ومن أبلغ ما قيل في هذا الباب الحكمة العربية: إذا ضاع العدل فليس لظلم الناس نهاية.. وقولهم: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت، فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.

 

لكن الاعتراف بالمشكلة ليس دعوة للتشاؤم، بل هو بداية الإصلاح.. إن الخروج من هذه الحالة يبدأ بإعادة الاعتبار لفكرة المبدأ ذاته؛ بأن يتعلم الطفل في بيته أن الصدق فضيلة حتى لو خسر صاحبه منفعة مؤقتة، وأن يتعلم في مدرسته أن النجاح الحقيقي ليس في الحصول على الدرجات وحدها بل في بناء الشخصية.. 

وأن تعود الجامعة إلى دورها التربوي والحضاري، وأن يصبح الإعلام شريكًا في بناء الوعي لا في تزييفه، وأن تكون الكفاءة والنزاهة والعدل هي معايير التقدير والترقي في مؤسسات الدولة والمجتمع.


كما أن الإصلاح يقتضي أن نتوقف عن تمجيد الانتهازية، وأن نكف عن وصف تبديل المبادئ بأنه ذكاء أو مرونة. فالمرونة تكون في الوسائل، أما المبادئ فلا تتبدل بتغير الأشخاص والظروف.

يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، وهذه الآية ليست مجرد موعظة، بل قانون حضاري كامل؛ فنهضة الأمم تبدأ من إصلاح الضمير قبل إصلاح الحجر، ومن استقامة القيم قبل تضخم الأرقام.

وتذكروا دائمًا أن الأوطان لا يهزمها الفاسدون وحدهم، بل يهزمها الذين يقنعون الناس بأن تغيير المبدأ نوع من الذكاء، وأن التلون مهارة، وأن الحقيقة نسبية تخضع للأشخاص والمصالح. هناك يبدأ الانهيار الحقيقي، وهناك أيضًا تبدأ معركة الإنقاذ؛ معركة استعادة الضمير، وإحياء قيمة الصدق، وترسيخ مبدأ أن الحق حق ولو خالف الهوى، وأن الباطل باطل ولو صفق له الجميع.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق