سفير تركيا ينعى «إلبر أورتايلي» بعد وصفه مصر بأنها أم الدنيا

نعى السفير التركي بالقاهرة، صالح موطلو شن، المؤرخ التركي البارز إلبر أورتايلي، الذي وافته المنية تاركا إرثا فكريا ضخما، مؤكدا أن الراحل كان يعتبر مصر هي أم العالم الحديث وحجر الزاوية في تاريخ الحضارة الإنسانية. ويأتي هذا النعي ليعيد تسليط الضوء على المكانة الاستراتيجية والتاريخية التي تمثلها مصر في الوجدان الثقافي التركي، خاصة في ظل تنامي العلاقات الثقافية والدبلوماسية بين البلدين في الآونة الأخيرة، حيث استشهد السفير بكلمات الراحل التي تصف مصر بأنها بلد لا يموت أبدا وتعرف دائما كيف تنهض من جديد.
مصر بعيون أورتايلي: مركز الحضارة الوجودية
استعرض السفير التركي مقتطفات من كتابات أورتايلي التي تبرز القيمة الخدمية والمعرفية التي قدمتها الدولة المصرية القديمة للبشرية، مؤكدا أن الريادة المصرية سبقت الحضارات اليونانية والرومانية بقرون. وتتجلى أهمية هذه الشهادة التاريخية في النقاط التالية:
- تفوق المصريين القدماء في العمليات الحسابية والهندسة بطرق أكثر عملية وسهولة من اليونانيين.
- تأصيل علم الكيمياء الذي اشتق اسمه من شيميا وهو الاسم القديم لمصر.
- تأسيس قواعد الصحة والنظافة العامة والتشريح البشري الدقيق الذي استلهمه العالم لاحقا من ممارسات التحنيط.
- بناء نظام مالي وإداري متطور نقلته الإمبراطورية الرومانية عن المصريين، خاصة في مجالات قياس الأراضي وفرض الضرائب.
خلفية تاريخية وقيمة مضافة: النهضة المصرية الحديثة
تشير الوثائق التاريخية إلى أن رؤية أورتايلي لم تكن مجرد إعجاب بالماضي، بل رصد لعملية التحديث المستمرة. ففي مطلع القرن التاسع عشر، ومع حملة نابليون، كانت القاهرة وحدها تضم نحو 700 سبيل وكتاب، مما يعكس مستوى متقدما من التنظيم الاجتماعي والتعليمي. وترتبط أهمية هذه المعلومات بكونها تشرح لماذا كانت مصر سباقة في التعليم الأولي الذي شمل:
- تدريس اللغات العربية والتركية والإنجليزية في وقت مبكر جدا بمؤسسات تعليمية بسيطة.
- ربط العمارة بالخدمات العامة كما في سبيل محمد علي باشا الذي اعتبره أورتايلي نقطة انطلاق النهضة المصرية الحديثة.
- الاستمرارية الثقافية التي تربط بين شوارع القاهرة التاريخية مثل شارع المعز لدين الله وتوظيفها الجمالي والسياحي كأطول متحف مفتوح للآثار الإسلامية.
أرقام ومقارنات حضارية بين النيل والرافدين
وضع المؤرخ الراحل مقارنة تحليلية بين حضارات العالم القديم، حيث رأى أن الحضارة بدأت بالفعل في بلاد الرافدين، لكن ثروة نهر النيل ودلتاه وفرت لمصر استمرارية واتساقا جعل منها حضارة مهيبة لا تضاهى. إن القوة الاقتصادية المرتبطة بالنيل قديما هي التي أنتجت هذا الفائض المعرفي الذي نلمسه اليوم في الترميمات المستمرة لمعالم مثل جامع أحمد بن طولون الذي يعود تاريخه إلى عام 750 ميلادية، مما يجعل مصر حالة دراسية فريدة في ملامح النهوض حتى في أصعب الظروف السياسية أو الاقتصادية.
متابعة ورصد: مستقبل التراث المعماري
تؤشر تصريحات السفير التركي ونقله لمذكرات أورتايلي إلى اهتمام دولي متزايد بحركة الترميم الجارية حاليا في القاهرة التاريخية. فالمؤرخ الراحل لفت الانتباه إلى أن ملامح النهضة تلوح الآن في الأحياء القديمة من خلال ترميم المباني الأثرية في باب زويلة والجمالية. ومن المتوقع أن تسهم هذه الشهادات التاريخية في تعزيز السياحة الثقافية وجذب الباحثين المهتمين بالعلاقات العثمانية المصرية، حيث يظل سبيل محمد علي المشيد فوق صهريج المياه شاهدا حيا على نموذج النهضة المشترك الذي يجمع بين أصالة الشرق ومعايير العصر الحديث.




