أعداء في العلن وحلفاء في الخفاء.. السر الملياري وراء صناعة سوني وسامسونغ لنجاح “آيفون”!

يقول المثل الشعبي إن طباخ السم يتذوقه، فالطبيعي أن من يملك الطعام لا يعطيه للآخرين ويطلب هو طعامه من الخارج، أو يأكل بقايا الطعام وليس أفخره، وإن كان المثل الشعبي ينطبق على قطاع الطبخ فصناع التكنولوجيا لهم رأي آخر، فما يصنعونه من ابتكارات لا يحتفظون بأفخره وأبرزه لأنفسهم بل يبيعونه للآخرين.. فلماذا؟ وما السر الاقتصادي وراء الأمر؟ وهل هم أعداء متنافسون أم حلفاء تجمعهم لعبة المليارات؟
هي لعبة خفية يديرها عمالقة التكنولوجيا وصناعة الهواتف تحديداً في العالم، سوني، وسامسونغ، وإل جي شركات كبرى، تملك من براءات الاختراع والتقنيات أحدثها وتصنع التقنيات في مصانعها، ولا تستخدمها في أجهزة تحمل علاماتها التجارية، بل تبيعها بأسعار عالية، وتستخدم تقنيات أقل في أجهزتها الخاصة، وهو أمر غير منطقي نظرياص، ولكنه عملياً المنطق ذاته.
في الوقت الذي تعاني فيه هواتف سوني “” XPERIA من تراجع مرعب في المبيعات بحصة سوقية تكاد لا تذكر (أقل من 0.5%)، يجلس قطاع أشباه الموصلات (SONY SEMICONDUCTOR) على عرش مستشعرات الكاميرات بحصة تتجاوز 54% من السوق العالمي، وأرباح تشغيلية تتخطى 1.5 مليار دولار سنوياً!
أرباح تجعل الشركة اليابانية، ربما لا تبالي بحصتها السوقية في مبيعات الهواتف نفسها.
الحقيقة أن أفضل مستشعرات سوني، والتي ربما لو وضعتها سوني في أجهزتها لأصبحت الأفضل في الأسواق، سوني نفسها لا تضيفها لهواتفها أولاً، بل على العكس تنتظر صدور نسخة أحدث وأقوى وتستخدم في أجهزتها الحديثة النسخة الأقدم من المستشعرات.
مثلاً المستشعر العملاق (IMX989) بحجم 1 إنش؛ سوني طورته لكن من أطلقه للعالم؟ شركة شاومي في هاتفها XIAOMI 12S ULTRA. سوني انتظرت طويلاً لتضع نسخة مختلفة في هواتفها. وكذلك سلسلة مستشعرات (LYTIA) الحديثة؛ رأيناها تتألق بقوتها الكاملة في هواتف مثل (OPPO FIND X7 ULTRA) و(XIAOMI 14 ULTRA) قبل أن تتبناها سوني في أجهزتها الرائدة.
المحللون التقنيون يفسرون هذا بأن سوني تتعامل بذكاء مالي بحت؛ فهي تبيع أفضل تقنياتها لمن يمتلكون قدرة تسويقية وبيعاً بمئات الملايين (مثل أبل والشركات الصينية) لضمان استرداد تكاليف البحث والتطوير المليارية، بينما يبقى قسم “إكسبيريا” مجرد واجهة عرض (SHOWROOM) غير مكلفة للحفاظ على التواجد.
ويرى نيل شاه نائب رئيس الأبحاث في المؤسسة العالمية COUNTERPOINT RESEARCH بأن استراتيجية “سوني” تركز بشكل صارم على (B2B – البيع للشركات) لتعظيم الأرباح. وأشار إلى أن سوني تتعمد الشراكة مع شركات صينية مثل شاومي وأوبو لتسويق مستشعراتها الثورية (مثل فئة 1 إنش)، لأن هذه الشركات تمتلك ميزانيات تسويق ضخمة وقدرة على بيع ملايين الوحدات في السوق الصيني الضخم، وهو ما لا تستطيع هواتف “إكسبيريا” تحقيقه.
وربما سوني كانت “أستاذ” هذه السياسة التسويقية، ووضعت لها أسساً سار عليها العديد من الشركات، وأبرزها سامسونغ الكورية، التي تلقفت السياسة وسارت عليها بنفس الطريقة، لتجني مليارات الدولارات على الجانبين، المبيعات الخاصة ومبيعات الأجزاء.. فماذا فعلت سامسونغ؟
سامسونغ هي مدرسة في “فصل التوائم”، فقطاع الهواتف (GALAXY) في حرب دموية مع أبل، لكن قطاع الشاشات (SAMSUNG DISPLAY) هو الصديق الصدوق لأبل، بل وتقول الشائعات إن مستشعرات أبل في الجيل القادم من آيفون في سبتمبر المقبل، ستكون من سامسونغ.
لغة الأرقام والموديلات
في الشاشات سامسونغ تسيطر على نحو 50% من سوق شاشات OLED عالمياً، التقارير المالية والتحليلات تؤكد أن سامسونغ تجني مليارات الدولارات من تصنيع شاشات هواتف الآيفون، حتى أن بعض المحللين أشاروا إلى أن أرباحها من توريد مكونات الآيفون تتخطى أحياناً أرباحها من مبيعات فئات كاملة من هواتف غالاكسي.
ومؤخراً، تشير تقارير المحللين مثل “مينغ تشي كو” إلى أن أبل تعتمد بالكامل على سامسونغ لحل مشكلة “التجعد” (CREASE) في أول آيفون قابل للطي المتوقع إصداره، بصفقة توريد مبدئية تبلغ 8 ملايين شاشة.
تلك المشكلة التي لم تحلها سامسونغ حتى الآن في أجهزتها، ستحلها لأبل في خط إنتاجه، بشاشات ليس فيها تعرجاً في المنتصف والتي قيل أن أبل ستطلق عليها لقب آيفون ألترا وستصدر في الربع الرابع من العام الجاري.
وفي الكاميرات، قطاع (SAMSUNG ISOCELL) يحمل نفس عقلية سوني، فأول مستشعر 108 ميغابكسل ذهب لشاومي في (MI NOTE 10) عام 2019، بينما انتظر هاتف غالاكسي حتى 2020 ليحصل عليه، وأول مستشعر 200 ميغابيكسل (HP1) ذهب لهاتف (MOTOROLA EDGE 30 ULTRA).
الاستراتيجية هنا ذكية، سامسونغ تقوم باختبار السوق ومعالجة الأخطاء على حساب المنافسين، وفي الوقت نفسه تكسب مليارات من بيع المستشعرات، ثم تطلق النسخة الأكثر نضجاً (HP2) حصرياً في هاتفها وهو ما تحقق بدءاً من GALAXY S23 ULTRA، عندما طرحت المستشعر لأول مرة في أجهزتها.
والأمر يسير على نفس المنوال كلما طرحت الشركة الكورية مستشعراً جديداً، وآخرهم مستشعر ISOCELL HP9، طرحته الأجهزة الصينية أولاً وبعد جيلين أو ثلاثة تطرحه سامسونج في أجهزتها من الفئة العليا.
روس يونغ المؤسس والرئيس التنفيذي لمؤسسة DSCC، يقول إن قطاع (SAMSUNG DISPLAY) يحقق أرباحاً تشغيلية من من بيع شاشات (OLED) لشركة “أبل” تفوق أحياناً أرباح قطاع الهواتف المحمولة في سامسونغ خلال أرباع مالية معينة.
الخروج من الباب.. والعودة بالأرباح
وإذا كانتا سامسونغ وسوني ما يزالا في سوق الهواتف المحمولة، ويتبعان سياسة الربح المزدوج، فهناك شركات قررت ان تتخذ طريقاً آخر، مثل إل جي الكورية، التي اكتفت بما قدمته من هواتف ذكية، وكانت في مقدمة الأجهزة والابتكارات، لتقرر أن البيع بالتجزئة أفضل من تجميع الأجهزة وانتظار الأسواق للمبيعات.
إل جي أعلنت رسمياً إغلاق قسم الهواتف في 2021 لأنها كانت تنزف أموالاً في سوق يحترق بالمنافسة، لكن هل خرجت من السوق؟ على الإطلاق فقط غيرت الاستراتيجية.
وفقاً للتقارير المالية الأخيرة، قطاع (LG INNOTEK) يعيش عصره الذهبي، حيث استحوذ على الغالبية العظمى من طلبات توريد وحدات كاميرات لآيفون (وصلت لـ 70% في سلسلة آيفون 15)، الكاميرات وحدها شكلت 83% من إيرادات الشركة العام الماضي!
إل جي تجني اليوم من مبيعات “آيفون” أرباحاً مضمونة ومليارية لم تكن لتحلم بها عندما كانت تنافس بشعارها الخاص في الأسواق.
ويرى الخبراء أن هذا ليس غباءً استراتيجياً من هذه الشركات، بل هو ما يُعرف بـ “اقتصاديات الحجم” (ECONOMIES OF SCALE).
ويؤكد بريان ما نائب رئيس أبحاث الأجهزة في مؤسسة (IDC) العالمية للبيانات التناقض الداخلي في شركات مثل سامسونغ، موضحاً أن هيكلة الشركة الكورية تفصل تماماً بين “سامسونغ للإلكترونيات” (التي تصنع هواتف غالاكسي) وقطاعات المكونات (الشاشات والشرائح).
ويشير إلى أن توجيهات الإدارة العليا لقطاعات المكونات هي “بيع التكنولوجيا لمن يدفع أكثر ويوفر طلبيات أكبر”، حتى لو كان هذا المشتري هو المنافس المباشر الذي يسعى لتدمير مبيعات “غالاكسي”.
في النهاية، تتصارع الشركات إعلامياً ودعائياً، وترى الشعار محفوراً على ظهر هاتفك، فتتفاخر به، وفي حقيقة الأمر الشعار ما هو إلا مجرد غلاف؛ أما من الداخل، فالمنافسون يتبادلون القطع، والأموال تصب في نفس الخزائن!




